المصدر: المدن
الخميس 26 شباط 2026 00:04:09
بينما تتجه الأنظار إلى جنيف، وسط ترقب لما توصف بالجولة التفاوضية المصيرية بين واشنطن وطهران، تواصل الولايات المتحدة تحشيدها العسكري في المنطقة، مروراً بتوزيع نطاق انتشار طائراتها الحربية، وأحدثها نشر سرب طائرات مقاتلة بواقع 12 طائرة من طراز "إف-22" في أحد القواعد الجوية الإسرائيلية بالنقب جنوبا مساء الثلاثاء، قادمةً من بريطانيا.
"القاعدة الأكثر أماناً"!
ورصدت "المدن" إفادات عسكرية إسرائيلية بشأن دوافع نشر سرب الطائرات الأميركية المقاتلة في قاعدة جوية إسرائيلية في هذا التوقيت الحسّاس، حيث نقل المراسل العسكري للإذاعة الاسرائيلية "مكان" عن مصادر بالجيش الإسرائيلي، أن تلك القاعدة تُعدّ "الأكثر أماناً" في المنطقة وتوفر حماية أكبر للطائرات في أي معركة محتملة، ما يمكّنها من سرعة التحرك والمناورة لتلافي "خطر محدق" جرّاء مسيّرات انتحارية أو صواريخ باليستية. مع العلم، أن قواعد جوية إسرائيلية، بعضها في النقب، أصابتها صواريخ إيرانية خلال المواجهة في يونيو/حزيران الماضي، لكن إسرائيل أفرغتها من الطائرات بشكل استباقي، ونقلت بعضها إلى ما وراء الحدود، بحسب تقارير عبرية.
وبحسب تحليلات عسكرية لمواقع عبرية، فإن الحماية المقصودة تكمن في المقارنة مع القواعد الجوية الأخرى على مستوى المنطقة، وأيضاً بالنظر لنوع الطائرات الحربية القادرة على استغلال هذا الهامش من "الحماية" في سبيل المناورة. وأضاف المراسل العسكري لراديو "مكان"، دافعاً آخر، معتبراً أن الخطوة بمثابة رغبة من واشنطن لنقل "رسالة واضحة" لإيران وحلفائها، بشأن حجم التنسيق العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل، سواء الآن أو أثناء أي معركة قد تندلع قريباً.
عامل لوجستي
بيدَ أن أهداف الجيش الأميركي تبدو أكثر من مجرد رسالة تحذير وترهيب لإيران، وفق تقارير عسكرية في مواقع عبرية، إذ قالت إن نشر واشنطن تلك الطائرات المقاتلة في إسرائيل، يرتبط بعامل لوجستي، لا سيما وأن الجيش الأميركي يحرص على توزيع انتشار طائراته ومعدات عسكرية أخرى في أكثر من مكان في المنطقة، وذلك بما يتيح المجال لتوسيع خيارات ومساحات انطلاق طائراته الحربية تجاه أهدافها، وضمن مسارات جوية متعددة. فيما أشارت وسائل إعلام عبرية إلى أن الولايات المتحدة نشرت طائرات مماثلة ومن طرازات متعددة في دول أخرى في المنطقة أيضاً؛، وذلك لمنحها مساحة أوسع للمناورة والتحرك في حال اندلاع الحرب.
تشويش إلكتروني
وأما السبب الآخر، فهو تكنولوجي أمني، حيث أدرجته مواقع عسكرية اسرائيلية في سياق امتلاك طائرات "إف22" قدرة على التشويش الإلكتروني، وهو ما يمكنها من أداء خدمة "مشتركة" للجيشين الأميركي والإسرائيلي، باعتبار أن أحد مهمات هذا الطراز من الطائرات الحربية، هو التشويش على أي قدرات استخباراتية إيرانية لرصد "أهداف ثمينة" في الدولة الاسرائيلية وعموم المنطقة، وأيضاً لتضليل الصواريخ والمسيرات الإيرانية عن أهدافها المحددة، إلى جانب التعامل معها جواً. في حين، أشار المراسل العسكري للاذاعة الاسرائيلية "مكان"، إلى أن طائرات "إف 22"، لديها قدرات أخرى، منها الاختفاء عن شاشات الرادار والقيام بمهام "معقدة" في عمق إيران، وتمتعها ب"التفوق الجوي" عند دخولها في المعارك، على حدّ تعبيره.
في غضون ذلك، تنعقد في إسرائيل جلسات مشاورات أمنية مقلصة برئاسة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وأيضاً الكابينت، بشكل يومي تقريباً؛ لدراسة تحديثات الخطط العملياتية، دفاعاً وهجوماً، في حال وقوع حرب وشيكة. ونوه محرر الشؤون السياسية لهيئة البث الاسرائيلية، بأن أكثر القرارات دراماتيكية، اتخذتها إسرائيل بالسنتين الأخيرتين، عبر مشاورات أمنية، وليس الكابينت؛ حفاظاً على "السرية" وعنصر "المفاجأة".
شخصيات ظل إيرانية
في غضون ذلك، ركزت مواقع استخباراتية إسرائيلية مؤخراً، على ما توصف بشخصيات الظل في النظام الإيراني، أي تلك التي تُعدّ قليلة الظهور في الإعلام وأمام الرأي العام، لكنها تقوم بمهام محورية مهمة داخل "المنظومة الأمنية-الأيدولوجية" بالجمهورية الإسلامية، ومن بينهم رئيس المكتب العسكري للمرشد الإيراني العميد محمد شيرازي، الذي تصفه بـ"أذن وعيون خامنئي" منذ أكثر من 3 عقود ونصف. ووفق الموقع العبري المتخصص بالشؤون الأمنية "إنتلي تايمز"، فإن شيرازي هو من يرشّح التقارير وينقل الأوامر، بموازاة إشرافه على تنفيذ السياسات وتنسيقه بين مختلف الأذرع العسكرية (الحرس الثوري والجيش النظامي والباسيج).
ووفق ما يُرصد من قراءات أمنية إسرائيلية، فإن شيرازي مثال للشخصيات العاملة بصمت، لكنها تشكل جوهر المؤسسة العقائدية للنظام الإيراني، وهو ما دفع الاستخبارات الإسرائيلية إلى الاعتقاد أن اغتيال شيرازي، إن حدث، قد يشكّل "ضربة قاسية" لخامنئي.. ورغم إقرارها أن الأمر سيسبب "إرباكا مؤقتاً" في التنسيق العسكري، إلا أنها عدته "إرباكاً حرجاً"، وإن لم يصل إلى حد "الانهيار الوجودي" بالضرورة، نظراً لاعتماد النظام الإيراني على الاستمرارية وتعدد طبقات الحماية، بمنظور دوائر إسرائيل الأمنية.
"استخلاص العبر من المواجهة السابقة"
واللافت أن التركيز على "شخصيات الظل" الإيرانية، جاء بالتزامن مع رصد "المدن" مقالات أمنية لمتخصصين إسرائيليين بملف إيران، أوصوا فيها بضرورة تكثيف استهداف شخصيات مركزية إيرانية، تعمل بـ"صمت" داخل النظام، في أي معركة قادمة، وذلك ضمن ما يُدرجه الأمن الإسرائيلي في سياق "استخلاص العبر" من الحرب السابقة مع طهران؛ إذ تدرك تل أبيب أن استهداف شخصيات قيادية مركزية، لا يكفي، وأن اغتيال "شخصيات ظل مؤثرة" تمثل جوهر المؤسسة السياسية والعسكرية في الجمهورية الإسلامية، سيكون أولوية" في أي مواجهة قادمة.
بينما ذكرت إفاداتٌ عبرية أن الجيش الإسرائيلي في حال انخراطه إلى جانب أميركا، في حرب محتملة ضد إيران، سواء ببدايتها أو لاحقاً، فإنه سيتعامل مع أهداف تم الإعداد لها، بينما يختص الجيش الأميركي بمهاجمة أهدافه المحددة، خصوصاً تلك التي تحتاج إلى قنابل خارقة لأعماق كبيرة تحت الأرض، وتحديداً في ما تُسمى ب"مدن الصواريخ".