جوني منير
جوني منير

مؤتمر وارسو يُكرِّس التوطين

مؤتمر وارسو الذي روِّجت له الولايات المتحدة الأميركية بأنه سيكون محطة أساسية لتطويق إيران اكثر، جاء باهتاً بنتائجه حيث لم يتمّ إصدار بيان ختامي مشترَك في نهاية أعماله كما تفترض أصول المؤتمرات. وردّ البعض السبب الى التباين الحاصل حول طريقة التعاطي مع إيران بين الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية الأساسية. لكنّ أوساطاً ديبلوماسية تعتقد أنّ الهدف الفعلي لمؤتمر وارسو لم يكن رفع مستوى الضغط على إيران بمقدار ما كان إخراج العلاقات الاسرائيلية ـ العربية من السرّ الى العلن، وانّ المؤتمر بهذا المعنى كان ناجحاً. فلقد تصرّف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهوعلى أنه المنتصر الأساسي في هذا المؤتمر، وهو ما اعطاه نقاطاً ثمينة في معركته الانتخابية. ولا شك في انّ واشنطن كانت تدرك سلفاً المكاسب الانتخابية الهائلة التي سيحصدها نتنياهو، وأنّ الادارة الاميركية أرادت مساعدته لضمان فوزه، وهو ما يدفع الى الاستنتاج أنّ نتنياهو، وفي المقابل، لا بدّ أنه أجرى تفاهمات كاملة مع البيت الابيض حيال مرحلة ما بعد فوزه تضمن تمرير «صفقة القرن» والتي يعوّل عليها دونالد ترامب لاستثمارها في حملته الانتخابية. لذلك مثلاً، اصطحب نتنياهو معه فريقاً ضخماً من الصحافيين الاسرائيليين وسرّب محادثات وزراء خارجية عرب حيال إيران واوضاع الشرق الاوسط. في المقابل كان صهر الرئيس الأميركي ومستشاره جاريد كوشنر يتنقل بين الوفود العربية لإطلاعها على التوقيت الملائم للإعلان عن «صفقة القرن»، والذي بات معلوماً انه سيكون بعد انتهاء الانتخابات الاسرائيلية وقبل نهاية نيسان المقبل. ولذلك قال ترامب إنّ شروط الكشف عن خطته باتت مكتملة. وخلال العام الفائت زار نتنياهو سرّاً أربع دول عربية ليست لها علاقات رسمية مع إسرائيل، على ما كشفت القناة الثانية الإسرائيلية. ما يعني أنّ المقصود دول غير مصر والأردن وأيضاً غير سلطنة عمان. ولكن بعد مؤتمر وارسو ستصبح هذه الزيارات قابلة للغعلان عنها، تماماً كما حصل مع زيارة نتنياهو الى سلطنة عمان. وفي المناسبة كان لافتاً ما قاله وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي لقناة DW الالمانية من أنّ اسرائيل هي دولة من دول الشرق الأوسط. وفي حين قال إنّ بلاده مستمرة في دعم الوساطة بين الفلسطينيين وإسرائيل، أشار الى أنّ علاقة السلطنة مع إيران مستمرة على رغم التقارب الحاصل مع إسرائيل. وليس سرّاً أنّ الادارة الاميركية تعلّق آمالاً على الديبلوماسية العمانية التي كانت نجحت سابقاً في التمهيد للاتفاق النووي بين واشنطن وطهران من خلال وساطة سرّية وموثوقة، على أن تتولّى الآن دوراً مشابهاً له علاقة بإعادة فتح الابواب الموصدة، وتأمين ظهر «صفقة القرن». الاندفاع الاميركي الى تعبيد الطريق جيداً امام الكشف عن «صفقة القرن» يتزامن بدوره مع الترتيبات الجارية في سوريا على وقع معارك القضاء على «داعش» والتسويات المطروحة لإدلب. وتبدو واشنطن متفائلة استناداً ايضاً الى ما تعتبره تبدّلاً يحصل على مستوى المزاج العام في الشرق الأوسط. ففي استطلاعاتٍ للرأي اجراها «معهد واشنطن للدراسات» تبيّن أنّ اولوية النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي حاز على غالبية بسيطة في مصر والأردن ولبنان، في مقابل أولوية مواجهة إيران بالنسبة الى دول الخليج. كذلك فإنّ غالبية الثلثين في البحرين ومصر والأردن ولبنان والكويت وقطر والسعودية والإمارات تؤيّد «حلّ الدولتين»، في مقابل اعتبار 72% من الفلسطينيين أنّ «صفقة القرن» ستُنهي حلم إقامة الدولة الفلسطينية. وحول الانتخابات الإسرائيلية بدا أنّ 62% من اليهود الإسرائيليين يؤيّدون اليمين السياسي. وقد يكون هذا السبب هو الذي دفع إدارة ترامب الى إجراء صفقة مع نتنياهو حول موافقته على «صفقة القرن» في مقابل «هدايا» اميركية انتخابية له، بدلاً من الرهان على مرشح من اليسار سيكون من باب المخاطرة الرهان عليه. فحسب الاستطلاع نفسه بدا الإسرائيليون مسرورين لسياسة نتنياهو حيث ارتفعت نسبة مَن يعتقدون أنّ الأوضاع جيدة من 10% قبل وصول نتنياهو الى الحكم الى 53% الآن. صحيح أنّ مؤتمر وارسو منح لنتنياهو اوراقاً قوية يستطيع استخدامها في مواجهة ملفات الفساد الجاري فتحُها قضائياً، وبالتالي تعبيد الطريق جيداً امام «صفقة القرن» بعد نكسة أزمة جمال خاشقجي، إلّا أنّ ثمّة ملاحظتين أساسيتين لا بدّ من التوقف عندهما: ـ أولاً، وخلافاً للصورة المتشنّجة السائدة إلّا أنّ المؤسسات الاميركية التي تتولّى صنع القرار الأميركي ما تزال متمسّكة باستعادة علاقاتها وتفاهماتها مع نظام الملالي في إيران. وأنّ رجال إدارة ترامب ومن خلال قرار الانسحاب من الاتفاق النووي أرادوا الدخول الى اتفاق أفضل وأرباح أكثر من خلال التوصل الى اتفاق سياسي كامل حول المنطقة ورسم الحدود والخطوط الحمر للمصالح الأميركية، لا فتحَ جبهات حرب مع إيران والعمل على إسقاط النظام الحاكم. وبالتالي فإنّ الضغوط الأميركية الحاصلة والتي تبدو قاسية، محكومة بسقف معيّن وهو عدم استهداف قلب النظام الإيراني «العنيد» على ما يجري وصفه. وبالتالي فإنّ الرئيس الأميركي ما يزال يسعى وفق أسلوبه الخاص الى «تطويع» إيران، وأنّ لسلطنة عُمان، كما لروسيا، أدواراً مختلفة في هذا السياق. وإنّ هذا أيضاً ما يفسّر عدمَ انجراف الأوروبيين وراء التصعيد الاميركي خشية خسارة مواقعهم داخل الاسواق الايرانية مستقبلاً. وتبدو إحدى ساحات المهادنة بين واشنطن وطهران في لبنان من خلال الحكومة الجديدة وأسرارها ورموزها. ـ ثانياً، وهو الأخطر على لبنان ويتعلّق بتوطين فلسطينيي الشتات كما يتضمّن مشروع «صفقة القرن»، وليس من باب المصادفة مثلاً الشروع في إعمار مخيم نهر البارد بتمويل أوروبي، من خلال إنشاء بيوت ومنازل من الباطون ما يعني أنها ثابتة وأبدية. مع الاشارة الى أنّ مساحة شاسعة من المخيم تمّ الانتهاء من إعمارها. وفي المقابل لم نسمع شيئاً حيال طريقة مواجهة التوطين في البيان الوزاري للحكومة وبرنامج عملها الجدّي وليس الاستعراضي أو الإعلامي.

حادثٌ كبير يفتح درب الحكومة

مهما حاولوا أن يجمّلوا إجتماع بكركي، إلاّ أنّ النتائج كانت باهتة. في الأساس لم يكن أحدٌ يتوقع المعجزات، ولا حتى أصحاب الدعوة أنفسهم كانت لديهم أفكار محدَّدة تؤسّس لخريطة طريق مستقبلية. الإنجاز الوحيد كان ربما بجمع «القوى المتناحرة» ولو أنّ الاجتماع ثبت تباعدها، حيث إنّ كل فريق أو حزب كان يأمل في تجيير الاجتماع لمصلحته الخاصة لا المصلحة العامة للمسيحيين والوطن. ولكن طالما أنّ المكتوب يُقرأ من عنوانه فلماذا حصلت الدعوة؟ قيل إنّ البطريرك الماروني كان يريد صورة جامعة في قاعة البطريركية المارونية تعطيه دفعاً قوياً قبل زيارته للولايات المتحدة الاميركية، لكنّ الزيارة أُلغيت قبيل انعقاد الاجتماع بتبريرٍ غير مقنع. ذلك أنّ زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية للمنطقة كانت مقرَّرة منذ اشهر، فكيف لم تتنبَّه لها بكركي إلّا الآن؟ البعض برّر إالغاء زيارة البطريرك الماروني لواشنطن بسبب عدم تحديد لقاء مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب. وتردّد أنّ اللقاء الذي كان وارداً عاد «وتفركش» بسبب أخطاء ارتكبها سفير لبنان في واشنطن غابي عيسى. منهم مَن وضع هذه الأخطاء في إطارٍ غير مقصود بسبب إنعدام الخبرة، ومنهم مَن كان أكثرَ خبثاً في تفسيره واضعاً هذه الاخطاء في خانة «المتعمّدة» كون ترامب الذي لم يلتقِ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سيكون قد وجّه إشارةً سلبية نافرة الى الرئيس اللبناني باستقباله البطريرك الماروني. والبعض الثاني وضَع إلغاء الزيارة في اطار الوضع الصحي الذي استجدّ عند البطريرك الماروني. صحيح أن لا شيء خطيراً في هذا الإطار، لكنّ الارهاق كان سيحول دون تحقيق هذه الجولة الطويلة والمتعبة. لكنّ للبعض الثالث تفسيراً أبعد يصل الى حدود أنّ قرار الغاء الزيارة إنما حصل بعد زيارة الموفد الاميركي السفير ديفيد هيل، فالأخير حمل معه رسائل قوية في اتّجاه إيران. صحيح انّ المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران غير واردة بدليل الانسحاب الاميركي من سوريا، إلّا أنها تؤشر الى مرحلة من الحرائق المتنقلة في الشرق الاوسط تسعى اليها واشنطن وبالتالي فأين الحكمة في «حشر» لبنان والمسيحيين في مرحلة ساخنة وحرائق متنقلة لا يوجد فيها منتصر. المهم أنّ اجتماع بكركي فقد احد أبرز اهدافه قبل انعقاده وهو الصورة الجامعة. لكنّ لائحة الاهداف لا تتوقف هنا. فالازمة الحكومية باتت تهدد الكيان ووقودها نزاع الموارنة حول الاستحقاق الرئاسي المقبل. هذا النزاع الذي حطّ رحاله داخل قاعة بكركي بلباس «الثلث المعطل» للحكومة. ولم يعد «التيار الوطني الحر» متحفِّظاً في طرح هدفه الحصول على «الثلث المعطل». في السابق كان ينفي بشدة هذا الهدف ولكنه اليوم يُعلنه من باب تعزيز أوراق رئيس الجمهورية والمسيحيين داخل الحكومة، فيما خصومه يضعونه في إطار تعزيز اوراق جبران باسيل لخلافة الرئيس ميشال عون في رئاسة الجمهورية. وهؤلاء يتنوّعون بين مَن يجاهر بموقفه مثل تيار»المردة» الذي يرشح سليمان فرنجية ويعتبره صاحب الحظ الأقوى، وبين مَن يرفض وصول باسيل أيّاً تكن الاعتبارات ولكن من دون خوض معركة مُعلنة في هذا الاطار مثل «القوات اللبنانية» و«الكتائب اللبنانية». هذا الفريق ليس مقتنعاً بحجّة «الثلث المعطل» لـ«التيار الوطني الحر» وحده لتعزيز اوراق المسيحيين، ولديهم حجّتهم في هذا الاطار: «الشيعة فريقان يؤمّنان معاً ميثاقية الجلسة وهي البدعة التي ثبّتها «التيار الوطني الحر» منذ «اتفاق الدوحة»، و«الثلث المعطل» لمصلحة المسيحيين مؤمَّن ما بين «التيار» و«القوات»، أو «التيار» و«المردة»، ولمَ لا بين الثلاثة معاً». ويضيف هؤلاء: «إلّا أنّ «الثلث المعطل» بالتأكيد ليس مؤمّناً لإطلاق يد باسيل وفتح الطريق أمامه للوصول الى بعبدا». ويختمون قائلين: «عندها يُصبح «الثلث المعطّل» مصلحة شخصية وليس مصلحة عامة للمسيحيين». وهذا النزاع الذي انفجر داخل قاعة الاجتماع الماروني يطاول فعلياً سببَ عدم حصول الولادة الحكومية. ذلك أنّ أمام تمترس الأفرقاء الثلاثة (التيار يتمسّك بالثلث المعطل، والحريري بحكومة الثلاثين، و«حزب الله» بتمثيل «اللقاء التشاوري») فإنّ الحكومة عالقة، لا بل أصبحت في عالم الغيب. وفي الهواجس التي باتت تُطرح بقوة في الكواليس والتي أفصح عنها البطريرك الراعي في الأمس بأنّ الأزمة الحكومية المستمرّة بلا أفق مضافة إليها أزمة اقتصادية ومالية على رغم التطمينات التي يُكثِر منها حاكم مصرف لبنان، واستتباعاً مزيداً من الاهتراء في مؤسسات الدولة ومفاصلها، فهذا سيعني انحداراً سريعاً في إتجاه نفق «المؤتمر التأسيسي». وبالطبع لا تكفي البيانات ولا المواقف التي تصبح في هذه الحالة أُمنيات وصلوات في وقف هذا المسار الانحداري. ذلك أنّ الواقع سيكون أقوى من الجميع لنصل الى النتيجة المأسوية للمسيحيين وسط منطقة تشهد تبدّلاتٍ هائلة وتغييرَ أنظمة في سوق بيع النفوذ وشرائه. وبسيط مَن يتسلّح بمنطق أنه لن يقترع لأيِّ تعديلات دستورية لاحقاً، فعلى سبيل المثال عام 1989 ومع إنطلاق أوّل قذيفة في ما عُرف بـ«حرب التحرير» بدأ التحضير للتعديلات الدستورية والتي وُلدت بعد أشهر في مدينة الطائف السعودية. يومها، أي في آذار 1989 كان المسيحيون في أوج قوتهم الدستورية والسياسية والعسكرية وكان الإعتقاد باحتمال قبولهم بتعديلات دستورية على حسابهم ضرباً من ضروب الخيال. لكنّ الواقع العسكري الصعب والتدمير الذي طاول مقوّمات المنطقة الشرقية من بيروت أوصل الجميع الى «اتفاق الطائف» كحلّ إنقاذي. واليوم هنالك مَن يخشى مع استمرار الأزمة الحكومية وتفاقم الكارثة الاقتصادية ومن خلالها المالية، الانحدارَ سريعاً في مسار يؤدي بسرعة الى دستور جديد. بعد انتهاء أعمال القمة الاقتصادية العربية سيعود الجدل الداخلي حول تشكيل الحكومة، والأمل الوحيد هو بتراجع احد الأفرقاء الثلاثة خطوة الى الوراء وللمسيحيين مصلحة كبيرة في تأمين ولادة الحكومة حتى ولو من خلال التنازل عن «الثلث المعطّل». ثمّة احتمال آخر قد يؤدي الى دفع الأفرقاء الى التفاهم على تشكيلة حكومية وهو من خلال حصول حادث كبير سياسي أو مالي أو أمني يُجبِر الجميع على توليد هذه الحكومة. ولكن اذا حصل هذا «الحادث الكبير» مَن يضمن أن تبقى المعالجة في اطار الولادة الحكومية فقط من دون وضع معايير وأعراف جديدة تكون ممهِّدة لواقع دستوري جديد. فخرائط المنطقة مفتوحة ودساتيرها تخضع للمقايضات والحسابات، وهو ما يعني أنّ من الخطورة بمكان إدخال لبنان الى غرفة العمليات. بعد القمة العربية لا بد من حسابات أكثر واقعية ومسؤولية ولا بدّ لهؤلاء النواب أن يقدّموا التزاماتهم للناس الذين انتخبوهم وأمّنوهم على مصالحهم، لا المسؤولين اللاهثين وراء حساباتهم الشخصية.

لبنان تفصيل.. ومُعرّضٌ للإهتزاز

في 11 ايلول 2001 تلقّت الولايات المتحدة الأميركية ضربة إرهابية هائلة حفرت عميقاً في الوجدان الأميركي وبات طيفها موجوداً في مراكز صنع القرار الأميركي. ومنذ ذلك التاريخ تبدّد الوهم الذي كان قائماً بأنّ الداخل الأميركي محصّن ومنيع على الأحداث المرعِبة التي كانت تجول بلدان العالم، وكانت الإدارات الأميركية تستثمرها لتحقيق المصالح الأميركية في العالم. ومع الاجتياح الأميركي للعراق بدأت مرحلة وضع الشرق الأوسط على المشرحة وإعادة ترتيب أوراقه وفق المصلحة الأميركية واستناداً الى دروس ضربة 11 أيلول. ومع تعثّر الجيش الأميركي في العراق نتيجة القراءة المبسّطة لتعقيدات الشرق الأوسط، صدر تقرير بايكر - هاملتون عام 2006 والداعي الى الانسحاب من التدخّل المباشر في الشرق الأوسط. وبعد فترة وجيزة تمّ انتخابُ باراك أوباما رئيساً للبلاد، حاملاً معه أسلوباً مختلفاً لمعالجة الشرق الأوسط وحفظ المصالح الأميركية، وارتكزت سياسته على نقطتين اساسيتين الاولى تتعلق بالانسحاب الآمن من التدخل المباشر في الشرق الأوسط. والثانية، الانفتاح والتعاون مع الإسلام المعتدل، أو بتعبير أوضح ما عُرف لاحقاً بفتح الطريق امام وصول «الإخوان المسلمين» الى السلطة عن طريق ما عُرف يومها بـ«الربيع العربي». لكنّ «شق بطون» الساحات العربية والذي بدأ عام 2010 وإطلاق يد «الإخوان المسلمين» فتح الطريق أمام حرّية الحركة لتنظيماتٍ اكثرَ تطرّفاً وكانت الفوضى، ما دفع بإدارة أوباما الى وقف مسلسل «الربيع العربي» عند أبواب الجزائر. وجاء الانفجار السوري ليهدّد خروج الاوضاع في الشرق الأوسط كله عن السيطرة. ومع وصول دونالد ترامب الى البيت الأبيض بدأت العودة الى الأنظمة العسكرية سبيلاً وحيداً لحفظ المصالح الأميركية وتحقيق دروس 11 أيلول. في اختصار الهزّات الكبيرة في الشرق الأوسط تكاد تشارف على الانتهاء، لكنّ تغييرات هائلة قد حصلت وأدّت الى معادلاتٍ مختلفة وشرقِ أوسط مختلف. فروسيا أصبحت تُمسك بإحكام بمفاصل اللعبة العسكرية والسياسية في سوريا وتمدّد نفوذها القوي الى بلدان اخرى. وأقامت موسكو علاقات جديدة من ليبيا الى الخليج العربي، كذلك عزّزت نفوذها إنطلاقاً من دورها في سوريا ليشمل إسرائيل وإيران وقطر والسعودية وتركيا، واصبح الكرملين وجهة الزعماء السياسيين، وعلى سبيل المثال شكّلت زيارة الملك السعودي لروسيا الحركة الأولى الخارجية له، إضافة الى كونها أوّلَ زيارة لملك سعودي الى روسيا. كذلك زار أمير قطر ووليّ عهد أبو ظبي وآخرون الكرملين بعدما كانت منطقة الخليج تتمتع بحصرية العلاقة الدولية مع واشنطن. وعلى سبيل المثال أيضاً فإنّ رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اضطر الى الإعلان للقيادة الروسية التزام حكومته أن تبقى عملية «درع الشمال» في اطار ضيّق ومحدّد وداخل الحدود وذلك قبل انطلاقها. في الشرق الاوسط توسّعٌ للنفوذ الإيراني على رغم الموقف الرسمي الأميركي بالعمل على الحدّ منه ورفع مستوى الضغط لإنجاز تفاهم سياسي مع الإيرانيين. وحتى اللحظة تبدو إدارة ترامب واثقة من أنّ إيران ستخضع للضغوط الاقتصادية الهائلة التي تمارسها واشنطن وأنها ستجلس للتفاوض في مدة أقصاها شباط المقبل. لكن في المقابل تقول المصادر القريبة من الجناح الإيراني المتشدّد إنّ قراراً قد اتُخذ بعدم التفاوض مع الأميركيين مهما بلغت الضغوط. وفي مقابل التمدّد الإيراني والذي بلغ الحدود السعودية من خلال الحوثيين في اليمن، ظهرت السعودية بصورة جديدة تحاكي المواجهة مع إيران اصبحت هجومية وباشرت في تنظيم تحالف إقليمي لمواجهة إيران سيشمل إسرائيل في انقلاب كامل للتوازنات السابقة وتولّى وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التزامَ النهج الجديد. لكنّ أزمة قتل جمال خاشقجي أحرجت وليّ العهد السعودي اضافة الى الرئيس الاميركي، ووفق أحد خبراء السياسة الاميركية فإنّ تاريخ العلاقات الاميركية ـ السعودية شهد ثلاثة مفاصل حاسمة: ـ الاول عام 1983 مع قرار الملك فيصل بوقف تدفّق النفط السعودي الى الولايات المتحدة الأميركية وبعد فترة قتل الملك على يد قريبه. ـ الثاني مع هجمات 11 أيلول الإرهابية وعلاقة بعض السعوديين إضافة الى المدارس الدينية بالعملية الإرهابية. ـ الثالث مع مقتل جمال خاشقجي والتداعيات الهائلة التي نجمت من ذلك. ويكفي أن يضع هؤلاء الخبراء قضية خاشقجي في مستوى قطع النفط وضربة 11 أيلول لإدراك مدى النزاع الحاصل داخل الولايات المتحدة الاميركية والذي يطاول إدارة ترامب. وتكفي الاشارة الى اندفاعة «الديموقراطيين» داخل الكونغرس بالتوافق مع عدد من رموز الحزب الجمهوري حول إعادة النظر في صفقات السلاح الى السعودية. ويتّجه الكونغرس الى إلغاء صفقات السلاح ذات الطابع الهجومي والإبقاء على الأسلحة ذات الطابع الدفاعي من خلال مقاربة إنهاء الحرب في اليمن. والمشكلة أنّ الأسلحة الهجومية هي التي تدرّ ارباحاً هائلة بخلاف الأسلحة الدفاعية والتي تحظى بهامش ربحي غير مرتفع، ما يعني إغضاب قطاع صناعة السلاح الركيزة الاساسية في معركة التجديد لترامب وليست هذه المصيبة الوحيدة له في معركة التجديد له. فالأرقام الاقتصادية الممتازة والتي شكّلت نقطة القوة الاساسية لترامب تبدو مهدَّدة. فصندوق النقد الدولي توقّع فترة تباطؤ تدريجي للنموّ الأميركي سنة 2019 مقارنةً بالسنة الحالية مع تراجع الحوافز الضريبية والمالية التي تقدّمها لها الإدارة. وكذلك توقّع الصندوق ازدياد التباطؤ عام 2020 الذي ستجرى في نهايته الانتخابات الرئاسية الأميركية. وفيما يتّجه السيناتور الديموقراطي عن ولاية فيرمونت بيري ساندرز لخوض الانتخابات الرئاسية مرة جديدة، لم يخفِ نائب ترامب جو بايدن طموحه لخوض الانتخابات الرئاسية كبديل عن ترامب حيث اعتبر نفسه الأكثرَ تأهيلاً لرئاسة بلاده. وبالعودة الى الشرق الأوسط فإنّ عاملاً جديداً اضافياً دخل الى المعادلة الجديدة وهو على الارجح سيبقى لفترة طويلة وفق حجمٍ محدَّد والمقصود هنا تنظيم «داعش». وفي محاضرة مشتركة في نيويورك لمديرَين سابقين للمخابرات المركزية الاميركية cia وهما الجنرال مايكل هايدن وجورج تينيت، أدارها السفير دينيس روس، قال هايدن «إنّ تهديد الهجمات الفتاكة الفردية سيبقى قائماً لمدة طويلة». واضاف: «خوفي الأكبر هو أنه مع سياسة «أميركا أولاً» سنصبح في النهاية لوحدنا إذا استمرّ هذا النهج طويلاً». أما تينيت الذي كان رئيس cia خلال حصول هجمات 11 أيلول فقال إنّ القرار الأميركي بالانسحاب من الاتّفاق النووي الإيراني يشكّل ضربةً للعلاقات الأميركية المتعدّدة الأطراف، ذلك انّ الاتفاق كان نجح في تأخير حصول إيران على الاسلحة النووية ثماني سنوات وردع اندلاع حرب، إلّا أنه سمح لإيران في بناء قدرتها الحربية التقليدية وتشكيل تهديد اكبر على الحدود الشمالية لإسرائيل. وأضاف «أنّ المنطقة دخلت الآن مرحلة خطيرة جداً». وفي نظرة سريعة الى خريطة المنطقة تقول التقارير إنّ تنظيم «داعش» نجح في تركيز قواعده وسط وجنوب سيناء بعدما نجح الجيش المصري بالتعاون مع المخابرات الإسرائيلية في الإمساك بشمال سيناء فقط. وتقدَّر أعداد عناصر داعش بنحو الفي عنصر تتعاون معهم القبائل و»الاخوان المسلمين» وهو ما يعني فتح ابواب الإرهاب «ظرفياً» في مصر والخليج. وفي الصحراء بين سوريا والعراق توجد قواعد لـ»داعش» لديها امتداداتُها من العراق الى سوريا ولبنان والأردن وهي جاهزة للاستخدام عندما تتطلّب المشاريع السياسية ذلك. واشنطن قلقة من التطورات الداخلية في إسرائيل والغالبية الضيقة لحكومة نتنياهو ما يجعل طرح «صفقة العصر» محفوفة بالمخاطر، تعتقد أنها قادرة على ضبط روسيا من خلال اقتصادها الضعيف والذي لا يستطيع كثيراً تحمّل أوزار تدخّلها في سوريا. وأما الاقتصاد الإيراني فهو صعب وبالكاد يتنفّس ما يحول دون مساعدة الرئيس السوري مستقبلاً. إزاء كل هذه الصورة الشرق أوسطية لا بدّ من أن يقلق اللبنانيون، ذلك أنّ لبنان تفصيل ولا أحد يهتم بالتفاصيل، ما يجعله مكشوفاً الى حدٍّ ما. اللافت ما نشره «معهد واشنطن» عن استطلاع رأي أجرته مؤسسة متخصّصة وذات صدقية في لبنان. في هذا الاستطلاع 53% من اللبنانيين لديهم وجهة نظر غير إيجابية تجاه «حزب الله» مقابل 47%. وحول النظرة الى علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأميركية فإنّ 50 % من السُنّة أيّدوها في مقابل 11% من الشيعة، والمفاجأة كانت عند المسيحيين بـ38% فقط. وحول علاقات جيدة مع روسيا فإنّ 92% من الشيعة أيّدوها في مقابل 28% من السُنّة و53% من المسيحيين. وفيما حاز التأييد لترامب 36% من السُنّة. 3% من الشيعة و23% عند المسيحيين، فإنّ الرئيس الروسي حاز على 85% عند الشيعة و13% عند السُنّة و41% عند المسيحيين. فيما حاز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ثلثي السُنّة و7% من الشيعة و50% عند المسيحيين. لكنّ الأهم أنّ الاستطلاع الذي أُجريَ في تشرين الثاني الماضي وجد جامعاً وحيداً لدى اللبنانيين على أنّ ما تقوم به السلطة لمحاربة الفساد ضئيل جداً، وذلك بنسبة 95%. وقد يكون هذا هو الباب الذي قد يهزّ الاستقرار الداخلي اللبناني طالما أنّ لبنان تفصيل في ورشة الشرق الأوسط الهائلة.

loading