المصدر: النهار
الكاتب: اسكندر خشاشو
الاثنين 13 نيسان 2026 15:27:02
ليس أسبوعاً عادياً ذاك الذي يعيشه لبنان في واشنطن. في الظاهر مساران منفصلان: لقاء سياسي أمني غير مسبوق بين سفيرة لبنان ندى حمادة معوض وسفير إسرائيل يحيئيل ليتر برعاية وزارة الخارجية الأميركية، وحضور السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، وتحرك مالي يقوده وزير المال ياسين جابر في اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ولكن في العمق، مسار واحد يتقاطع عند سؤال أكبر: ماذا يبقى من لبنان بعد الحرب؟ وكيف يُعاد بناؤه؟ وبأي شروط؟
اللقاء بين السفيرين، وهو الأول من نوعه منذ عقود، لا يمكن تضخيمه إلى مستوى مفاوضات مباشرة، لكنه في الوقت نفسه ليس تفصيلاً تقنياً عابراً. فلقاء الثلثاء بحسب مصادر وزارية مخصص حصراً للبحث في آليات وقف النار، وليس للدخول في مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتي تبقى في حاجة إلى ترتيبات سياسية ودستورية محددة، ووفد تفاوضي رسمي شكَّل بقرار من الرئاسة اللبنانية، لا أن تتولاها السفيرة في واشنطن.
هذه النقطة أساسية، لأنها تنطلق من أن ما يجري هو مرحلة تمهيدية لا أكثر: جسّ نبض، اختبار شروط، ومحاولة تضييق فجوة المواقف حول أولوية وقف النار أو التفاوض تحته. ومع ذلك، يكتسب اللقاء أهمية مضاعفة من كونه يُعقد برعاية مباشرة من وزارة الخارجية الأميركية، وتحديداً بإشراف مكتب الوزير ماركو روبيو، ما يشير إلى أن الملف اللبناني عاد إلى مستوى اهتمام متقدم داخل الإدارة الأميركية، وليس مجرد تفويض تقني يدار في الكواليس.
هذا الاهتمام لا يعني بالضرورة قرب تحقيق اختراق، بقدر ما يعكس إدراك واشنطن أن أي مسار لاحق، سواء لوقف النار أو لترتيبات أوسع، يحتاج إلى قاعدة تواصل، ولو محدودة. في المقابل، تبقى الفجوة بين الطرفين كبيرة: إسرائيل تدفع نحو التفاوض تحت النار، فيما يتمسك لبنان بوقف النار، مدخلاً إلزامياً لأي بحث سياسي، ما يجعل هذا اللقاء أقرب إلى إدارة خلاف منه إلى حله.
في المقابل، يتحرك الوفد اللبناني مالياً في اتجاه مختلف ظاهرياً. يعرض حجم الخسائر، ويطلب دعماً للإغاثة وإعادة الإعمار، ويعيد طرح مسار الإصلاحات. لكن هذا المسار يصطدم بحقيقة أساسية: لا أرقام ثابتة في زمن الحرب. كل تقدير للخسائر مفتوح على الارتفاع، وكل خطة إصلاح قابلة لإعادة النظر، وكل وعد بالدعم مؤجل إلى حين اتضاح المشهد.
هنا تحديداً يلتقي المساران. فلا إصلاح ممكناً في ظل حرب مفتوحة، ولا إعادة إعمار من دون تسوية سياسية، ولا دعم دولياً فعلياً من دون استقرار أمني. بالنسبة إلى واشنطن، الأولوية واضحة: تثبيت التهدئة أولاً، ثم الانتقال إلى الاقتصاد. أما المال، سواء عبر صندوق النقد الدولي أو الجهات المانحة، فليس سوى أداة ضمن مقاربة أشمل، تُستخدم للضغط كما للتحفيز.
الأبعد من ذلك، أن لبنان لم يعد يُقارب على أنه ملف مستقل. موقعه بات جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع قيد التشكل، ما يعني أن حجمه في أي خطة دعم لن يحدد فقط بحجم خسائره، بل بدوره في التسوية المقبلة. من هنا، فإن زيارة وزير المال، على أهميتها، تبدو أقرب إلى محاولة "حجز موقع" للبنان في مرحلة ما بعد الحرب، لا أكثر.
بمعنى أوضح، ما يبحث اليوم في واشنطن ليس برنامجاً مالياً بقدر ما هو شكل المرحلة المقبلة. الأرقام قد تتغير، والخسائر مرشحة للارتفاع، وأولويات الدول قد يعاد ترتيبها وفق نتائج المواجهة. أما لبنان فيقف في منطقة رمادية: يفاوض مالياً، لكنه ينتظر سياسياً.
بين لقاء السفيرين واجتماعات المؤسسات الدولية، تبدو الصورة واحدة: لبنان لا يفاوض على شروط إنقاذه فحسب، بل على موقعه في الخريطة الجديدة للمنطقة. وفي انتظار أن تتضح هذه الخريطة، سيبقى كل ما يطرح، سياسياً ومالياً، معلّقاً على إيقاع النار.