مطالعة حقوقية: حالة الطوارىء واجبة اليوم ومنذ الأمس

مطالعة حقوقية: حالة الطوارىء واجبة اليوم ومنذ الأمس

على أثر تفشي حالة الكورونا، وقيام السلطات الرسمية والإعلامية والمجتمع المدني بمناشدة اللبنانيين التزام منازلهم والتعاون في سبيل التغلب على هذا الوباء العالمي، بدر عن بعض اللبنانيين عدم اكتراث ولا جدية، وعدم التزام بالبقاء في منازلهم.

لا بد أن نتساءل، هل الإجراءات التي اتخذت صحيحة وصائبة وملائمة؟! وماذا عن حالة الطوارئ، وهل يصح إعلانها بسبب تفشي الأمراض والأوبئة؟

أولاً، لا بد أن نشير إلى إعلان حالة الطوارىء في لبنان أكثر من مرة:

- في 31 تشرين الأول 1956 في عهد الرئيس كميل شمعون
- في عهد الرئيس شارل حلو أُعلنت مرتين في 5 حزيران من العام 67 وفي 23 نيسان 1969.
- أُعلنت مرتين أيضاً في عهد الرئيس سليمان فرنجية في 16 أيلول 72  وفي 7 أيار 1973.

ونذكر بعض المراجع والمراسيم المتعلقة بإعلان حالة الطوارىء وبرفعها خلال مراحل التاريخ اللبناني:

المرسوم رقم 9107 الصادر بتاريخ 13 كانون الثاني 1968 رُفعت حالة الطوارىء باستثناء بعض المناطق وهي منطقة الحدود اللبنانية الجنوبية والمناطق العسكرية المعلنة بموجب المرسومين 9671 تاريخ 29\6\1955 و 6439 تاريخ 18\1\1967.

وفي المرسوم رقم 4068 الصادر في 4 تشرين الأول 1972 رُفعت حالة الطوارىء المعلنة في جميع الأراضي اللبنانية باستثناء محافظة الجنوب.

ووقع الرئيس سليمان فرنجية إعلان حالة الطوارىء في جميع أراضي الجمهورية اللبنانية بموجب المرسوم رقم 3991 الصادر في 16 أيلول 1972.

وبتاريخ 7 أيار 1973 صدر المرسوم رقم 5513 بتوقيع الرئيس سليمان فرنجية باعلان حالة الطوارىء على جميع الأراضي اللبنانية، "نظراً لوجود عناصر تخريبية أخذت تعبث بأمن البلاد وتعمل على التدمير والتقتيل وتزرع التفرقة".

وبتاريخ 23 أيار 1973 رُفعت حالة الطوارىء المعلنة في جميع الأراضي اللبنانية بموجب المرسوم رقم 5515 باستثناء منطقة الحدود الجنوبية.

لا بد من الإشارة إلى أن إعلان حالة الطوارىء المذكورة كان لأسباب أمنية وعسكرية، فهل يصح إعلانها عند تفشي الأوبئة أو الأمراض؟!

طوارئ الكوارث
للجواب على هذا الموضوع، نعود إلى النص القانوني والمراجع القانونية: ينص المرسوم الاشتراعي رقم 52 (إعلان حالة الطوارىء أو المنطقة العسكرية، والصادر بعهد الرئيس شارل الحلو وبتوقيعه في بيت الدين) على ما يلي:

"حددت المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي المذكور أعلاه على أن تعلن حالة الطوارىء أو المنطقة العسكرية في جميع الأراضي اللبنانية أو في جزء منها:

- عند تعرض البلاد لخطر داهم ناتجة عن حرب خارجية أو ثورة مسلحة أو أعمال أو اضطرابات تهدد النظام العام والأمن أو عند وقوع أحداث تأخذ طابع الكارثة.

أما المادة الثانية، فتنص على أن "تعلن حالة الطوارىء، أو المنطقة العسكرية بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء على أن يجتمع مجلس النواب للننظر بهذا التدبير في مهلة ثمانية أيام وإن لم يكن في دور انعقاد."

وبالعودة إلى حالتنا الحاضرة، نرى بحسب النص المذكور أن البلاد، كما العالم، معرضة لخطر داهم ناتج عن تفشي وباء خطير، لا علاج له بعد، ومن شأن تفشيه أن يودي بحياة الآلاف من المواطنين. ومثل هذه الحالة لا يمكن وصفها إلا بالكارثة. وعليه، فان الوضع الحالي يستوجب منذ اليوم الأول إعلان حالة الطوارىء.

دور الجيش
أما عن أهمية اعلان حالة الطوارىء، فان الإجراءات المتخذة في ظلها لها من الجدية والصرامة بحيث لا يعود بإمكان المواطنين أن يأخذوها بتساهل، لأن الأمرة تكون حينها للجيش. وفي هذا المجال فانّ المادة الثالثة من المرسوم الاشتراعي المذكور، تنص على الإجراءات المتخذة فور إعلان حالة الطوارىء، حيث نصت على ما حرفيته:

"فور إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية:

- تتولى السلطة العسكرية العليا صلاحية المحافظة على الأمن وتوضع تحت تصرفها جميع القوى المسلحة ويفهم بذلك قوى الأمن الداخلي والأمن العام والجمارك ورجال القوى المسلحة في الموانئ والمطارات ومخافر الأحراج وفي وحدات الحراسة المسلحة ومفارزها بما فيهم رجال الإطفاء. وتقوم هذه القوى بواجباتها الأساسية وفقاً لقوانينها الخاصة وتحت إمرة القيادة العسكرية العليا.

- تختار السلطة العسكرية العليا، بقرار بعض العناصر من هذه القوى لتكليفها بمهام خاصة تتعلق بالعمليات الحربية والأمن وحراسة النقاط الحساسة وعمليات الانقاذ، فتصبح عندئذ خاضعة للقوانين المعمول بها في الجيش، فيما يتعلق بأنظمة الانضباط، وفي هذه الحالة تستفيد هذه العناصر من تعويض مباشرة العمليات الحربية المنصوص عنها في قانون الجيش".

وما يدل على ضرورة اللجوء إلى إعلان حالة الطوارىء، هو أن نص المادة الرابعة تعطي صلاحيات واسعة للسلطة العسكرية العليا والتي لها طابع الجزم، وعندها لن يتمكن الناس من تنظيم أعراس، وفتح المحلات والتجول الخ، وعليه نصت المادة الرابعة على الصلاحيات التالية:

"للسلطة العسكرية العليا، في حالة إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية الحق في:

1 - فرض التكاليف العسكرية بطريق المصادرة التي تشمل: الأشخاص والحيوانات والأشياء والممتلكات.

2 - تحري المنازل في الليل والنهار.

3 - إعطاء الأوامر بتسليم الأسلحة والذخائر والتفتيش عنها ومصادرتها.

4 - فرض الغرامات الإجمالية والجماعية.

5 - إبعاد المشبوهين.

6 - اتخاذ قرارات بتحديد أقاليم دفاعية وأقاليم حيطة تصبح الإقامة فيها خاضعة لنظام معين.

7 - فرض الإقامة الجبرية على الأشخاص الذين يقومون بنشاط يشكل خطراً على الأمن واتخاذ التدابير اللازمة لتأمين المعيشة لهؤلاء الأشخاص ولعائلاتهم.

8 - منع الاجتماعات المخلة بالامن.

9 - إعطاء الأوامر في إقفال قاعات السينما والمسارح والملاهي ومختلف أماكن التجمع بصورة موقتة.

10 - منع تجول الأشخاص والسيارات في الأماكن وفي الأوقات التي تحدد بموجب قرار.

11 - منع النشرات المخلة بالأمن واتخاذ التدابير اللازمة لفرض الرقابة على الصحف والمطبوعات والنشرات المختلفة والاذاعات والتلفزيون والافلام السينمائية والمسرحيات.

12 - تطبيق القواعد العسكرية المتعلقة بالاعمال الحربية عند تسيير الجنود لأعمال مسلحة وفي استعمال الأسلحة والمعدات بجميع الطرق التي تمكنهم من القيام بالمهمة الموكولة اليهم.

ضرورة الطوارئ
إن هذه الصلاحيات هي المطلوبة لكي يلتزم الناس منازلهم، وكان على مجلس الوزراء منذ اليوم الأول اتخاذ هذا الاجراء لأننا أمام أمن صحي جماعي معرض للخطر، وأنه من التمعن في هذه الصلاحيات الاستثنائية، فالأمر لا يحتاج الى فقهاء قانون لمعرفة ودراية أن الوضع في لبنان يحتاج إلى فرض هذه الاجراءات.

وما يعزز هذا الأمر، ما نصت عليه المادة السادسة من عقوبات موجعة في حال مخالفة التدابير، حيث نصت على ما يلي:

"عند إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية:

1 - يعاقب بالحبس من عشرة أيام إلى سنة وبالغرامة من خمسين ليرة إلى ألف ليرة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يخالف الأوامر والقرارات والتدابير المتخذة بناء لأحكام المادة 4 من هذا المرسوم الاشتراعي أو يحول دون تنفيذها بعمل ايجابي أو سلبي.

وعند حصول المخالفة بعمل ينص القانون على المعاقبة عليه بعقوبة أشد فتطبق أحكام اجتماع الجرائم المعنوي لفرض هذه العقوبة الأخيرة.

2 – يعاقب بالاعتقال الموقت كل من يقوم أو يحاول القيام بأي نشاط أو عمل لمصلحة شخص معنوي غير مرخص له أو غير مؤسس حسب القانون أو مقرر حله، أو يقوم أو يحاول القيام بأي نشاط أو عمل باسم هذا الشخص المعنوي أو بوسائله، أو يحرض على القيام به بأية وسيلة من الوسائل.

فوق ذلك يتعرض الشخص المعنوي نفسه للعقوبات وتدابير الاحتراز التي يمكن إنزالها بالاشخاص المعنويين".

وبرأينا أن تهويل الحكومة بعقوبات في حق من يتجول، ليس له سند قانوني بغياب إعلان حالة الطوارئ. على الحكومة بالتالي ومجلس الوزراء ليس فقط بثلثي أعضاء المجلس بل باجماعه أن يتخذ قرارا بإعلان حالة الطوارىء.

مع العلم أن هذا المرسوم الاشتراعي، قد ألغى صراحة المرسوم الاشتراعي رقم 27 تاريخ 16\2\1953 الذي يتعلق باعلان حالة الطوارىء.

إضافة إلى ذلك، بقي المرسوم الاشتراعي نافذ دون أي تعديل، باستثناء شق معين منه عدل بعد الحرب الأهلية اللبنانية، وبموجب وثيقة الوفاق الوطني التي تم توقيعها في مدينة الطائف حيث تم الاتفاق على أن مجلس الوزراء يتخذ في المواضيع الأساسية ومنها حالة الطوارىء فانها تحتاج الى ثلثي أعضاء مجلس الوزراء، وكذلك قرار إعلان التعبئة العامة حيث أدخل هذا التعديل بموجب القانون الدستوري رقم 18 الصادر في 21 أيلول سنة 1990.

وهنا برزت المخالفة التي ارتكبت من قبل المجلس الأعلى للدفاع الذي أعلن عن حالة التعبئة العامة، في حين أن الحالة المذكورة تتخذ بموجب وثيقة الوفاق الوطني والتعديل الدستوري الحاصل تبعا لها بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء بثلثي أعضائه.

ولتعزيز رأينا المشار إليه أعلاه، نحيلكم الى استشارة هيئة التشريع والاستشارات رقم 733\ر\1971 تاريخ 10\12\1971 الصادرة عن الرئيس روبير عبدو غانم والقاضي أحمد شحادة، حيث ورد فيها ما يلي:

"بما أن الإجابة على المسألة المعروضة تستلزم أولا البحث في المفهوم القانوني الذي لحالة الطوارىء بمقتضى القانون اللبناني، والاختصاصات التي تخولها للسلطة التي تقوم بممارسة أحكام الطوارىء.

وبما أنه ان يكن صحيحا أن سيادة مبدأ المشروعية Principe de la légalité الذي يوجب على الادارة أن تجيء جميع تصرفاتها في حدود القانون، هي الشرط الأساسي لقيام الدولة القانونية l’Etat de droit الحديثة، إلا أن هذا المبدأ يحد من صرامته امتيازات معترف بها للادارة من بينها سلطات الحرب والظروف الاستثنائية:

La théorie des pouvoirs de guerre et des circonstances exceptionnelles

وبمقتضاها يسمح للادارة – اذا ما فاجأتها ظروف استثنائية لا يمكن مواجهتها بقواعد المشروعية العادية – أن تتحرر من هذه القواعد بالقدر اللازم لمواجهة هذه الظروف بمقتضى تشريعات توسع سلطات الادارة – اي سلطات البوليس الاداري التي تستهدف حماية النظام العام – بالقدر الذي تجيزه هذه التشريعات، ومن بين هذه التشريعات القوانين التي تنظم احكام حالة الطوارىء عند تعرض البلاد لخطر مداهم ناتج عن حرب خارجية أو ثورة مسلحة أو اضطرابات تهدد النظام العام او وقوع احداث تأخذ طابع الكارثة.

وبما أن حالة الطوارىء اذن هي إحدى تطبيقات نظرية الظروف الاستثنائية فنخضع لاحكامها".

وكما ورد في الاستشارة ما حرفيته:

"وبما انه من مراجعة أحكام المرسوم الاشتراعي رقم 52 تاريخ 5/8/1967 المتعلق باعلان حالة الطوارىء والمنطقة العسكرية يتبين أن القانون اللبناني يأخذ بالنوع الأول أي حالة الطوارىء السياسية بدليل :

1 – انه يقتصر على نقل صلاحية المحافظة على الامن التي تملكها اصلا السلطات المدنية من محافظين وقائمقامين وسواهم بمقتضى سلطة البوليس – ويجب أن نفهم كلمة «بوليس» هنا ليس بمعناها الدارج الذي يعني افراد الشرطة القائمين على تنفيذ سلطات البوليس وإنما بالمعنى الذي لها في القانون الإداري حيث تعني ولاية سلطة عامة للحد من نشاطات الأفراد وحرياتهم في سبيل الصالح العام – الى السلطة العسكرية العليا ووضع جميع قوى الأمن، لهذه الغاية، تحت إمرتها.

2 – توسيع سلطة البوليس هذه عن طريق منح السلطة العسكرية بعض الاختصاصات الواسعة على سبيل الاستثناء، كسلطة مصادرة الاشخاص والحيوانات والأشياء وسلطة تفتيش المنازل في الليل والنهار والامر بتسليم الاسلحة والذخائر والتفتيش عنها ومصادرتها والحد من حريات الاشخاص في الاقامة والتجول (ابعاد المشبوهين – فرض الاقامة الجبرية على الخطرين على الامن – اخضاع الاقامة في الاقاليم الدفاعية واقاليم الحيطة التي تحددها السلطة العسكرية لنظام معين – منع تجول الاشخاص والسيارات في الاماكن والاوقات التي تحددها السلطة المذكورة – وسلطة منع التجمعات والنشرات التي تخل بالامن والمراقبة على الصحف وسواها من وسائل الاعلام واقفال اماكن التجمع بصورة مؤقتة وغيرها من الامور المعددة في المادة الرابعة من المرسوم الاشتراعي المذكور."

وعليه، وبناء لما تقدم، وبناء للحالة التي وصلت اليها البلاد من خطر مداهم يشتد خناقا على أرواح الناس وعلى أرواح الجماعة، والتي في حالة عدم اتخاذ موجبات السلامة والوقاية، أمر محتوم أن يصيب بلادنا ما أصاب بداية الصين، ومن ثم إيطاليا وما يشاع عن مصير أسبانيا وفرنسا، ولا يمكن أن توصف هذه الحالات إلا بالخطر المداهم وبالكارثة.

وحيث أن مواجهة هذه الكارثة تفترض اتخاذ صلاحيات استثنائية صارمة، لا سيما إزاء استخفاف بعض من المواطنين اللبنانيين بخطورة هذا الوباء.

وحيث ان مجلس الوزراء قد أخطأ منذ اليوم الأول بعدم اعلان حالة الطوارىء، وحيث ان حالة الطوارىء مطلوبة اليوم وفي هذه اللحظة أكثر من أي وقت مضى.

لذلك، فاننا نضع دراستنا هذه بتصرف المعنيين على أمل أن يصل صوتنا إلى من يعنيهم الأمر وأن يبادروا رأسا الى اتخاذ الخطوات المناسبة، مهما كانت الضغوط السياسية والأمنية والميليشياوية التي قد تمنع من حيث لا ندري اللجوء الى هذا الإجراء، لا سيما ما يتعلق بالسلاح غير الشرعي والمعابر غير الشرعية التي يسيطر عليها الخارجون عن الدولة.

إن صحة الناس، كل الناس على المحك، وأن ما من مجال للمسايرة أو المهادنة في هذا المجال مع أي جهة.

وان الحكومة أمام الاختبار الأصعب، فاما أن تكون أداة ضعف، أو أن تكون على عكس التوقعات قادرة على مواجهة هذه المحنة.

مع صلواتنا إلى الله عز وجل أن يحمي بلادنا وأن يحمي أناسنا وأن يبعد عنا هذا الوباء ومخاطره، بتكاتفنا وتعاضدنا.

المصدر: المدن