شارل جبور
شارل جبور

بطريرك الإستقلال الثاني... وداعاً

مقالات خاصةخُذوا العِبـرة من اليونان.. قبل إقرار الـموازنة ! من أين نبدأ لإستعادة الأموال المنهوبة؟ عندما خصّص فرنجيّة جلسة تصوير للبطريرك! المزيدفي 25 آذار 2011 سلّم البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الأمانة إلى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، وفي 12 أيار 2019 سلّم روحه الى الله، وما بينهما كان خارج المسؤولية البطريركية التي مارسها لربع قرن بين عامي 1986 و2011. تكللّت حبرية البطريرك صفير بإنجازات عدة دينية ووطنية، وسيحفظ التاريخ كثيراً من مواقفه التي تجسِّد عمق إيمانه بالحرية والشراكة الحقيقية والسيادة والاستقلال، لكنّ الإنجاز الأبرز الذي طبع مسيرته الوطنية تمثّل بتغطيته «اتفاق الطائف» من أجل إنهاء الحرب اللبنانية وقيادته السفينة حتى إخراج الجيش السوري من لبنان. فالاستقلال الثاني الذي كان يفترض ان يتوّج مع «اتفاق الطائف» من خلال تجديد اللبنانيين اتفاقهم الميثاقي والكياني تأخّر من العام 1989 حتى العام 2005، ولم يهُن على البطريرك صفير ان يكون قد خُدِع بتراجع بعض من في الداخل والخارج عن التزاماتهم بتطبيق «وثيقة الوفاق الوطني»، او ان تكون ظروف المنطقة تبدلّت بين لحظة توقيع الاتفاق ولحظة ترجمته على أرض الواقع، فقاد مواجهة ثأرية بمفعول رجعي وصولاً الى إخراج الجيش السوري من لبنان. صفير هو بطريرك الاستقلال الثاني بامتياز من رعايته «اتفاق الطائف» إلى مساهمته الأساسية في إخراج الجيش السوري من لبنان، ومن كان يتصوّر أساساً انّ هذا الجيش سيخرج من لبنان، بل كل التقديرات كانت أنّ لبنان دخل في عصر السورنة الذي لن يقل زمنياً عن عصر العَثمنة، وقوة البطريرك وحكمته انّه وَقّت انتفاضته على الوصاية أو الإحتلال مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان. فكل نظرية بقاء الجيش السوري كانت مرتبطة ببقاء الجيش الإسرائيلي، ولم يكن يظنّ النظام السوري يوماً انّ هذا الجيش سيخرج من لبنان، بل بَنى كل سياساته على قاعدة ان جنوب لبنان سيكون نسخة طبق الأصل عن الجولان، وبالتالي بقاء الإسرائيلي يبرر حكماً بقاء السوري، وأي مطالبة بإخراج السوري في ظل استمرار الإسرائيلي كانت تواجه بالتخوين. أما وقد انسحب الإسرائيلي فسقطت الحجة الأساس التي استند إليها نظام البعث لتحقيق مشروعه العقائدي بضَم لبنان إلى سوريا سياسياً في انتظار الظروف التي تسمح له بضَمّه جغرافياً. وقد أمهل البطريرك صفير النظام السوري من تاريخ الانسحاب الإسرائيلي في 25 أيار من العام 2000 حتى 20 أيلول من العام نفسه، وعندما رأى انّ هذا النظام ليس في وارد رفع وصايته عن لبنان أطلق البيان الرقم واحد، البيان النداء الأيلولي الأول الذي ارتكز على جملة مفتاح وهي انه مع خروج الجيش الإسرائيلي حانَ الوقت لخروج الجيش السوري عملاً بالقرار 520 وبـ«اتفاق الطائف». ورفض النداء كل الحجج التي تقول انه «إذا انسحب الجيش السوري من لبنان، قامت فتنة فيه، أو انّ وجوده أصبح جزءاً لا يتجزأ من السلم اللبناني، أو أنه ينسحب إذا طلبت منه الحكومة اللبنانية الانسحاب»، واصفاً إيّاها بالحجج الواهية التي عمل على إسقاطها الواحدة تلو الأخرى من خلال قيادته المباشرة لمعركة الاستقلال الثاني، ورعايته غير المسبوقة في تاريخ البطريركية المارونية للقاء سياسي عُرف بـ«لقاء قرنة شهوان». ولم يأبه البطريرك صفير للانتقادات التي كانت توجّه إليه من أنه يميِّز بين أبناء رعيته من خلال رعايته للقاء سياسي، حارماً هذه الرعاية على لقاءات أخرى أتت إليه معترضة وطالبة رعايته ومساواتها بغيرها، فكان يؤكد ويشدد ان «لا تمييز دينياً ورعائياً بين أبناء الرعية الواحدة، ولكن لكل من يطلب الرعاية الدينية-الوطنية عليه ان يتبنى أفكاري وتوجهاتي الوطنية والسياسية كما فعل «لقاء قرنة شهوان»، فلا رعاية على قاعدة 6 و6 مكرر، ولا رعاية على طريقة «تبويس اللحى»، إنما للرعاية شروطها الوطنية، ومن يحبّ فأهلاً وسهلاً به شريطة ان يتبنّى النداء الأيلولي كدستور وخريطة طريق لعمله الوطني». فلا نقاش مع صفير في معركته من اجل الاستقلال، ولا مساومة ولا تساهل ولا تراجع، وكان حاسماً في خطابه وتظليله كل من قرر ان يخوض معركة الاستقلال تحت مظلة بكركي التي نجحت في توحيد الجسم السيادي المسيحي، وتجسير العلاقات مع المسلمين إسقاطاً لنظرية النظام السوري أنّ انسحابه من لبنان يؤدي إلى عودة الحرب الأهلية، فكانت مصالحة الجبل التي شَقّت الطريق نحو اللقاءات مع تيار «المستقبل» وصولاً إلى مصالحة انتفاضة الاستقلال في 14 آذار 2005، فإخراج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005. وإذا كان إخراج الجيش السوري من لبنان غير ممكن من دون تبلور ظروف خارجية مؤاتية، فإنّ إخراجه غير ممكن ايضاً من دون تبلور ظروف داخلية مؤاتية، وهذه الظروف بالذات التي عمل صفير على تهيئتها من خلال توحيد الحركة السيادية والتي من دونها كان، ربما، فَوّت لبنان على نفسه الـ momentum الخارجي، وبالتالي لولا صفير لما خرج الجيش السوري من لبنان، ولا كان لبنان انتزع استقلاله الثاني. فالبطريرك صفير هو بطريرك إنهاء الحرب ورعاية «اتفاق الطائف» وإخراج الجيش السوري من لبنان، وهو بطريرك السيادة الرافض وجود اي سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وهو بطريرك العيش المشترك بإصراره الدائم على المصالحات والانفتاح والمساواة والشراكة المسيحية-الإسلامية الحقيقية، ومرافقته البابا بولس يوحنا الثاني الذي قال جملته الشهيرة وهو الى جانب صفير «لبنان وطن الرسالة»، وهو بطريرك الحرية التي تعلو ولا يُعلى عليها وهو القائل «لو خُيّرنا ما بين العيش المشترك والحرية، لاخترنا الحرية»، لأن لا عيش مشتركاً بلا حرية، والعيش المشترك هو نتيجة اقتناع اللبنانيين بالعيش معاً في تجربة إنسانية نموذجية لا يمكن ان تتحقق بلا حرية.

شرط وحيد للقاء الموارنة

3 ملفات ظاهرة استدعت الدعوة إلى اجتماع ماروني في بكركي: الفراغ الحكومي، الوضع الاقتصادي، وجولة البطريرك الأميركية، مقابل 3 ملفات مُضمَرة: التمسك بالدستور، الاتفاق على ثوابت وطنية، دعم رئيس الجمهورية. المسيحيون اليوم هم في أفضل وضع سياسي منذ العام 1990، اي تاريخ انتهاء الحرب والشروع في تطبيق الدستور الجديد، المنبثق من وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ«اتفاق الطائف»، فلا حرب إلغاء سياسية على الفريق السيادي منهم على غرار ما كان عليه الوضع بين عامي 1990 و2005، واستعادوا تمثيلهم الفعلي في رئاسة الجمهورية ومجلسي النواب والوزراء، ونغمة الإحباط ولّت من قاموسهم. ومن هنا واجب التمييز بين وضع الجماعة المسيحية بتمثيلها وحضورها داخل الدولة ومؤسساتها، وبين الوضع السياسي في البلد الذي لم يتبدّل منذ العام 1990 إلى الآن لجهة فقدان الدولة القرار السيادي على أرضها وفي قراراتها ومواقفها، ولكن ما تحقق ليس بقليل على مستويين: التخلُّص من نظام الوصاية السوري الذي كان يستهدف القوى المسيحية السيادية، واستعادة التمثيل الفعلي داخل المؤسسات. وعدم جواز الاستهانة بما تحقق سببه انّ «المتراس» لخوض المعركة الوطنية او خطوط التماس انتقل من داخل المعتقلات ومن وراء بحار النفي والإبعاد إلى داخل المؤسسات، وهذا ليس تفصيلاً، وما هو غير تفصيلي أيضاً انّ معركة السيادة كانت مسيحية الطابع في زمن الوصاية، ولكنها تحوّلت اليوم وطنية الطابع، وبالتالي لم تعد مقتصرة على جماعة واحدة بل على معظم الجماعات. وبمعزل عن التبريد السياسي الذي تشهده جبهتا 8 و 14 آذار نتيجة وصولهما إلى اقتناع بأنّ المواجهة لن تمكِّن أحدهما من الحسم ضد الآخر، إلّا انّ مضمون المواجهة لم يتبدل ولم يعالج، ما يعني انّ المشكلة ما زالت نفسها لجهة تغييب الدولة وحضورها ودورها، ولكن ما هو مستجدّ في المشهد السياسي يكمن في النزاع بين الثنائية الشيعية ورئيس الجمهورية ميشال عون، الأمر الذي يدفع إلى تسليط الضوء على ثلاث نقاط أساسية: ـ النقطة الأولى الثابتة التي لا يمكن القفز فوقها، هي انّ منطق الدولة ومنطق الثورة لا يلتقيان، يمكن أن يتساكنا لمرحلة معينة قد تطول وقد تقصر، إلّا انّ المواجهة بينهما حتمية. ـ النقطة الثانية، هي أنّ هناك مَن راهنَ يوماً ما على تناقض مشروع العماد ميشال عون مع وصوله إلى رئاسة الجمهورية مع مشروع «حزب الله»، والتناقض يكون محسوباً بالنسبة الى الطرفين فلا يصل إلى حدود الخلاف، ولكن في الوقت نفسه لا يستمر التحالف على الإيقاع نفسه بين عون المرشح وعون الرئيس. ـ النقطة الثالثة، أنّ المواجهة بين عون و«حزب الله» أعادت إحياء النظرية التي سادت في مرحلة الفراغ الرئاسي، وهي انّ الحزب لا يريد انتخاب عون رئيساً تجنّباً للصدام معه، لأنّ اي ممارسة دولتية لعون ستضعه عاجلاً أم آجلاً في مواجهة الحزب، فيما عون الحليف سيبقى حليفاً نظراً لحاجته إلى هذا التحالف من أجل تحقيق هدفه الرئاسي. ويدرك الحزب انه يتعامل مع شخصية تمثيلية ليست في حاجة إليه لانتزاع شرعيتها داخل بيئتها أو الفوز في الانتخابات النيابية بأصواته، بل ذهبت في الانتخابات الأخيرة إلى عدم تبنّي مرشحه في دائرة كسروان-جبيل، كذلك يتعامل مع شخصية تَولّت سلطة في زمن الجمهورية الأولى، والمواجهة بينهما وقعت نتيجة تناقض الأهداف بين المرحلتين الأولى والثانية، ففي المرحلة الأولى كانت المقايضة قائمة على أساس ان يدعم الفريق الأول سلاح الثاني مقابل ان يدعم الثاني وصول الأول إلى رئاسة الجمهورية، بينما في المرحلة الثانية أصبحت المقايضة على الشكل الآتي: يتمسّك عون وقت الحاجة وفي مواقف تذكيرية بدعمه لسلاح الحزب وربط حلّه بأزمة المنطقة، فيما على الحزب أن لا يعرقل مسيرة عون داخل الدولة بالحد الأدنى، وان يدعم دوره على هذا المستوى بالحد الأقصى. فالمعادلة في المرحلة الأولى كانت لمصلحة «حزب الله» الذي يُسلِّف عون «شيكات» بلا رصيد ويقبض «كاش»، فيما المعادلة اختلفت في المرحلة الثانية حين أصبحت كلفة دعم عون تقوية الدولة ومؤسساتها، الأمر الذي يتناقض مع منطقي الدولة والثورة. فالدعوة إلى الاجتماع التشاوري والوجداني الذي دعت إليه بكركي يأتي إذاً في ظل فراغ حكومي واهتزاز «تفاهم مار مخايل» وغياب الاشتباك المسيحي، من دون ان يكون هناك أي تفاهم سياسي، وشعور بأنّ هناك محاولة لتعديل الدستور عن طريق تكريس أعراف جديدة تشكل بديلاً من التعديل على وقع تحولات في المنطقة مع المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران، وزيارة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي المرتقبة إلى الولايات المتحدة الاميركية. وإذا كان البطريرك بحاجة الى مشهد ماروني جامع عشيّة سفره، وهذا ضروري من اجل إنجاح جولته، ولكن من دون الانتقاص من حرصه الدائم على توحيد الصف المسيحي مدخلاً لتوحيد الصف اللبناني وتعزيز الدور الوطني المسيحي، وتعبيره الثابت عن القلق الوطني والسيادي والمعيشي، فإنّ رئيس الجمهورية بحاجة إلى موقف داعم من طائفته يعزّز وضعه في المواجهة المضمرة مع الثنائي الشيعي، فيما الأساس يبقى في خروج اللقاء ببيان ختامي يذكّر بالنصوص المرجعية للمسيحيين التي تبدأ بالدستور وضرورة الالتزام به، مروراً بالقرارات الدولية والشرعية العربية، وصولاً إلى ثوابت الكنيسة المارونية في الحريات العامة والتعددية والتنوع والعيش المشترك والديموقراطية ودور لبنان و«النأي بالنفس» وأحادية السلاح في أيدي القوى الشرعية، وفي طليعتها الجيش اللبناني. فلا وزن وطنياً لأي اجتماع ماروني ما لم تتم العودة فيه إلى الجذور المؤسسة للكيان اللبناني والثوابت التي لا تتبدل مع تبدل الظروف، وبالتالي يفترض ان يكون اللقاء الماروني تحت سقف «ثوابت الكنيسة المارونية» الصادرة عن البطريركية المارونية في 6 كانون الأول 2006، و«شرعة العمل السياسي» الصادرة عن كنائس لبنان مجتمعة في 5 آذار 2009، و«المذكرة الوطنية» الصادرة عن البطريرك الراعي عشيّة عيد مار مارون في 8 شباط 2014، ووثائق ومذكرات أخرى تؤكد المضمون نفسه المتّصل بمعنى لبنان التاريخي وجوهر عيشه المشترك ودور الدولة وحدها الناظم للحياة السياسية والمدافع عن السيادة الوطنية. ولأنّ اجتماع الموارنة، وأيّ اجتماع آخر، لن يبدّل في مسار الأوضاع، خصوصاً انّ المواقف السياسية مختلفة وأنّ أحداً ليس في وارد تسليف أحد مواقف يمكن ان تصرف ضده مستقبلاً، فمن الضروري الخروج ببيان تاريخي يُظهر تَعلّق الموارنة بلبنان التاريخي ومواصلة سعيهم إليه، وبعد التذكير بالثوابت الوطنية يصبح مشروعاً الكلام عن ضرورة إنهاء الفراغ الحكومي ووضع خطة إنقاذ اقتصادية ومكافحة الفساد (...)، والضغط لتعجيل العودة إلى الانتظام المؤسساتي. فالمشترك بين الموارنة يجب ان يكون ثوابتهم التاريخية بعيداً من محاور النزاع الداخلية والخارجية القابلة للتبدّل وفقاً للمصالح والظروف، فلا تزكية لفلان على علّان لأنه ماروني، إنما التزكية تكون لأيّ فريق سياسي يقترب من هذه الثوابت التي هي في نهاية المطاف ثوابت جميع اللبنانيين.

loading