طوني عيسى
طوني عيسى

مخادعةٌ لبنانيةٌ حول النازحين... تنتهي بـ«التعايـش»!

الجميع يتوعَّد الجميع بالمحاسبة في مجلس الوزراء: الذين ذهبوا إلى دمشق بلا تشاور والذين ذهبوا إلى بروكسل بلا وزراء! ولكن، لا الرئيس سعد الحريري، ولا الوزير جبران باسيل، ولا «حزب الله» وحلفاؤه، مستعدون لزعزعة التسوية من أجل ملف النازحين، خصوصاً أنّ هناك شعوراً لدى الغالبية في أنّ الحراك الجاري - هنا وهناك - ليس سوى شيك بلا رصيد! في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء، سيقول كلٌّ كلمته سريعاً ويرفع الصوت قليلاً في ملف النازحين من باب رفع العتب، ثم ينصرف إلى «ملفاته الخاصة»، بدءاً بالتعيينات والكهرباء والنفط والنفايات. فالجميع مقتنع بأنّ تسوية أزمة النازحين لن تنضج إلّا على نار التحوُّلات الآتية إلى سوريا. وما مِن أحد مستعدٌّ للدفع بهذا الملف لكي يتسبَّب بإشعال النار داخل الحكومة. فـ»ما فيها يكفيها»، ويكفيها تعثُّرها في إطلاق الورشة المطلوبة لمنع سقوط البلد مالياً واقتصادياً وسياسياً. في العمق، وبالكلام المباشر والصريح، هناك خلاف حقيقي وعميق في النظرة إلى النازحين بين كل فئة لبنانية وأخرى، سياسياً وطائفياً، بل مذهبياً. لكنّ أحداً لا يقول الأشياء كما هي. عبثاً تحاول القوى المسيحية إخفاء أنّ عمق مشكلتها مع هذا الملف هو أنّ المليون ونصف المليون نازح سوري ونصف المليون نازح فلسطيني يكسرون التوازن الطائفي في البلد، ويهدّدون باتساع الخلل عاماً بعد عام بسبب الولادات الكثيفة واحتمال تدفّق المزيد إذا لم تتحقّق التسوية في سوريا. وفي المقابل، عبثاً تحاول القوى السنّية إخفاء ارتياح معيَّن- وبالتفاوت بين شرائح سنّية وأخرى- لوجود المليوني نازح، لأنهم قد يساعدون على خلق توازن رُعب داخلي في وجه «حزب الله»: غلبة الديموغرافيا مقابل غلبة السلاح! وطبعاً، عبثاً تحاول القوى الشيعية إنكار قلقها المذهبي. لكنها في الوقت عينه تدرس مواقيت إعادة النازحين وفق الروزنامة السورية أيضاً. فلا يمكن أن تتناقض برمجة العودة كما يراها «حزب الله» مع برمجة العودة كما يراها الرئيس بشّار الأسد. هذه هي الحقائق الفجّة، وبعيداً من المواربة التي يلجأ إليها الجميع على الطريقة اللبنانية، لتمرير التسويات. وما يجري اليوم بين المحور الموافق على بقاء النازحين حتى يعودوا «طوعاً» والمحور الراغب في عودتهم الآن وبأيّ ثمن، هو ترجمة للمواقف الحقيقية ولكن بالمواربة. ويمكن الحديث حالياً عن نوع غريب من التفاهم اللبناني الداخلي حول ملف النازحين، يصفه أحد السياسيين بـ»التواطؤ الإيجابي». فالحريري وحلفاؤه لا يشاركون في الانفتاح على دمشق في ملف النازحين، ويكتفون بالاعتراض سياسياً. و»التيار الوطني الحرّ» و»حزب الله» يقتنعون بعدم المشاركة في مؤتمر بروكسل ويكتفون بالاعتراض سياسياً. وفي النهاية، يدرس الجميع في هدوء ما يمكن تنفيذه والتزامه، بناءً على المصلحة المشتركة. وهذا «التواطؤ الإيجابي» سيطر على مفاوضات الأشهر الـ9 لتأليف الحكومة، إذ تمّ التداول مراراً في سبل التعاطي مع ملف النازحين بين الحريري وباسيل. وحاول الرجلان تظهير مواقفهما وكأنها متقاربة. موقف الحريري الحقيقي عبَّر عنه الوزير السابق لشؤون النازحين معين المرعبي الذي حذَّر من عودة هؤلاء إلى سوريا قبل ضمان أمنهم، وروى أنّ بعض العائدين تعرَّض للاستهداف الجسدي أو للاعتقال. وهذا الموقف تتبنّاه الأمم المتحدة والقوى الدولية التي تربط العودة بالحلّ السياسي وإعادة الإعمار. في المقابل، يتبنّى باسيل، بتغطية رئيس الجمهورية، موقف الوزير الحالي صالح الغريب الذي بادر فور تأليف الحكومة إلى زيارة دمشق. وهو في صدد إعداد خطة متكاملة سيعلنها خلال الشهرين المقبلين لإعادة النازحين. وقد كانت لباسيل خطته للعودة عام 2014، وهي قيد التنقيح لتتلاءم والمعطيات الجديدة. ولكن، بالنسبة إلى «التيار»، التذرُّع بالعامل الأمني لتأخير عودة النازحين مرفوض. فهؤلاء في غالبيتهم الساحقة لا يستهدفهم النظام لأنهم إما موالون له أو محايدون. وحتى إنّ المعارضين الذين عادوا لم يتعرَّضوا لأيِّ أذى. وتبقى فئة الذين يُصنَّفون حتى اليوم في خانة العداء للنظام، وهم أقلية، فلا بأس في أن ينتظروا في مناطق نزوحهم إلى أن تتمّ معالجة أوضاعهم. ولا يجوز ربط مصير مليون ونصف مليون نازح بمصير هذه الأقلية. وبالنسبة إلى «التيار»، المعني بأزمة النزوح هو سوريا وحكومتها، ولا يمكن لبنان أن يتجاهل التواصل معها إذا كان يريد الحلّ فعلاً. فالقوى الدولية يمكن أن تساهم في توفير التغطية والتمويل وأن تأخذ على عاتقها تسهيل الحلّ، لكن المعني بالملف بالمعنى القانوني هو الحكومتان اللبنانية والسورية. وإذا كانت المؤسسات الدولية تريد فعلاً دعم النازحين، فيبدو مشبوهاً إصرارها على تقديم الدعم لهم في مناطق النزوح وليس في سوريا، حيث هناك مناطق شاسعة باتت آمنة ويمكن أن تأويهم في مخيمات موقّتة، في انتظار إعمار مناطقهم الأصلية وعودتهم إليها. فالدعم المادي الذي تقدّمه المؤسسات الدولية يكون في هذه الحال أكثر فاعلية. خلال المفاوضات لتأليف الحكومة، حَرِص الحريري وباسيل على تجاهل هذا التباين. وكان التفاهم على الحصص والحقائب أقوى. والأرجح أنّ الطرفين كانا مقتنعين بأن لا داعي للغرق داخلياً في أزمة النازحين ما دام الضوء الأخضر لمعالجة الملف أكبر من قدرتهما معاً وأكبر من لبنان وحده. وقد أدرك الحريري وحلفاؤه مسبقاً أنّ انتقال وزارة شؤون النازحين إلى الفريق القريب من سوريا سيفتح باب التواصل واسعاً بين بيروت ودمشق. وهذا ما حصل. واعتراض هؤلاء على الزيارة أقرب إلى رفع العتب. وفي العمق، يرتاح «المستقبل» إلى نهج القوى الغربية ويتقاطع معها. لكن فريق رئيس الجمهورية يستعدّ لاتصالات وزيارات على مستوى أرفع إلى دمشق، تحت عناوين النازحين ومسائل أخرى، بعد أن تتوافر ظروف أكثر ملاءمة داخلياً وعربياً ودولياً. فالحكومة لا تتحمّل خضّات بهذا الحجم في هذه المرحلة. ورهان فريق رئيس الجمهورية هو إبرام صفقة متكاملة مع روسيا، تتولّى بموجبها رعاية العودة بتمويل دولي، لكونها صاحبة القرار والرصيد الدولي والإقليمي الأقوى في سوريا. ولا بأس في إمرار الأزمة في البيان الوزاري بالإحالة على المبادرة الروسية. لقد كان الحريري موضوعاً في أجواء زيارة سيقوم بها الغريب لدمشق. وما لم يكن يتوقعه ربما الموعد العاجل ومضمون المحادثات مسبقاً. ولذلك، هو اعتبر أنّ الوزير «فاتح على حسابه»، وردّ عليه باستبعاده من الوفد إلى بروكسل. وليس طبيعياً تغييب وزير النازحين عن مؤتمرٍ للنازحين، كذلك ليس طبيعياً أن يزور الغريب دمشق من دون التنسيق الحثيث مع الحكومة ورئيسها. الأمور ستقتصر على «الزكزكة»، خصوصاً بين الحريري وباسيل. فلا أحد يريد أن يكسر التسوية الباقية على قيد الحياة منذ 2016، والتي دافع عنها بشراسة حتى اليوم، حتى في أزمة الاستقالة الشهيرة في خريف 2017، خصوصاً أنّ المرحلة المقبلة «كاملة الدسم» بالتعيينات والمحاصصات والغنائم الآتية من مؤتمرات الدعم، ولا أحد يريد تفويت الفرصة.

صفقة مُفاجِئة بين ترامب وإيران؟

في الأروقة الديبلوماسية الأوروبية كلامٌ مثير عن اتّجاهٍ انقلابيّ قد يظهر فجأة في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران. وتوحي المصادر المطلعة على الموقف الفرنسي بأنّ جزءاً أساسياً من الخلاف بين باريس وواشنطن حالياً يعود إلى اقتناع الرئيس إيمانويل ماكرون وحلفائه الأوروبيين بأنّ الرئيس دونالد ترامب يضغط لإقحامهم في النزاع مع طهران، لأنه يريد أن يستثمر ذلك لمصلحته. ففي النهاية، عندما يحين موعد الصفقة مع طهران، سيقطف ترامب كل الأرباح، ويترك الأوروبيين على قارعة الطريق! تتخوّف المصادر من تكرار ما جرى بين ترامب وكوريا الشمالية. فالتوتر القائم اليوم بين إيران والولايات المتحدة، على خلفية الملف النووي الإيراني، يبقى أدنى بكثير من التوتر الذي شهدته العلاقات الأميركية مع كوريا الشمالية طوال العام 2017، على خلفيةٍ نوويةٍ أيضاً.

المستقبل يجزم: لا انفتاح بين الحريري ودمشق!

قد يبدو سيناريو الانفتاح بين الرئيس سعد الحريري ودمشق في نظر البعض مجرد افتراض يشبه سيناريوهات الخيال العلمي، لكنّ المطلعين على التحوّلات الإقليمية يعتقدون أنّ الأمر بات واقعياً، بل إنه ربما دخل مرحلة العدّ التنازلي، وأنّ الساعة الصفر لم تَعُد بعيدة. من هنا، قالت أوساط تيار "المستقبل" لـ"الجمهورية": "لا انفتاح ممكناً على دمشق، في ظلّ حكم الرئيس بشّار الأسد، إلّا إذا سبقته تسوية سياسية عادلة ودائمة تمنح الشعب السوري حقوقه وحريته، وتعترف بما تعرَّض له خلال سنوات على يد النظام. وهذه التسوية يجب أن تحظى برعاية وضمانة عربية ودولية، وأن تقود إلى إقامة حكمٍ ديموقراطي في سوريا". وأضافت الأوساط: "كل كلام على انفتاح أو تطبيع بيننا وبين الأسد، في ظل الواقع الشاذ الراهن، ليس سوى ذرّ للرماد في العيون أو من نوع الأوهام التي يفتعلها بعض حلفاء النظام لغايات معينة. وأساساً، الانفتاح يكون على سوريا الدولة والشعب، لا سوريا النظام". ويعترف المعنيون في «التيار الأزرق» بأنّ لبنان يحتاج حتماً إلى دمشق، ولا ينكرون أنّ هناك حوافز لبنانية عامة تستدعي أن تسقط الجدران بين بيروت ودمشق على المستويات كافة. فلا استقرار سياسياً ما لم تنشأ علاقات يرعاها القانون الدولي مع دمشق، ولا اقتصاد سليماً من دون السوق السورية التي تشكّل مدخلاً إلى سائر أسواق الشرق الأوسط، ولا حلّ لأزمة النازحين إلاّ بعودتهم إلى سوريا. ولكن، في المقابل، يحرص «المستقبل» على التأكيد أنّ أي انفتاح أو تطبيع للعلاقات بينه وبين دمشق في ظلّ النهج الذي لطالما اتّبعه الأسد في سوريا كما في لبنان وبلدان عربية أخرى، لا يعني القبول بالتعاطي السوري مع المسؤولين اللبنانيين بطريقة التعاطي السابقة. وتقول الأوساط «المستقبلية»: «صحيح أنّ الحريري يطمح، من زاوية شخصية، وكأي رجل أعمال، ومعه رجال أعمال لبنانيون كثر، إلى الاستثمار في أكبر عمليةٍ لإعادة الإعمار في تاريخ العرب، لكنّ ذلك لا يمكن أن يتمّ إلّا وفق القواعد السليمة والثوابت التي من أجلها كانت التضحيات الكبيرة التي قدّمها «المستقبل» وحلفاؤه في 14 آذار، على مدى سنوات». ولكن، يبدو منطقياً طرح السؤال الآتي: هل ستكون عودة العرب، الحلفاء الأساسيين للحريري، إلى دمشق، ثم عودة سوريا إلى أحضان الجامعة العربية، مدخلاً إلى تلبية شروطه من أجل الانفتاح على دمشق؟ ثمة مَن يجزم أنّ القوى العربية الحليفة للحريري لن تتسرَّع في التطبيع مع الأسد. فهي حصلت على ضمانات - روسية تحديداً- بأنّ المناخ في سوريا يتغيَّر، وأنّ التسوية فيها آتية وستكون عادلة، وأنّ التدخلات الإيرانية في النزاع السوري ستتراجع ويتقدّم الحضور العربي. وفي هذه الحال، يقول المتابعون، سيكون منطقياً أن يقترب الحريري أيضاً خطوات نحو دمشق، بدعم حلفائه العرب والدوليين وبضمانهم.

loading