جوزف أبو خليل
جوزف أبو خليل

استغاثة

يجب ان نقر ونعنرف بأن لبنان بلد عاجز عن انقاذ نفسه بنفسه مما هو فيه من أزمات ، وليس في الامر عيب. العيب هو في التستير على العلّة والسبب ، وبخاصة متى كان السبب أو العلّة هي في الاعتداءات الخارجية المتتالية على أمنه واستقراره . فهو عرضة دوماً للضغوط التي تمارس عليه من الخارج جرّاء موقعه الجغرافي الذي هو أشبه بجزيرة وسط بحر هائج وليس سرّاً انه وسط بيئة مغايرة لطبيعة وجوده . هو ملتقى أديان وثقافات وحضارات تتفاعل وتتبادل المعرفة فيما هي اصوليات تتناحر وتتشيث بالبقاء حتى اخر الدهر . لقد جرت العادة على تحميل هذا البلد مسؤولية ما هو عليه من تعثر واضطراب وحروب فيما هو في الحقيقة بلد معتدى عليه باشكال مختلفة وحروبه هي حروب الآخرين على أرضه ، بما فيها حربه الاهليةالتي ما كانت لتكون لو لم يتمّ توريطه في حرب مع اسرائيل ليس على قدّها . قبل هذه الخطيئة كان لبنان اجمل بلد في العالم بفضل تعدّديته الثقافية والحضارية، كان البلد المثال في التلاقي بين الاسلام والمسيحية كما لم يلتقيا في أي بلد ، على حدّ ما كان يقوله الشيخ بيار الجميل ويفاخر به . الكّل الآن يترحّم على تلك الايام التي مضت. والحق يقال ان لبنان في الأساس نموذج حضاري قل ّ نظيره في العالم وهو من هذا القبيل رسالة موجهة الى الانسانية جمعاء وتجربة ناجحة نسبيا في العيش المشترك بين جماعات دينية وثقافية متعدّدة. عيبه الوحيد، ـ إن صح اعتباره عيباًـ ان بنبته التعددية والحضارية نفسها هي على قدر من الرقة مالا يسمحلها بالتصدّي للاختراقات والتعدّيات الخارجية ، وخصوصا ً تلك الرامية الى احتوائه والتخلص من وجوده بالذات. والمطلوب في هذه الحال هي مساعدته على بلواه وليس العكس. ، هو الاعتراف بقيمته الانسانية والحضارية التي يجب ان تصان،، هو توفير الحماية له وعلى انه قيمة حضارية ، حماية لا تستحيل هيمنة ووصابة واحتلالا موصوفا ً كما كانت الحال حتى الآن ولا تزال. ان لبنان بلد لا يخص نفسه فقط بل الانسانية جمعاء ، وبهذا المعنى تكون حمايته او لا تكون. ابدا.. ثمة كلام متداول في بعض الاندية الدبلوماسية على فكرة " لبنان محمية حضارية "تعترف بها الامم المتحدة وتكون هي المعنية بهذه الحماية الدائمة. لكن الامر يتطلب بداية او مبادرة ما اونداء استغاثة . فهل من يفعل ؟

الرئيس العاشر

سنتان من عمر "العهد" ولا جديد، ومن المرجح حتى الآن ألاّ تكون السنوات المقبلة مختلفة عمّا سبقها من سنوات او عهود حيث رئيس الدولة او الجمهورية لا يملك إلاّ ان يدير الأزمة الناشئة عن تعطيل الدولة من دون التنطح لحلّها . وقد استهلكت الأزمة حتى الآن تسعة رؤساء بعضهم حاول ان يخوض معركة الانقاذ فدفع الثمن من حياته او من كرامته وبعضهم الآخر حاول الالتفاف على الازمة لعل ّ وعسى، وهم ، مع حفظ الالقاب: شارل حلو،سليمان فرنجية ، الياس سركيس ، بشير الجميل ، أمين الجميل، رينه معوّض، الياس الهراوي، اميل لحود، ميشال سليمان، تسعة رؤساء ، وكاد الرئيس اللواء فؤاد شهاب قبلهم ان يكون الرئيس العاشر لو قبل ان يعاد انتخابه مرّة ثانية او ان يمدّد لولايته وعهده. كان واثقا ً من انه لا يملك من الصلاحية والامكانات ما يمكّنه من تغليب منطق الدولة على المنطق المعاكس فآثر الذهاب سيد نفسه على البقاء بنصف سيادة. مضى على هذه الحال نصف قرن تقريبا ًحيث لبنان هو ملتقى كل الراغبين في محاربة اسرائيل ، وفي الحلول ايضا ً مكان الدولة اللبنانية على هذا الصعيد ولو كان ذلك على حسابها كتنظيم لا غنى عنه في حياة اي مجتمع . لقد استعيض عن الدولة بمقاومة مسلحة هي في النهاية ميليشيا فئوية وحزبية ودينية المعتقد مهما قيل. والمحصلة هي نصف قرن من الفوضى السياسية والامنية ، والازمات المتتالية والحروب المتكررة سواء مع اسرائيل او مع انفسنا بالذات وكما لم يعرفها اي بلدعلى الاطلاق. أمّا الانكى من كل هذه الغرائب فهو التطبيع والتطبع على هذا النمط من الحياة المستحيلة وصولا ً الى التلويح بالانهيار الكامل سياسيا وامنيا واقتصاديا واجتماعيا وماليا . وفوق هذا كلّه المراهنة على "الرئيس القوي" او "الجمهورية القوية " من دون المساس بالوضع القائم ، ليس فقط لأن التغيير صعب وشاق بل لأن الجميع ضد التغيير.. والصحيح ان أي تغيير حقيقي في المعادلات القائمة يتطلب ثورة او انقلابا ً او معجزة من السماء . وهل بمثل هذه الحكومة المعوقة بالولادة نبلغ هذه الآفاق ؟ ومن الظلم ان نطلب من "العهد" القائم ما عجزت عنه "العهود السابقة طالما ان مهمته فقط ادارة الازمة باقل ما يمكن من الاضرار في انتظار ثورة او انقلاب او معجزة من السماء. .

Advertise
loading