عدوّ غيرُ منظور في الجنوب... وأساليب إستخباريّة لمواجهته

عدوّ غيرُ منظور في الجنوب... وأساليب إستخباريّة لمواجهته

أصبح مخيّم عين الحلوة "رسمياً" المساحة الجغرافية الوحيدة التي ما زال الإرهابيون ناشطين فيها، يديرون عمليّاتِهم من غرفٍ خاصة لتنفيذِها على كل الأراضي اللبنانية، وتتفلّت فيها "الذئابُ المنفردة" تمهيداً لتنفيذ عملياتٍ إرهابية من نوعٍ آخر... "حربٌ إستباقية" تتحضّر لتُشَنّ على المخيّم، فما هي تفاصيلها؟ لم تكن التحذيراتُ الأمنية التي أصدرتها السفاراتُ الغربية جديدة، بل إنّ الأجهزة الأمنية اللبنانية كانت على علمٍ بأنّ الساحة اللبنانية باتت مفتوحة على نوعٍ جديد من المعارك التي لم تعد عسكريةً بل أمنية، وهو ما لمّح إليه قائد الجيش العماد جوزيف عون في الخطابَين اللذين ألقاهما في ذكرى وداع الشهداء في اليرزة وفي احتفال التكريم في رياق، حيث أشار الى ضرورة تيقّظ الجيش في المرحلة المقبلة التي سيكون عنوانها "الحرب الإستباقية"، وثانياً كلامه عن "ذئاب منفردة" أعطى من خلاله دلالةً على أنّ قيادة الجيش وضعت كل الإحتمالات التي قد يلجأ الإرهابيون إليها وطرق التعامل معها.


ومع الحديث عن هذا الإرهاب الجديد، من الطبيعي أن تتّجه الأنظار الى "عين الحلوة" الذي تحوّل الى وكرٍ للإرهابيين.

خطر مختلف

أما الخطر الموجود في المخيمات والذي يشكّله تحديداً مخيم عين الحلوة يختلف بالتأكيد عن الخطر الذي واجهه الجيش في الجرود، ويفترض بالتالي طريقة تعامل مختلفة كلياً عن طريقة مقارَبة الجيش لوجود الإرهابيين في الجرود والخطط العسكرية التي نفّذها.

وما هذا الكلام إلّا دلالة على حجم المبالغة التي لجأ إليها البعض أو محاولات الإيحاء عن التحضير لعملية عسكرية قريبة أو عن حشودات عسكرية، فبالتأكيد أنّ الوحدات التي شاركت في التكريم في رياق عادت الى ثكناتها ولم تتّجه الى الجنوب ولا انتشرت في محيط مخيم عين الحلوة الذي تعود الإجراءات العسكرية والأمنية في محيطة لقيادة الجيش التي تقدّر كيف سيكون الإنتشارُ وحجمُه وتتّخذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب.

خطّةُ المواجهة

قد يكون أخطر ما يواجَه في "عين الحلوة" هو أننا لا نتحدّث عن عدوّ محدَّد وجبهة معروفة بل إنّ العدوّ فيه غير منظور، وهو الإرهاب بشكله العام الذي يتّخذ في كل مرة إسماً مختلفاً، فيكون يوماً شادي المولوي ليتحوّل بعده الى "أبو الخطاب"، أو هيثم الشعبي أو بلال بدر إلخ، وأمام هذا الخطر يبقى الحلُّ الوحيد هو العمل الإستخباري المكثّف والعمليات الأمنية النوعية التي كانت موجودة وما زالت وستبقى، والتي تصل الى نتيجة أكثر من العمل العسكري الذي تفترضه ظروفٌ وحالاتٌ معيّنة.

هنا ترتكز خطةُ قيادة الجيش في المرحلة المقبلة على ثلاثة أسس أساسية:

- أولاً: العمل الإستخباري من خلال تفعيل الشبكات التي تعمل على الأرض لتأمين "داتا" معلومات كبيرة، والتي تساعد على تحسين الأداء الأمني وتحقيق الإنجازات.

- ثانياً: إستطلاع المخيم والأحياء والأزقّة ومراقبتها لتكوين صورة واضحة في حال تطوّرت الأمور الى صدامٍ عسكري أو في حال تقرّر تنفيذ عمليات أمنية نوعيّة.

- ثالثاً: الأسلحة الذكية التي يجب استخدامُها في وضع كوضع"عين الحلوة" حيث لا يمكن استعمالُ المدفعية كما حصل في الجرود، لأنّ هناك حرصاً على حياة المدنيين في المخيم.

تفترض هذه العوامل أنّ الجيش انتقل من العمليات الكلاسيكية حيث يستخدم الأسلحة المعتادة كما حصل في الجرود، الى معركة "شوارع" والتي تكون مع عدوٍّ عادةً لا يكون جيشاً مقابلاً يملك خطاً معروفاً وجبهة.

وكشفت الفترة السابقة أنّ الجيش بات جاهزاً للقيام بهذا النوع من المعارك التي سبق ونفّذها وكان بعضُها داخل المخيم كتوقيف عماد ياسين، وهو ما يجب أن يطمئِن المواطنين إذ إنّ الجيش يتعامل مع مسألة عين الحلوة كما تتطلّب، وأثبت جدارته بالعملين الأمني والعسكري عندما فُرضا عليه وهو ما أشادت به أجهزةُ الإستخبارات الغربية، وكانت الجهوزيةُ والقدرة على التعامل مع الظروف المختلفة و"الليونة" بسرعة تحرّك الجيش وانتقاله من نوع حرب الى نوع حرب أخرى مفاجِئة للجميع.

إذاً، تُعتبر الأعمال الأمنية الإستباقية أساسية لمواجهة الأوضاع في عين الحلوة التي تُعتبر أساسية ومهمّة لإبعاد خطر الإرهاب وضرب الإرهابيين قبل إنتقالهم الى مرحلة التنفيذ، وفي هذا الإطار تؤكد مصادرُ مقرَّبة من اليرزة لـ"الجمهورية" أنّ المساعدات العسكرية للجيش لن تنقطع بل ستزيد في الفترة المقبلة نتيجة نجاحه أوّلاً بعملية "فجر الجرود" التي لاقت ترحيباً دولياً وإجماعاً حولها وحول كفاءة الجيش، فضلاً عن الإرتياح الغربي لحسن أداء الجيش في العمل الأمني ونجاحه في تحقيق إنجازاتٍ عجزت عنها أجهزة أمنية تملك إمكاناتٍ أكبر من تلك الموجودة لدى الجيش.

لا صفقات

أما الدولة فلم تعطِ في موقفها الرسمي الذي أبلغته للفلسطينيين مجالاً للمفاوضات مع الإرهابيين، بل كانت واضحةً بأنّ أمامهم حلّاً من إثنين: إما تسليم أنفسهم ليحاسبهم القضاء، أو اصطيادهم لسوقهم أمام العدالة، وفي هذه الحال قد يكون مصيرُهم الموت خلال عملية الإصطياد، لأنه لن يُسمح، خصوصاً بعد انتصارات الجيش وموقف القوة لدى الدولة، لأيّ إرهابيّ تطاوَل على لبناني أو عسكري أو شارك في عمل أدّى الى الإعتداء على الأبرياء، أن يفلت من الحساب أو أن يخرج من الأراضي اللبنانية بأيّ صفقة كانت.

المصدر: الجمهورية