هكذا رماني والدي في أحضان الرجال"!

هكذا رماني والدي في أحضان الرجال

تبلغ سهى من العمر 15 سنة، هي كبيرة أشقائها، غير مسجّلة في سجلات النفوس، لا تملك أوراقًا ثبوتيّة تخوّلها الدخول إلى المدرسة، أو التسجّل في أي دورة مهنيّة تكسبها شهادة وتخوّلها العمل بمهنة محترمة. تعيش مع أمها وأبيها وأشقائها العشر في غرفة صغيرة من التنك، في صبرا، بضواحي بيروت.

للوصول إلى هذه الغرفة التي تفتقر إلى أدنى مقوّمات النظافة ومستلزمات العيش الصحيّ، نمرّ بطريق ترابيّة، تملأ النفايات والقذارات جوانبها، وتنتشر على أطرافها بطريقة عشوائيّة، بيوت حجريّة أسقفتها من النيلون المدعّمة بإطارات كي لا يزيلها الهواء.

 

هناك في هذه الغرفة يعيش إثنا عشر شخصًا، من بينهم طفل لا يتعدى الرابعة من عمره ويعاني من إعاقة جسديّة. في هذه الغرفة التي تضيق على إنسان واحد، يعيشون والمياه تسري تحتهم، فيأكلون على الأرض، ويجلسون على الأرض، وينامون على الأرض فيتحرّشون ببعضهم لا شعوريًا، نتيجة هذا الاختلاط وبسبب غياب رعاية الوالدين.

الفقر والجهل: طريق نحو الاستغلال


بسبب هذه الحالة المعيشيّة المزرية، اضطرت سهى إلى العمل في سنّ الثالثة عشرة. فما إن بلغت حتى أرسلها والدها لتعمل مع والدتها في ملهى ليلي، لزيادة مدخوله والمال الذي ينفقه على الكحول والقمار وملذّاته الخاصّة.

تسرد سهى قصّتها وتقول: "بدأت العمل والرقص في الملاهي الليليّة في سنّ الثالثة عشرة، وها قد مرّت سنتان على عملي في هذا المجال. أستفيق مساءً، فيقلّنا والدي أنا ووالدتي عند الساعة السادسة إلى العمل، ولا نعود إلى المنزل قبل الساعة الرابعة فجرًا. هناك أرقص وأدعو الزبائن لشرب كأس".

وتستكمل سهى سرد تفاصيل أمسياتها، وكيف يرمي مرتادو الملهى عقدهم وأوساخهم عليها: "خلال الرقص، لا أعرف من يضع يده عليّ، ولا من يتلمّس جسدي. علّموني الرقص هناك، وعلّموني طرق استمالة "الشريبة"، وكيفيّة محادثة الزبائن، فأنال بقشيشًا أضيفه إلى يوميتي".

 

أقرف الرجال وأخاف والدي


قبل بدء العمل في الملاهي، كانت ترتاد سهى مركز "دار الأمل" في صبرا، حيث تتعلّم القراءة واللغة الإنكليزيّة، لكنّها أخيرًا باتت تغيب أيّامًا عن المجيء إلى الصفوف، إلى حين اكتشاف وضعها الجديد. فتقول باكية: "والنبي أريد أن أتعلّم، لا أريد أن يلمسني أحد، أقرف منهم كلّهم، ولكني أخاف من مجابهة والدي، ورفض الرقص في الملهى كي لا يضربني".

تأمل سهى بمستقبل أفضل، ولا تكلّ عن التعبير عن نيّتها الهرب من والدها، وتقول: "سأهرب من أبي يومًا ما. الآن خطبت لشاب يعمل معي في الملهى، وسأتزوّجه قريبًا، وستكون حياتي سعيدة".

 

بحثًا عن سعادة لم تذق طعمها يومًا، سهى مستعدّة للزواج من رجل لا تعرف إذا كان سيكمل في استغلالها، خصوصًا أنه منخرط في هذا الجو الموبوء، ويدرك ما تقوم به في الملهى، وقدراتها على استمالة الزبائن. فهي كانت ضحية والد لا يفقه معنى الأبوة، ووالدة جاهلة ومسلوبة الإرادة، وزبائن لا يفكّرون إلّا بملذّاتهم وغرائزهم، ودولة تعيش في غيبوبة. فهل تجد مخرجًا وتهرب من واقعٍ يؤلمها ويبكيها يوميًا؟

 

زعزعة نفسيّة


في الحديث عن التبعات النفسيّة التي تعاني منها الفتيات القاصرات اللواني يُستغلّن ويُدفعن نحو العمل في الدعارة، وقدرتهن على ترميم ما تكسّر في أنفسهن، تقول الاختصاصيّة النفسيّة، رامية شهلا، لـ"النهار": "في البداية، تتميّز شخصيّة الفتاة التي تدفع نحو الدعارة بكونها مستهترة ولامبالية وضعيفة، لكن سرعان ما تقسو وتصبح ناقمة على المجتمع من حولها. ومع الوقت تعاني هذه الفتاة من برود جنسيّ وعاطفيّ، وتنظر إلى جسدها بطريقة دونيّة، وتصبح مرتدّة عن القيم الأخلاقيّة، حاملة في نفسها حقدًا دفينًا نحو الرجل بسبب نقص الحنان الأبوي، فتميل نحو الانتقام منه بأشكال مختلفة".

وللدعارة واستغلال القاصرات آثار كثيرة على صحّة نشوئهن ونموّهن، وهو ما تشرحه شهلا بالقول: "للدعارة واستغلال الأطفال من أهلهم المفروض بهم رعايتهم واحتضانهم بدل الاتجار بهم، آثار كثيرة، جسديّة وصحيّة ونفسيّة. فهي قد تصاب بأمراض جنسيّة، فتنقلها بدورها إلى الآخرين. كما تتزعزع العلاقة داخل الأسرة بسبب سوء المعاملة ووجود هذا الجوّ غير الصحيّ. وهو ما يستلزم رعاية خاصّة ومتابعة دقيقة لهذه الحالات لتخطي هذه التجربة المؤلمة، وإعادة ثقتها بالمجتمع".

 

استغلال إلى تفاقم


إلى ذلك، تقول الاختصاصيّة الاجتماعيّة ومسؤولة مركز صبرا في "دار الأمل"، نهاد البستاني، لـ"النهار" : "بدأنا العمل في بؤر الفقر اللبنانيّة منذ سنين طويلة، بدأنا مع النساء اللواتي يمارسن الدعارة بهدف تقديم الدعم النفسيّ والصحيّ والقانونيّ لهن، ومساعدتهن على الخروج من هذا الجوّ. والآن بتنا نركّز على كثير من المواضيع ولعلّ أبرزها الاتجار بالأطفال. هذه الظاهرة تكثر في المناطق الفقيرة بسبب الجهل والأميّة والكثافة السكانيّة، وبسبب عدم حصول كثيرين منهم على أوراق ثبوتيّة تخوّلهم التعلّم والعمل. واليوم هذه المشكلات تتفاقم، ومافيات الاتجار بالأطفال تتوسّع بسبب النزوح السوري، وبات الأطفال أكثر عرضة لمخاطر الاتجار بهم واستغلالهم والوقوع في براثن شبكات الدعارة والتسوّل وغيرها".

 

سهى وعائلتها


وتتحدّث البستاني عن حالة سهى، وتقول: "لقد اكتشفنا حالتها منذ فترة، فهي كانت تتردّد إلى المركز يوميًا، للمشاركة في النشاطات الترفيهيّة والتربويّة التي ننظّمها، لكن منذ أكثر من سنة، باتت تغيب أو تأتي وتنام خلال الحصص، فيما الماكياج على وجهها. فعلمنا أنّ والدها أرسلها للعمل مع والدتها في ملهى ليلي. وعبّرت لنا مرارًا عن نفورها من هذا الجوّ، ورغبتها في التخلّص من هذا العمل، والهرب من واقعها بشتى الطرق. ومن خلال زياراتنا التي نقوم بها إلى بيوت الأطفال الذين يقصدوننا، حاولنا إيصال الرسالة إلى الوالد بطريقة غير مباشرة، كي لا يمنعها من المجيء إلى المركز في حال علم بأنها أخبرتنا، قلنا له إنها تنام في الصفّ، وأنّ عليها أن تنام باكرًا لأنها ما زالت صغيرة، ما قد يؤثّر في نموّها، لكن الأمور لم تتبدّل. الأجواء موجودة في العائلة وطبيعيّة بالنسبة إليهم، فخالتها تعمل في الدعارة، وأخرى تعرّضت للاغتصاب وأنجبت طفلة من هذه العلاقة، فيما أخرى توفيت بسبب الدعارة. هذه الأجواء تسيطر على حياة العائلات في المجتمعات الفقيرة، بسبب الجهل والفقر والأميّة".

المصدر: النهار