أزمة رواتب القطاع العام... الحلول ليست قريبة

لا قيامة لدولة بلا قطاع عام، كما لا إيرادات بلا إنتاجية االقطاع العام، وفي لبنان لا قطاع عام حالياً، ليس بالمعنى الحرفي إنما لا إنتاجية تتواءم مع حجم القطاع العام. أما لماذا تغلق مؤسسات الدولة اليوم ويُشل قطاعها العام، فليست أزمة حكومة ولا حقبة واحدة، أنما أزمة سياسات متراكمة على مر الحكومات قامت على المحسوبيات والزبائنية وتعطيل دور القطاع العام لحساب مؤسسات القطاع الخاص، أزمة متجذرة لن تُحل بين ليلة وضحاها.

والخيارات قليلة أو بالأحرى ثمة خياران لا ثالث لهما إما الإبقاء على القطاع العام على ما هو عليه اليوم وزيادة رواتب العاملين فيه وترحيل الأزمة عام بعد عام، أو إعادة هيكلة القطاع بما يضمن حقوق العاملين الذين يجب الإبقاء عليهم في الإدارات العامة ومرافق الدولة وتنظيف القطاع من شوائب الزبائنية التي أنهكت العاملين فيه ذوي الكفاءة.

وبين موظف عمل على مدى أعوام بنشاط وشفافية يتقاضى اليوم 400 دولار لا تغطي معيشة عائلته لأسبوع واحد، وموظف يتقاضى راتباً مهما بلغت قيمته لكن قدمه لم تطأ أرض المؤسسة يوماً، لا بد من إعادة هيكلة القطاع الذي يضم مئات آلالاف من العاملين حفظاً لحقوق ذوي الحقوق ومنعاً لاستمرار عملية النزيف التي تعانيها الخزينة العامة من ضخامة سلة الرواتب والأجور.

 

إضراب مستمر!

تزامن دخول موظفي القطاع العام في إضراب جديد منذ أيام، مع جلسات لجنة المال والموازنة للبحث في بنود مشروع القانون بما فيها ما يتعلّق بالرواتب والأجور. لكن اللجنة أقرت كافة بنود المواد باستثناء الرواتب والأجور التي أرجأت البحث فيه للأسبوع المقبل على وقع توقف كافة الإدارات والمؤسسات العامة عن العمل، بعد تحركات ومطالبات استمرت 6 سنوات.

لكن الحلول النهائية التي لم تر النور طيلة السنوات الماضية لن تراه خلال أيام. فلجنة المال والموازنة التي ستبحث خلال الأسبوع المقبل في بند الرواتب والأجور الوارد في الموازنة قد لا تملك عصاً سحرياً كما لا تملك مداخل لموارد مالية تغطي كلفة الزيادات فيما لو تم إقرارها. وفي حين يعترض أكثر من نائب في لجنة المال على مبدأ وآلية الزيادات الواردة في الموازنة على شكل "تعويضات مختلفة"، يرى النواب أن لجنة المال لا يسعها سوى رفض هذه الصيغة والمطالبة بإنصاف موظفي القطاع العام من دون إحداث تغييرات جذرية لاسيما في ظل غياب الموارد المالية.

 

زيادات متفاوتة

وبحسب ما ورد في الموازنة التي تسعى الحكومة إلى إقرارها قبل نهاية الشهر الجاري، فالزيادات لموظفي القطاع العام تقتصر على تعويضات مختلفة، بمعنى أن التعويضات تختلف بين إدارة وأخرى وبين فئة وظيفية وأخرى، وهو ما يرسّخ التمييز بين العاملين بالإضافة إلى كون تلك التعويضات لا تدخل في أساس الراتب ما يحرمهم بالتالي من تعويضات نهاية الخدمة.

وبحسب مصادر "المدن" من غير المتوقع أن يتم إدخال تعديلات جوهرية على آلية الزيادات لموظفي القطاع العام في صلب موازنة 2026 وستقتصر الزيادات على مساعدة اجتماعية للمدنيين وزيادة مقطوعة للعسكريين الفعليين.

أما الحلول النهائية لأزمة القطاع العام فقد انطلقت بحسب المصدر، لكنها تستلزم المزيد من الوقت خصوصاً أن المسألة لا تتعلق فقط بخطة "هيكلة القطاع العام" بل بالقرار السياسي والأهم بتأمين موارد مالية مستدامة بعيدة عن الإجراءات الضريبية.

 

بين المطالب والموارد

يطالب موظفو القطاع العام الذين تآكلت رواتبهم على مدار السنوات الماضية، بمضاعفة الرواتب بالنسب عينها التي تراجعت فيه قيمة العملة. يطالبون بمضاعفة الراتب الأساس بنحو 60 مرة لاستعادة القيمة الشرائية كما كانت قبل عام 2019 بالإضافة إلى إدخال الزيادات على أصل الراتب وتحسين النظام التقاعدي. في المقابل تهرب الحكومة إلى الأمام من خلال موازنات ومنها موازنة 2026 تعتمد على الحلول المؤقتة لأزمة القطاع العام.

وتقول عضو لجنة المال النائبة نجاة صليبا في حديثها لـ"المدن" إن مسألة اختلاف التعويضات والزيادات بين الإدارات والوزارات "مسألة فاضحة" من المعيب أن تستمر. فلا توجد معادلة واضحة لتحديد قيمة الزيادات للموظفين بل كل إدارة تضع تعويضاتها كما تشاء. هذه الصيغة من التعامل مع القطاع العام لا تُسمى سوى ترقيع مؤقت فالحلول تبدأ بزيادة الموارد المالية وهيكلة القطاع العام.

حديث صليبا لا يختلف عن رأي العدد الأكبر من أعضاء لجنة المال وهو ما ردّده أيضاً بعض الوزراء في الجلسة الأخيرة للحكومة، لكن عندما تبدأ الحلول من زيادة الإيرادات المالية تتوقّف كافة النقاشات. فكيف يمكن زيادة إيرادات الموازنة من دون فتح ملف الأملاك البحرية والنهرية التي لا ترفد إلى الخزينة سوى 25 مليون دولار وهو رقم ضئيل، وملف المقالع والكسارات المخالفة بمعظمها وملف التهرب الجمركي وكل الملفات المحظورة التي يمكن أن ترفد المليارات إلى الخزينة.

باختصار لن يتم حل أزمة القطاع العام نهائياً من دون تأمين موارد مالية ثابتة ومستدامة كالملفات سالفة الذكر، على ما يقول مصدر حكومي لـ"المدن" أما في المرحلة الراهنة أي في موازنة 2026 فمن المستبعد أن تقر زيادات تلبي تطلعات العاملين في القطاع العام من دون أن يستبعد إقرار مشروع ملحق يتعلق بالقطاع العام فقط.

 

خطة "هيكلة القطاع العام"

أما لجهة الخطة المطروحة على  المدى المتوسط والبعيد، فيعود المصدر إلى ما طرحه مجلس الخدمة المدنية مؤخراً والذي يقوم على تحديد زيادات تدريجية بطريقة مدروسة، مع تبيان مكامن الفائض والنقص في الإدارات الرسمية، بهدف إعادة هيكلة القطاع. تمتد الزيادات التدريجية بحسب الخطة من عام 2027 حتى 2030، مقابل تعديلات بنيوية تطال معاشات التقاعد والمنافع الاجتماعية، خصوصاً للموظفين الجدد. وعلى أساسها يستعيد الموظفون نحو 75 في المئة من قيمة رواتبهم الحقيقية لعام 2019 بحلول 2030. أي بنسب تقل عن نسبة تراجع القدرة الشرائية.

وتأخذ الخطة بالاعتبار عدالة الزيادات بحيث تشمل كل من يتقاضى مالاً عاماً أي الإداريين والقضاة  والعسكريين والمعلّمين والنواب والوزراء.. وعلى أساس التوزيع العادل سيتم إنهاء الزيادات غير المتساوية عبر صناديق خاصة.

كما من المتوقع أن تشمل التعديلات في النظام التقاعدي عبر خفض المعاش التقاعدي من 85 في المئة من آخر راتب إلى 70 في المئة للموظفين الجدد. مع رفع سن التقاعد من 64 سنة إلى 66 سنة لجميع العاملين.

ويقابل كل ذلك تنظيف القطاع العام من فائض الموظفين في بعض الإدارات وتحديداً إلغاء 2600 وظيفة تزيد عن الحاجة. بالإضافة إلى إجراء إعادة توزيع ونقل موظفين من إدارة إلى أخرى بحسب الحاجة. وإلغاء وظائف لم يعد لها مكان في الإدارات العامة ومنها المستكتب، ومعاون مترجم، ومعاون محاسب وغيرها.

وتبقى المعضلة الأبرز في ورشة القطاع العام هي تلك التي كرّستها التسميات الوظيفية على مدار عقود وهي أشبه بتوظيف الظل ومنها "عمال الفاتورة"، "العمال المياومون" و"عمال المتعهد" و"إيجار الخدمة" وجميعها توصيفات تحرم العمال والموظفين من كافة حقوقهم. 

 

هروب إلى الامام

في المحصلة ما ينتظره موظفو القطاع العام في الأيام المقبلة يبدو مستبعد جداً. وبحسب المصدر فإن موازنة 2026 لن تقدم للقطاع العام الكثير أنما الحلول المجدية لا بد أن تنطلق فوراً وإن كانت نتيجتها لن تتضح قبل العام المقبل. إذ لا يمكن الحديث عن زيادات من دون الحديث عن إيرادات للدولة ولا شك أن الأوان قد فات على البحث في زيادة إيرادات الموازنة الحالية.

من هنا يبدو الاتجاه إلى حل مؤقت جديد إرضاء للموظفين أو إسكاتهم، لا فرق، بهدف تسيير عمل القطاع العام بالحد الأدنى من طاقته.