انطوان فرح
انطوان فرح

بوالص التأمين على الدَين اللبناني فضيحة

البعض شعر بالخيبة، بعدما تبيّن انّ رزمة القروض السكنية التي يطلقها مصرف لبنان لن تتجاوز قيمتها الاجمالية الـ200 مليون دولار، وأسعار الفوائد قريبة من 6 في المئة. لكن الواقعية تفرض التأكيد انّ الخطوة لا يُستهان بها، خصوصاً انّ رزمة قروض إنتاجية واكبتها، في ظروف مالية لا تسمح في الاساس بدعم أي نوع من أنواع القروض. كثيرون لم يقرأوا جيداً ما يجري على المستوى المالي في البلد. ولا تزال مقولة يهتزّ ولا يقع (المقصود البلد)، شائعة في الاوساط الشعبية. واذا كانت هذه المقولة غير ضارة لأنها قد تشكّل قناعة لدى الرأي العام تخدم الوضع المالي، لأنها تُبعد خطر الذعر، وردود الفعل التي قد يقوم بها أي مودع اذا ما شعر بالخوف من الانهيار، إلّا أنها «قاتلة» عندما تكون قائمة لدى المسؤولين ومَن في يدهم القرارات. لأنّ هذه القناعة غير الدقيقة في الاساس، تدفع السلطة، أي سلطة، الى التعاطي مع الوضع المالي والاقتصادي المترنّح، على أساس أنه مجرد أزمة، لكن الانهيار لن يحصل لأنه ممنوع. من قال انه ممنوع؟ ومن قدّم ضمانات الى هؤلاء؟ لا جواب عن هذه الاسئلة، ليس لأنهم لا يعرفون، بل ببساطة لأنّ هذه المقولة غير صحيحة، ولا ضمانات في هذا الموضوع. إنطلاقاً من هذا الواقع، يمكن تقييم مبادرة مصرف لبنان لإطلاق قروض سكنية وإنتاجية مدعومة. وهي تأتي في ظروف مالية، أقل ما يُقال فيها انها أصبحت في المنطقة الحمراء، وقريبة جداً من الكارثة. ولا شك في انّ تحديد اسعار الفوائد لهذه القروض هو إنجاز، تماماً كما أنّ اسعار الفوائد القائمة حالياً هو إنجاز أيضاً، مقارنة بأسعار الفوائد القائمة في دول تصنيفها الائتماني، وظروفها المالية والاقتصادية شبيهة بلبنان. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، تبلغ اسعار الفوائد على السندات المصرية آجال 3 أشهر، 19,18%. كذلك تأتي رزمة القروض المدعومة، في وقت انخفض التصنيف الائتماني للبنان، حسب وكالة «موديز» الى فئة الـC، والتي تعني وفق المفهوم السائد عالمياً، انّ اسعار الفوائد سترتفع حتماً. الى ذلك، قد يكون المؤشر الأخطر، والذي يدفع الى القول انّ مجرد صدور رزمة قروض مدعومة إنجاز في حد ذاته، ما يجري على مستوى أسعار الـCDS (Credit Default Swap)، والتي وصلت الى مستويات قياسية مقلقة. ويعتبر مؤشر CDS من أهم وأدق المؤشرات المعتمدة عالمياً في قياس المخاطر الائتمانية. وهو شبيه بمؤشّر اسعار بوالص الضمان التي تعتمدها شركات التأمين العالمية في الشحن. كلما زادت مخاطر الحروب والاضطرابات في منطقة ما، ارتفعت اسعار بوالص التأمين، حتى صارت هذه الاسعار مؤشراً معتمداً بالنسبة الى مستويات الأخطار القائمة في أي منطقة في العالم. بالنسبة الى الـ CDS، سجّل لبنان أسعاراً قياسية وصلت في نهاية العام 2018 الى 746 نقطة. وهو بذلك تفوّق على كل دول المنطقة تقريباً، وبات الدولة التي يتم التعاطي مع سنداتها على اساس انها الاكثر خطراً، والتأمين عليها بات يكلّف مبالغ كبيرة. وهذا يعني انّ كلفة التأمين على السندات اللبنانية وصلت الى حوالى 746 الف دولار سنوياً، لضمان سندات دين بقيمة مليار دولار. وهذا يعني، على سبيل المثال، انّ المؤسسات الدولية التي تحمل ما يوازي 4 مليارات دولار من السندات، باتت تدفع سنوياً حوالى 3 ملايين دولار، فقط لشراء «بوالص تأمين» (CDS)، لحماية محفظتها. في حين، انّ كلفة ضمان مبلغ المليار دولار من سندات تصدرها الكويت او دولة الامارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، تبلغ فقط 66 الف دولار سنوياً. واذا افترضنا اننا نريد شراء «بوالص» CDS لكامل الدين اللبناني، فإنّ الكلفة السنوية ترتفع الى حوالى 65 مليون دولار. ومن الملاحظ انّ مؤشر الـCDS هو الأكثر ارتفاعاً بالنسبة الى السندات اللبنانية مقارنة مع سندات كل دول المنطقة. ومن الملاحظ أيضاً انّ السندات العراقية، رغم انها دولة منتجة للنفط وغنية، تأخذ المسار نفسه للسندات اللبنانية، ولَو بوتيرة أبطأ. وفي حين انّ مؤشر الـ CDS للسندات العراقية ارتفع من 424 نقطة في نهاية العام 2017 الى 502 نقطة في 2018، أي بارتفاع نسبته حوالى 19%، فإنّ سندات لبنان انتقلت من 520 نقطة في نهاية 2017 الى 746 نقطة في نهاية 2018، بارتفاع نسبته حوالى 35%. بين العراق ولبنان قاسم مشترك واضح. هكذا كان يردّد احد الاعلاميين العراقيين الذي سُئل من قبل إعلامي لبناني: كيف الوضع عندكم في العراق؟ فأجاب: مثل وضعكم تماماً. البلد مسروق.

Time line Adv

ما الذي يجعل الليرة صامدة؟

هل هناك من قطبة مخفية، أو سرّ لا يعرف به بعض خبراء الاقتصاد، لكي تعاكس الليرة اللبنانية الكثير من التوقعات، وتصمد على سعرها الثابت، رغم كل الضغوطات التي تعرضت لها، بما فيها سيلٌ من الاشاعات التي أقل ما يُقال فيها انها مشبوهة، وتستحق المتابعة والمحاسبة؟ تركزّت المخاوف في الفترة الأخيرة على وضع الليرة، بعد انكشاف العجز المتراكم في المالية العامة، والاداء المتواضع للاقتصاد. عزّز هذه المخاوف النكسات التي تعرّضت لها اقتصاديات ناشئة وضعُها أفضل من لبنان، كما هي الحال على سبيل المثال في تركيا. واجراء مقارنة بين الاقتصادين التركي واللبناني تبيّن بوضوح حجم الفارق بينهما، لمصلحة تركيا رغم بعض الثغرات. وللعلم، فان صندوق النقد الدولي، وفي تقرير أصدره قبل حوالي العام، (تشرين الثاني 2017)، أفاد بأن الاقتصاد التركي احتلّ المرتبة 13 عالميا، والخامسة أوروبياً. وقد وصل حجم الاقتصاد التركي الى تريليون دولار (1000 مليار دولار). وهناك نقاط قوة كثيرة يتمتّع بها هذا الاقتصاد، منها على سبيل المثال ان نسبة الدين العام على حجم الاقتصاد لا تتجاوز الـ50%، وهي من النسب المنخفضة على مستوى كل الاقتصاديات العالمية. كما ان قطاعات الصناعة والسياحة تشكل مصدرا مهما لادخال العملات الصعبة الى البلد. وعلى سبيل المثال أيضاً، استقبلت تركيا في العام 2017 حوالي 15 مليون سائح، وبلغت واردات هذا القطاع لوحده حوالي 9 مليار دولار. برغم هذه الوقائع والارقام، انهارت اسعار العملة التركية، وبدأت ترتسم علامات استفهام على النتائج التي سيخرج بها الاقتصاد التركي بعد مرور هذه الأزمة. في تحليل الأسباب التي أدّت الى انهيار العملة التركية بسرعة، تبدو متعددة، بعضها اقتصادي، وبعضها الآخر والأهم سياسي. في الاسباب الاقتصادية، يتمّ التركيز على الانفلاش غير الموزون في القطاع الخاص، بواسطة تكبير حجم الاقتراض الى نسب ضخمة أدّت الى نكسة لدى أول ضغط تعرّض له الاقتصاد. في الاسباب السياسية، يتم تسليط الضوء على مرحلة من التراجع الدائم بدأت بشكل اساسي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة. وقد زاد الطين بلّة، تصرفات اردوغان حيال الوضع النقدي، ومحاولته فرض ارادته على قرارات البنك المركزي التركي وكان ذلك بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. في الوضع اللبناني، المشهد يختلف عن الوضع التركي في النقاط التالية: اولا – السياسة النقدية التي اتّبعها مصرف لبنان منذ ربع قرن، تركزت على مبدأ تحييد الليرة قدر المستطاع عن التقلبات السياسية والاقتصادية. ثانيا – تمتّع البنك المركزي بحرية رسم السياسة النقدية المناسبة للبلد، بالاضافة الى تحديد أسعار الفوائد، للتماهي وخدمة هذه السياسة. ثالثا- عمل البنك المركزي دائما على اساس تشييد دفاعات قوية لحماية الليرة، واعتبر ان حماية قيمة النقد تحمي الاقتصاد من جهة، وتضمن الأمن الاجتماعي من جهة أخرى، وهذا هو الأهم. وقد شكّل مصرف لبنان للغاية، احتياطيا نقديا ضخما، يعتبر بالمقاييس الاقتصادية اكبر من حجم الاقتصاد اللبناني، تماما كما هو حال حجم الودائع في المصارف. والليرة التي تتعرض الى ضغوطات كبيرة في هذه المرحلة تستند الى هذه الدفاعات، والى هذا الاحتياطي الكبير لكي تصمد. واذا شئنا التبسيط، نقول ان ما فعله مصرف لبنان شبيه بالمثل الشعبي الشهير، «خبّي قرشك الابيض ليومك الأسود». لكن اذا طال أمد اليوم الاسود، وأنفقنا كل القروش البيض المخبأة، الى أين سنصل بعد ذلك؟ هذا السؤال بات ملحاً التعامل معه على اساس حالة طارئة. والمعالجات سهلة مبدئيا عندما تتوفر نية الانقاذ. وقد أشار للأساسي منها رئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميل، في الخطة السياسية – الاقتصادية التي قدم خطوطها العريضة قبل أيام. وسواء كانت بنود الخطة معروفة أو لا، فانها واحدة من الخطط التي تشكّل اطاراً صالحاً للانطلاق نحو الانقاذ. في النتيجة، باتت مواضع الخلل التي يحتاج البلد الى معالجتها بسرعة معروفة، (معظمها ورد في الخطة التي اقترحها الجميل)، ولا بد من مقاربتها بذهنية منفتحة، ويمكن تلخيصها بالنقاط التالية: اولا- إنهاء استنزاف الكهرباء للخزينة، من خلال تأمين 24 ساعة تغذية بأقصى سرعة لالغاء المولدات والفاتورتين، وتوفير ملياري دولار سنويا على الخزينة. ثانيا- إصلاح النظام التقاعدي، ووقف التوظيف في القطاع العام، ضمن خطة لتوفير حوالي ملياري دولار ايضا. ثالثا- التركيز على منع التهرّب الضريبي الذي بات فاضحا، من خلال دراسة ارقام الواردات، حيث يتبين ان القطاع المصرفي هو القطاع شبه الوحيد الذي يسدّد ضرائب ارباحه كاملة، في حين ان معظم المؤسسات الاخرى لديها تهرّب ضريبي. واللافت هنا، ان قوانين محاربة التهرّب الضريبي قائمة، والمطلوب فقط تنفيذها. واذا كانت هناك ثغرات، ينبغي الاستناد في هذا الوضع، الى البيانات المصرفية. وفي حال تم خفض منسوب التهرّب الضريبي الى مستويات مقبولة، يمكن توفير ملياري دولار سنويا. من يريد تحاشي الوصول الى القعر والانهيار، باتت خارطة الطريق معروفة، ويكفي تنفيذ هذه البنود الثلاثة على الاقل، وهي كفيلة بتحقيق الانقاذ المطلوب، والبقية تأتي تباعاً.

loading