في الأوزاعي.. يعيشون بين النفايات والمجارير!

  • مجتمع
في الأوزاعي.. يعيشون بين النفايات والمجارير!

في أحد أزقّة الأوزاعي في الضاحية الجنوبية، مفرق صغير تكاد لا تراه، وما إن تقرّر أن تطأَه بقدميك، حتى تكاد تغرق في مياه المجارير المتسرّبة بين المنازل. وهي ليست بمنازل، بل مجرّد «حيطان» مسقوفة كيفما اتَّفق، ليبيتَ فيها من كُتِب عليه الشقاء. وأمّا الروائح فحدِّثْ ولا حرَج، عفنُ أسماك مختلط بانبعاثات آسنة من أنهار مجارير تُعطّل الحواس وتخدّر كلَّ ما يتصل بالجسم البشري.

سكّان هذا الحيّ أشخاص يعيشون من قلّة الموت، هذا هو التوصيف الأدقّ لحالتهم. تسأل كيف يعيشون؟ وهل يمكن أن تكون أنتَ مكانهم؟ بل هل تستطيع ذلك؟ أو ماذا لو كنتَ مكانهم؟ قد تقرّر في نفسك التضامنَ مع هؤلاء، ولكنْ كيف؟ أبتمضية يومٍ كامل معهم لتقفَ على حجم المعاناة التي يتكبّدونها؟

وقد تقرّر مساعدتهم؟ ولكن كيف؟ هل ببعض الملابس، هل ببعض السِلع؟ وحتى لو قمتَ بذلك، فستعود آخِر النهار لحياتك، لسريرك الدافئ، لمياهك النظيفة، لدوائك المتوافر، ولطعامِك اللذيذ، ، وأمّا هم فسيبقون حيث هم، جمرةً محترقةً ولا مَن يطفئها أو يسدُّ رمقَ من أكلتهم المعاناة.

ريما، تلك الصبية الثلاثينية، تقف على شرفة منزلها المطلّ على البحر، تنظر إلى البعيد، لا ترى سوى الفراغ أمامها، ولكنّه فراغ من نوع آخر، فراغ محا اللون الأزرق للبحر، وحجَبه بأكوام نفايات فيها من كلّ شيء: علب بلاستيكية ومحارم ورقية، فرشٌ ممزّقة، آلات كهربائية معطلة، دِلاء فارغة، وغيرها وغيرها. بعض هذه النفايات متراكم حتى ليكادُ يكون جبلاً، وبعضها الآخر يسبح على الشاطئ.

تسحب ريما «نفَساً» من «الأرغيلة»، ثمّ ترتشف قهوتها وعينُها على المشهد أمامها، لكنّ نظراتها فاترة وكأنّها جامدة لا حياة أو مشاعر فيها، عندما تدنو منها أكثر ترى حزناً عميقاً يكاد يفجّر في داخلها بركاناً يختزن الكثير من التعب والمعاناة: «خلِقت هون وربِيت هون، وهلّأ دور ولادي»، تقولها ريما بابتسامةٍ ساخرة، هي الابتسامة ذاتُها التي ترسمها على شفتيها وهي تتأمل ما بقيَ من البحر، وترتشف قهوتها، وحتى عندما تحرس أولادها عن بُعد، أو عندما تسألها «كِيف عايشين؟»، ابتسامة ريما هي عنوانٌ لشخصيتها، تطلّ من خلاله على قدرها وعلى الظلم الذي كُتِب لها أن تعيش فيه منذ ولادتها.

تكمِل سَيرك، ولا مفرّ لك من أن تضحّيَ برجليك لكي تعبرَ نهر المجارير، فيلفتُ انتباهَك أربعة أطفال يدورون حول بعضهم البعض، لا ألعابَ بحوزتهم ولا حتى ما يسمّونها «شحّاطات» في أرجلِهم، إذ لا يملكون أيّاً منها، تُخبر إحدى الفتيات أنّها سبحت مع أختها ورفيقتها منذ أيام، فأصِبن ليلاً بالحمّى وطفرَت أجسادهنّ بالتقرّحات، إنه التلوّث بطبيعة الحال، موضِحةً أنّ المياه التي يغتسل فيها الأهالي ملوّثة ربّما أكثر من مياه البحر.

هي رحلة الألف حكاية وحكاية، ويبدو أن لا نهاية لها، على بُعد أمتار، يقف «حيدر» أمام كومةِ نفايات، منهمكاً في البحث عمّا يمكن أن يبيعه ولو بثمنٍ زهيد، تُفاجَأ حينما تقترب منه بورَمٍ ضخمٍ في رقبته، فيَصدمك بقوله إنه مصاب بسرطان الرئة وإنه يكتفي بتناول الأدوية فقط، فهو لا يستطيع إجراء عملية لإزالته، يهزّ برأسه ويتمتِم: «أكيد بدا تجي الأمراض طالما عايشين بهالزبالة».

لن تستطيع الكلمات إيفاءَ المَشاهد حقّها، فكُثر في هذا الحي يعانون من الجرَب، آخَرون من السرطان، فيما الأكثرية لا تستطيع الحصول على مياه نظيفة للاغتسال والاستحمام.

 

 

المصدر: الجمهورية