جوزف أبو خليل
جوزف أبو خليل

هل صحيح اننا تصالحنا؟

نكاد نصدق ان السياسة هي امتداد للحرب الاهلية ولكن من دون سلاح . وبماذا تختلف حالنا عن هذا التوصيف للسياسة ، المتصلة بلعبة السلطة؟ الحرب على كل الجبهات ولكن مع الحرص على عدم اللجوء الى السلاح، كأن يقال مثلا ان " الامن خط احمر " يلتزمه الجميع ويحرص عليه الجميع ،وهناك ايضا جيش وقوى امنية من كل الاختصاصات ، ناهيك بهذا الاكتشاف لاسلوب النأي بالنفس كبديل من الانخراط المكشوف في شتى الحروب الاقليمية والدولية . امَا الخلافات التي تطوَرت الى نزاعات مسلحة فباقية على حالها ومعها الاحقاد الشخصية والشهوات والازمات الوزارية وغير الوزارية ، بل هناك دوما ازمة وزارية او ازمة حكم اوازمة نظام اوكل هذه الازمات مجتمعة . هذا من دون ان ننسى انتشار السلاح بكل انواعه في كل مكان ، الثقيل منه والخفيف وصولا الى صواريخ حزب الله في جهوزيتها الكاملة . امَا الدستور فمعلق في أهم احكامه ومعه كل الاتفاقات والمواثيق المعقودة من اجل احياء الدولة ومؤسساتها، بما فيها اتفاق الطائف الذي قيل عنه انه هو الدستور الجديد والحل لكل الخلافات المتصلة بالمشاركة والمساواة والدولة العادلة ، فقد تبين ان كل الغرض منه كان نقل السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا. فلما تمَ ذلك لدى انتخاب " الرئيس الجديد " بموجب الدستور الجديد علقت كل القضايا المتفق عليها سياسية كانت اوانمائية او اجتماعية ، وبخاصة مسألة السيادة والاستقلال ، وفي صورة اخص معنى وجود الوطن والدولة والكيان بالذات. بلى، نحن لا نزال في حرب اهلية على كل الجبهات ولو من دون سلاح ، وبهذا المعنى نتعامل مع السياسة ونمارسها : صراع على السلطة من دون حدود ومن دون ضوابط له اواصول . وفي المناسبة : متى المصالحة الوطنية الحقيقية التي هي اعتراف متبادل بالاساءة ومغفرة متبادلة بعد ندامة ، او على الاقل مثل مصالحة الجبل على الرغم مما اصابها من انتكاسات؟

الاصلاح المتعذر

هل هي أزمة وزارية فقط أم أزمة حكم، أم أزمة نظام، أم أزمة وطن ودولة ، أم كل هذه الازمات مجتمعة ، حتى ليكاد انتاج السلطة في بلدنا يصبح معضلة لا حلّ لها، واذا كان من ولادة فبعد عملية قيصرية محفوفة بالمخاطر . فلا حكومة إلا ّ بعد معركة ولا انتخابات رئاسية إلا ّ بعد فراغ خانق، ولا استقرار حقيقيا ًأبدا ً، بل اننا دوما ً على كفّ عفريت ، بلدا ً وشعبا ًومؤسسات . ومع ذلك يظل ّ لبنان بلد حريات، وبخاصة حرية المعتقد التي نفخر بها ونعتز ونكفّر بواسطتها عن خطايانا كلها ، فكيف يكون ذلك؟ نتذكر بالمناسبة هذا الكلام للرئيس سليم الحص ـ أمد الله من عمره ـ عندما يقول: "في لبنان الكثير من الحريات والقليل من الديموقراطية ، وهذا صحيح . ففي لبنان دوما ً حريات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وأحيانا ًاكثر من اللزوم. لكننا على مستوى انتاج او انبثاق السلطة لا نزال نفتش عن الحل او المخرج من الازمة المستديمة . أفما قيل في الدستور ان الشعب هو مصدر السلطة لا السماء؟ لكن الشعب كان ولا يزال طوائف ومذاهب ، بل قبائل وعشائر مشدودة الى الدين، هذا فيما التأسيس للديموقراطية يبدأ بالفصل الكامل بين ما هو ديني من جهة وما هو سياسي واجتماعي وثقافي من جهة ثانية. فاذا صح ّ ان الدولة في لبنان قد حسمت امرها لدى تأسيسها فاعلنت نفسها مسبقا دولة منفصلة عن الدين ومستقلة عنه، غير ان تحقيق هذا الخيار يحتاج الى وقت يصير فيه الانتقال بالمجتمع المتعدّد الانتماءات الدينية والمذهبية الى المجتمع الواحد الانساني المستقل عن الدين، وعلى اساس ان الدين هو من شأن الفرد المتمتع بالحرية الكاملة على هذا الصعيد لا من شأن الجماعة . فالمشكو منه هو الخلط بين الدين والسياسة اي في "تسييس" الدين و"تديين" السياسة الذي يؤدي حكما ً الى الاستبداد والازمات المتتالية لا الى الديموقراطية. فاحتراما ً للدين او لما هو مقدس يجب ألاّ يقحم الدين ومقدساته في السياسة وفي الصراع من اجل السلطة خصوصا ً، كما ليس من حق المشتهي للسلطة تسخير الدين او المقدس لشهواته كما هو حاصل في بلدنا المنكوب في ديموقراطيته الناشئة. أليس كذلك ؟ كل ما في البلد اصبح طائفيا ً او مذهبيا ًوباتت كل طائفة تقريبا تتمتع ًبكيانها المستقل ومؤسساتها السياسية وغير السياسية ، من معاهد وجامعات ووسائل اعلامية ومستشفيات ، بل ماذا لم يكنمل تطييفه، بعد، او لايزال يتشبث بانتمائه الى الوطن حتى لو اصبح الوطن الواحد اوطانا ً عدة ؟ هذا على الرغم مما هو مكتوب في الدستور والمواثيق المعقودة منذ الاستقلال حتى هذه اللحظة. لقد فشلت خطة الغاء الطائفية السياسية من فوق وازدادت البنية التحتية ، الطائفية والمذهبية، رسوخا ً. فكيف لا يضج ّ البلد صدى للازمة التي يعيش؟

loading