الضريبة على المستفيدين من الدعم عرضة للطعن... فهل ينجح المتضرّرون؟

انتهت "مجادلات" موازنة 2024، وانتهت معها المزايدات والشعبويات في الحرص على مصالح المواطنين ونغمات ترشيد الإنفاق ووعود الإصلاح والتوازن المالي وشفافية الأرقام، بيد أن ما لم ينته هو مفاعيل بعض ما أقر في صلب الموازنة أو بالتعديلات التي طرأت عليها، خصوصاً الضريبة على التجار والمؤسسات الذين أفادوا من الدعم المشؤوم ومن منصة صيرفة إبان حكومة حسان دياب.


في المقلب الشعبي والسياسي ترحيب وتقدير للخطوة باعتبار أنها استعادة للمال المنهوب أو المهدور بغير حق، وفي مقلب المستوردين والمؤسسات التجارية فإنها بمثابة "خوّة" تُفرض من دون وجه حق ولا تتحقق فيها العدالة والمساواة الضريبية.

الاعتراض الذي قد يتحول إلى طعن أمام مجلس شورى الدولة مردّه إلى استياء التجار والمستوردين من أمرين أساسيين: الأول أن القاعدة القانونية المعروفة جداً لا تجيز إقرار تشريع ضرائب مع مفعول رجعي، والثاني أن الضريبة في حال الإصرار على تطبيقها لن تطال إلا التجار والمؤسسات المرخصة التي تعمل وفق القانون وتسدد جميع الموجبات المالية الضريبية للدولة والضمان الاجتماعي وغيرهما. فمعظم الدعم كما يعرف القاصي والداني، ذهب إلى بضائع ومستوردات انتقلت إلى خارج الأراضي اللبنانية عبر تجار يعملون خارج النظام المالي والمصرفي اللبناني، ولا يملكون أي تراخيص أو ما يشير إلى وجودهم على الخريطة الاقتصادية في البلاد.


البعض يسأل من سيحاسب هؤلاء؟ وكيف سيدفع القانوني ضريبة، وغيره لا؟، فيما تؤكد مصادر اقتصادية أن "المسألة في إطارها القانوني، وضرورتها للمالية العامة وللموازنة، تندرج في إطار استعادة المهدور و"المسروق" من دولارات الدعم، وهو الأمر المطلوب بإلحاح من الحكومة والمجلس النيابي السير به تشريعاً وتنفيذاً مستقبلاً. لكن وجب في الطريق إلى تطبيق القانون، الحرص على عدالة توزيع الضريبة "الجزائية" على الجميع، وألا يؤول مصيرها كمصير المواد المدعومة، حين أفاد فقط الخارجون عن القانون والمهرّبون فيما لم يحصل المواطن اللبناني إلا على الفتات".


في انتظار إنجاز الصيغة النهائية لمشروع القانون في مجلس النواب اليوم، أكد النائب وائل أبو فاعور أن "الإيرادات التي حققتها الشركات والمؤسسات التجارية التي أفادت من دعم السلع ستخضع لضريبة استثنائية إضافية نسبتها 10% بعدما كانت وفق الاقتراح الأساس 17%. أما إذا كانت هذه الإيرادات داخلة ضمن أرباح مكلفين خاضعين للتكليف بضريبة الدخل على أساس الربح الدولي الحقيقي، فتعد الضريبة الاستثنائية المسددة عبئاً ينزل من إيراداتهم. وكشف عن حملة شعواء تُشن على الاقتراح، وأن ثمة ضغوطاً كبيرة من التجار والمستوردين لتغيير الصيغة أو التحايل عليها، مؤكداً أن عدداً من التجار يتواصلون مع بعض النواب خصوصاً أولئك الذين تتلاقى مصالحهم الاقتصادية معهم، لجمع 10 تواقيع للطعن بالمشروع".

وحتى لا يلحق الظلم بأي من الشركات أو المؤسسات التجارية، دعا اقتراح القانون الذي قدمته كتلة اللقاء الديموقراطي "الدوائر الضريبية المختصة إلى تدقيق أعمال المؤسسات والشركات التي استفادت من الدعم وإصدار التكاليف الضريبية، وإن تبيّن أن السلع المدعومة لم تُبَع بأسعار مدعومة في لبنان، وجَبَ عليها إحالة المؤسسات والشركات المعنية إلى النيابة العامة المالية، ولا يمكن للشركات والمؤسسات التي أفادت من الدعم الادعاء بالسرية المصرفية لعدم اطلاع موظّفي الإدارة الضريبية على الحسابات المصرفية لدى المصارف عن السنوات التي حصل الدعم خلالها.


وفيما يُتوقَّع تحصيل نحو مليار دولار من هذه الضريبة، اقترح القانون أن يفتح اعتماداً سنوياً في موازنة وزارة المال يعادل قيمة المبالغ المحصَّلة من تلك الضريبة في السنة السابقة، ويخصّص هذا الاعتماد لإيفاء أموال المودعين المودعة بالعملات الأجنبية لدى المصارف العاملة في لبنان بتاريخ سابق لـ18/10/2019".

ولم يخفِ أبو فاعور أن "ثمة تجاراً حصلوا على تعامل تفضيلي عبر إعطائهم فرصة الإفادة من أموال المودعين للتجارة، وهؤلاء أفادوا من دعم استثنائي بظرف استثنائي وتالياً عليهم دفع ضريبة استثنائية على الأموال التي جنوها من الدعم، خصوصاً أن هؤلاء كانت لهم الحظوة لكي يفيدوا من الدعم دون سواهم من المؤسسات والتجار".

إضافة إلى الأرباح التي جناها بعض التجار من الدعم، أشار أبو فاعور إلى أن التجار هرّبوا أموالهم إلى الخارج من خلال استيرادهم للمواد المدعومة، وقال: "صحيح أن الدولة دعمت، وصحيح أن المواطن أفاد من الدعم، ولكن في النهاية نحن نطالب بفرض ضريبة وليس استرجاع الأموال التي صُرفت على الدعم". وأكد أن قسماً من الداتا عن أسماء الشركات التي أفادت من الدعم موجود في وزارتَي الاقتصاد والمال فيما كل الداتا موجودة في مصرف لبنان.

على مقلب الشركات، شرح نقيب مستوردي المواد الغذائية في لبنان هاني بحصلي لـ"النهار" الآلية التي كان يتم من خلالها الدعم، معتبراً أن "قرار فرض ضرائب على إيرادات الشركات والأفراد الذين استفادوا من الدعم على السلع مجحف بحق التجار الذين اتبعوا الآلية القانونية وفق القرارين 66 و89 الصادرين عن وزارة الاقتصاد". وقال: "حينها كان التجار يتقدمون بطلب إلى الوزارة مرفق بفواتير البضاعة التي يودّون دعمها وبجدول يدرج فيه تكلفة استيراد البضاعة وهامش الربح وسعر المبيع في السوق بالليرة اللبنانية. وبعد موافقة الوزير تُرسل إلى مصرف لبنان، الذي بدوره يوافق على الطلب. وبعدها يضع التاجر قيمة البضائع بالليرة اللبنانية في أي مصرف على سعر 3900 ليرة فيحوّل المصرف المركزي مباشرة القيمة بالدولار للتاجر في نفس المصرف، وبعد عملية البيع، ينبغي على التاجر أن يقدّم لوائح بالمبيعات مع أرقام فواتيرها". وأكد أن "كل هذه المستندات موجودة في وزارة الاقتصاد، بما يثبت التزام التجار بالآلية الشرعية للحصول على الدعم، علماً بأنه بعد فترة، بدأ مصرف لبنان يتأخر في سداد الفواتير للمستوردين، حتى توقف عن الدفع كلياً بعد ما يقارب السنة عن قرار الدعم. عندها اجتمعنا مع حاكم المصرف رياض سلامة ووزير الاقتصاد راؤول نعمة واتفقنا آنذاك على سداد الأموال العالقة التي تخلّف عنها المصرف المركزي لأشهر على سعر السوق كالآتي: سداد 40% دفعة واحدة و 60% على 12 دفعة شهرياً، أي كل شهر 5%، لكن لاحقاً طلب حاكم مصرف السابق رياض سلامة سدادها على سعر منصة صيرفة لا على سعر السوق، أي 70% من سعر السوق. وبعد أن أصدر المركزي القرار 151 تمنّع من جديد سلامة عن الدفع واقترح دفع 40% فريش فقط من المستحقات وشطب الـ60٪ واشترط على من يريد استحصال أمواله تقديم 4 تقارير مالية من 4 شركات تدقيق معتمدة من وزارة الاقتصاد، وهذا ما حصل وقدّمت التقارير للوزارة وحصل التاجر القانوني فقط على 40% من مستحقاته، وبعد كل ذلك يريدون اليوم تحميله ضريبة جديدة بـ10%".

أما في خصوص التهريب البرّي، فأكد بحصلي أنه كان قائماً، ومن سرق الدعم هم المهرّبون ومن هم تحت سقف القانون، لا من قدّم أوراقه لدى وزارة الاقتصاد ومصرف لبنان، وقال: "إذا أرادوا فرض ضرائب على من أفاد من الدعم فعليهم إعفاء التجار الذين اتبعوا الآليات والأطر القانونية". ورأى النقيب أن كل من التزم بهذه الآلية تسقط عنه تهمة تهريب أمواله بحجة الدعم.

وفي سياق حديثه عن المتضررين من هذا البند الضريبي، لم يحصر بحصلي مفاعيله السلبية بالتجار، بل يشمل جهات أخرى كالصناعيين والمؤسسات الصحية والمستشفيات، لافتاً إلى أن النقابة لم تتخذ قرارها بعد بهذا الشأن في انتظار إصدار الموازنة رسمياً والحصول على المعلومات كاملة.

الباحث في الشؤون الاقتصادية زياد ناصر الدين رأى أن "بند إخضاع الإيرادات التي حققها الأشخاص والشركات نتيجة عمليات صيرفة ونتيجة الإفادة من الدعم لضريبة استثنائية هو بند إصلاحي وطرح جريء، إذ إنه في كل دول العالم تُفرض ضرائب استثنائية على الأرباح الاستثنائية". ورأى أن نسبة الضريبة التي فُرضت أقل من المطلوب، إذ كان يُفترض وضع نسبة أعلى. وفي انتظار جلاء الصورة، يؤكد ناصر الدين أن العبرة تبقى في تنفيذ هذا البند بدقة، أي بعد إصدار لائحة من المصرف المركزي مدقّقة من وزارة المال تحدد الجهات الخاضعة لهذه الضريبة، خصوصاً أن المستفيدين كثُر يمكن حصرهم بثلاث فئات: المصارف، والتجار، وما بينهما من أفراد ومؤسسات. ويشدد ناصر الدين على دقة تنفيذ البند لكونه "يحقق إيرادات هائلة لخزينة الدولة تفوق التوقعات، وقد تتخطّى مئات ملايين الدولارات ستنعش الخزينة، وإذا حُوّل هذا المبلغ إلى صندوق وزارة الصحة فستحل معضلة دعم دواء مرضى السرطان أقله لسنتين مقبلتين". وفي السياق يرى ناصر الدين أن "المستفيدين من منصة صيرفة والدعم سيضغطون بغية عرقلة تنفيذ هذه الضريبة، لذا على الدولة فرض تطبيق القانون وتأمين مصادر خزينتها لتطال الأملاك البحرية والـtva والرسوم الجمركية والإصلاح الضريبي" الذي يتم برأيه عبر "إقرار الضريبة التصاعدية، لا عبر ضرائب تزيد نسب التهرّب".