ما هي الميثاقية؟

  • مقالات
ما هي الميثاقية؟

ما هي الميثاقية؟

 

بالرغم مما يعانيه لبنان من ازمات سياسية واقتصادية واجتماعية ضاغطة، يحاول بعض الأفرقاء السياسيين في لبنان فرض لفظة جديدة على القاموس السياسي اللبناني ألا وهي الميثاقية وما يتبعها من الفاظ كالرئيس الميثاقي وقانون انتخاب ميثاقي وسلطة ميثاقية. إلا أن دراسة ذلك المصطلح  من خلال بعض الامثلة في تاريخ لبنان يساعدنا في تبيان المعنى الحقيقي لهذه الكلمة وماهيتها ودورها، وذلك بهدف إدراك أبعادها في المرحلة الراهنة ومعرفة هدف هذا البعض من وراء طرحها.

يعود استخدام كلمة "ميثاق" لأول مرة في التاريخ اللبناني الى عهد الإمارة الشهابية (١٦٩٧ -١٨٤١) وذلك في مصطلح "الميثاق الشهابي". أرتبط هذا الأخير ارتباطا عضويًا بالظروف التي سبقت وضعه والتي تمثلّت بالحروب والفتن والمقالات التي اعقبت استسلام الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير سنة ١٦٣٣ والتي استمرت زهاء سبعين عامًا، عجز خلالها الأعيان الدروز المتخاصمين دومًا فيما بينهم عن اختيار أمير متقدم من بينهم لجمع الضرائب للسلطنة العثمانية وفرض الأمن في الإمارة. كاد ذلك الوضع ان يهدد الولايات العثمانية المجاورة، ما دفع السلطنة إلى الضغط على الأعيان الدروز الذين تداعوا إلى اجتماع عام عُقد في السمقانية سنة ١٦٩٧ حيث أقروا ميثاقًا فيما بينهم عُرف بـ "الميثاق الشهابي" تيمنًا باتفاقهم على حصر اختيار الامير المتقدم عليهم من الأسرة الشهابية السنية. لقد شكل هذا النظام، الى حدّ ما، ضمانة للسلطنة العثمانية، ولكنه في المقابل لم يمنع حصول القلاقل في جبل لبنان، بل على العكس ساهم وبطريقة غير مباشرة في تجدد الحروب والفتن، وإن بوتيرة منخفضة مقارنة مع الفترة السابقة، ولكن هذه المرة داخل الأسرة الشهابية كما بين أمراء تلك الأسرة والأعيان الدروز وبين هؤلاء جميعًا والولاة العثمانيين في دمشق وعكا. وذلك لأسباب عديدة، نذكر منها تحديد صلاحيات أمير جبل لبنان وربطها بتوافق الأعيان فيما بينهم، وبالتالي عدم امتلاك الأمير لسلطة تخوله الحسم بين الأعيان الدروز الذين فاقت في البداية سلطتهم سلطة الأمير الشهابي. وإذا كان الخلاف بين السلطة المركزية برئاسة الأمير بشير الشهابي الثاني وسلطة الأعيان الدروز بزعامة الشيخ بشير جنبلاط قد انتهى مرحليًا بالقضاء على هذا الأخير سنة ١٨٢٥، فإن الصراع مع الولاة العثمانيين لم ينته إلاّ بقيام والي مصر محمد علي بغزو المشرق سنة ١٨٣١. نتج عن هذا التحول الدراماتيكي، ونتيجة لضعف النظام السياسي، صراع من نوع جديد داخل مجتمع جبل لبنان تمثّل في الموقف من الغزو المصري. فانقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض حول ذلك الغزو، ونظرًا لتقييد سلطة الامير بالميثاق، عجز هذا الاخير عن مواجهة هذا الانقسام. وكان لعدم أخذ واضعي نظام الميثاق الشهابي بعين الاعتبار مسألة المتغيرات الديموغرافية في جبل لبنان والتي كانت تميل لصالح الموارنة، الى اندلاع الحرب الأهلية الأولى سنة ١٨٤١ والتي تجددت نيرانها وبطريقة أكثر دموية سنة ١٨٦١.

 

بعد تلك المرحلة غابت لفظة "ميثاق" من القاموس السياسي اللبناني، ليعود ويظهر سنة ١٩٤٣ وذلك في إطار جديد عُرف يوم ذاك بالميثاق الوطني. لقد اعطي هذا الأخير أبعادًا سياسية كثيرة إلا أنه في النهاية لا يختلف كثيرًا عن سابقه، فهو وُضع من أجل أيجاد أرضية مشتركة بين فريقين لبنانيين لم يمتلكا وقتها الخبرة الكافية في إدارة شؤونهم بطريقة مشتركة. وما يؤكد ذلك هو دراسة الظروف السياسية التي سبقت وضعه والتي تمثّلت بالتحول التدريجي لدى المسلمين في قبولهم لدولة لبنان الكبير، وذلك تحديدًا بعد تخصيص مراكز سياسية وازنة لهم في السلطة وبعد إعلان سوريا صراحة في المعاهدة الموقعة مع فرنسا سنة ١٩٣٦ عن تخليها عن المطالبة بضمّ لبنان إليها. قابل هذا التحول أدراك الموارنة استحالة الاعتماد على فرنسا المنخرطة في وحول الحرب العالمية الثانية والتحول الدولي الذي قادته بريطانيا في المنطقة والذي هدف إلى احراج فرنسا لإخراجها. نتج عن هذا التلاقي بين العامل المحلي والعامل الدولي في ولادة حيّز سياسي ساعد اللبنانيين في تثبيت الثقة فيما بينهم وقد عُرف وقتذاك بالميثاق الوطني. ولكن بعد فترة، شكّل هذا الأخير مكمن ضعف في النظام اللبناني، حيث بات هذا الاخير محكومًا بنصّ مكتوب عُرف بالدستور ونصّ شفوي عُرف بالميثاق، والتناقض واسع فيما بينهما. فاذا كان الدستور قد حصر صلاحية اختيار رئيس الحكومة برئيس الجمهورية، فقد جعل الميثاق ذلك خاضعًا للتشاور بين اللبنانيين، وكانت لمظاهرة واحدة في بيروت او طرابلس كفيلة بتغير رئيس الحكومة. وبرز هذا التناقض جليًا في مسألة التفاوض بين لبنان والدول الأخرى وعقد الاتفاقيات الدولية، ففي حين حدد الدستور ذلك من ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية، كان هذا الأمر خاضعًا بدوره، ووفق الميثاق، لتوافق اللبنانيين، وتحول هذا التناقض إلى أحداث ميدانية في صيف ١٩٥٨ وتطورت بطريقة دراماتيكية وأكثر دموية بين نيسان ١٩٧٥ وتشرين الأول ١٩٩٠.

    

دراسة تلك المعطيات التاريخية تدفعنا إلى الاستنتاج بأن المعنى السياسي لكلمة ميثاق ضيق جدًا ولا يتعدى إطار حيّز صغير يتجسّد على أثر تلاقي عوامل محلية مع عوامل دولية بهدف ترسيخ الثقة بين اللبنانيين بعد مرحلة من التحولات والاضطرابات. وغالبًا ما يُعطى أبعادًا سياسية كبيرة تجعل منه اداة لتقويض السلطة المركزية او اقله محاولة وضع اليد عليها. ونظرًا لاختلاف اللبنانيين الدائم فيما بينهم يصبح الخروج عن الميثاق امرًا شبه مستحيل، ما يؤدي عندها الى تأجج الصراع بين السلطة المركزية من جهة وسلطات الاعيان او الاحزاب من جهة اخرى. وإذا تلاقت هذه المعطيات مع عوامل دولية مؤثرة يأخذ عندها الصراع طابعًا دمويًا. إنطلاقًا من ذلك، لا يبدو لنا استخدام كلمة "ميثاقية" اليوم إلا تعبيرًا غير معلن عن محاولة هذا البعض لتقويض السلطة المركزية بغية تطويعها والانقضاض عليها، وذلك لربط لبنان بمحاور اقليمية غريبة عن هويته الحقيقية وتاريخه، وما وضع ذلك الشعار في إطار استعادة حقوق المسيحيين إلا قُصر نظر سياسي ومحاولة الهاء اللبنانيين. وبالتالي ليس هناك من وجود لرئيس ميثاقي ولا لقانون انتخاب ميثاقي ولا لسلطة ميثاقية، بل هناك وجود لنصّ مكتوب هو الدستور اللبناني الذي وحده دون غيره من يحدد الآليات الدستورية في انتخاب الرئيس ووضع القوانين وتحديد شكل ونوع السلطة، اكانت مركزية او لامركزية، وكل ما عدا ذلك هو باطل وبالتالي لن يرحمه التاريخ ابدا ً .

  

المصدر: Kataeb.org