أميركا اللاتينية على "صفيح ساخن" .. "درونز" كيميائية وحرارية لدى الكارتيلات

تشهد منطقة أمريكا اللاتينية تحولاً نوعياً وتكنولوجياً في الأساليب العسكرية والأمنية التي تعتمدها شبكات الجريمة المنظمة والكارتيلات العابرة للحدود. 

ولم تعد الاستراتيجيات الإجرامية تقتصر على الأسلحة الخفيفة أو الاغتيالات التقليدية، بل انتقلت إلى مواجهة مفتوحة تستخدم أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا المدنية و"التشاركية"، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة (Drones) المدمجة بالعبوات الناسفة المبتكرة شديدة الانفجار، والمزودة بالمواد الكيميائية وبالتقنيات الحرارية.  
من الاغتيال إلى "الحرب الهجينة"
وفقاً لتحليل حديث نشرته منصة "إن سايت كرايم" InSight Crime  الكولومبية المُتخصصة في الاستخبارات والتّحقيقات الإجرامية، فإن استخدام الطائرات المُسيرة والعبوات الناسفة لم يعد مجرد تجارب فردية أو عشوائية، بل تحول إلى تكتيك منظم تشرف عليه وحدات متخصصة داخل الكارتيلات.

وفي استقرائها للتهديدات التي تمثلها المسيّرات الانقضاضية المتوفرة لدى الكارتيلات الإجراميّة، تُشير المنصة إلى أنّ المخاطر باتت تستهدف بشكل واضح ثلاث دول أمريكية لاتينية بشكل واضح وجلي. 

أول هذه البلدان، المكسيك حيث طوّر كارتيل "خاليسكو الجيل الجديد" وحدةَ طائرات مسيرة مُتخصصة تُحلّق فوق مناطق النزاع لتسليم العبوات الناسفة وإسقاطها على مواقع القوات الحكومية والفصائل المسلحة الإجرامية المنافسة لها. 

وتنقل مصادر إعلامية مكسيكية عن بيانات رسمية إشارتها إلى قفزة مرعبة في ضبط العبوات الناسفة لدى الكارتيلات، حيث ارتفعت من 3 أجهزة فقط عام 2020 إلى أكثر من 1300 جهاز في عام 2022، بالتوازي مع استخدام مواد كيميائية وغازات تُسبب ضيقاً تنفسياً للمواطنين والقوات الأمنية في ولايات مكسيكية على غرار "ميتشواكان". 

أمّا في كولومبيا، فقد تضاعفت هجمات الطائرات المسيرة أربع مرات في عام واحد فقط. 

وتكشف مصادر إعلامية كولومبية عن انتقال منظمة مسلحة مثل "جيش التحرير الوطني" إلى استخدام مسيرات مزودة بتقنيات التصوير الحراري المتقدمة لإجراء عمليات استطلاع ليلية ومراقبة تحركات الجيش ورصد الثغرات الأمنية في مناطق نفوذها الواسع والممتد على مساحات كبيرة من البلاد. 

أمّا في البرازيل، فتعتمد الفصائل المسلحة الكبرى مثل "القيادة الأولى للعاصمة" PCC والقيادة الحمراء CV، على المسيّرات الانقضاضية في مناطق الفافيلا بريو دي جانيرو وساو باولو، لاستطلاع تحركات الجيش والأمن وتنسيق المواجهات الفتاكة مع الميليشيات المسلحة المتصارعة معها والمنافسة لها. 

جذور تاريخية وتطوير مستمر
ويرى تحليل منصة "إن سايت" - بناء على قراءات أمنية مطلعة - أنّ التطور التكنولوجي للكارتيلات في استخدام المسيرات الانقضاضية هو امتداد تاريخي لاستعانة شبكات التهريب والجريمة المنظمة بالخبرات الخارجية وتطوير أدواتها القتالية.

وفي مقاربة تاريخية لاستفادة الكارتيلات من التقنيات لغايات إجرامية صرفة، تشير المنصة إلى أنّ بابلو إسكوبار استعان في الثمانينيات بخبراء من منظمة "إيتا" الانفصالية لتعلم تقنيات التفجير.

كما استقطبت حركة "فارك" الكولومبية خبراء من "الجيش الجمهوري الإيرلندي" (IRA) لإنشاء قذائف الهاون، لتأتي الطائرات المسيرة اليوم وتمنح الكارتيلات ميزة استراتيجية منخفضة التكلفة وعالية التأثير، تتيح لها تطبيق "منطق التمرد" وخرق التفوق العسكري للدول. 
خيارات التصدي
أمام هذا المشهد الأمني المعقد، تتزايد الضغوط على الحكومات الأمريكية اللاتينية لتحديث ترسانتها الدفاعية والتكنولوجية.

وفي هذا السياق، وقّعت الولايات المتحدة والمكسيك اتفاقية ومذكرة تفاهم تتيح لوزارة الدفاع المكسيكية الوصول إلى السوق الرقمي للجيش الأمريكي لشراء أنظمة الطائرات المسيرة وتقنيات مكافحتها، في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها التّي يتيحُ فيها "البنتاغون" هذه التقنيات المتقدمة لمواجهة عصابات الجريمة المنظمة.

وتُظهر هذه التطورات أن أمريكا اللاتينية تخوض "حرباً صامتة" وسباق تسلح تكنولوجي لا يقل خطورة عن النزاعات العسكرية التقليدية؛ مما يضع استقرار الإقليم وكفاءة المؤسسات الأمنية أمام اختبار غير مسبوق.