"أنجبوا رغم الحرب".. دعوة مجتبى تُشعل الجدل في إيران

أثارت الدعوة التي وجهها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى زيادة الإنجاب انتقادات واسعة، بالنظر إلى توقيتها الذي يتزامن مع مخاوف من اندلاع حرب مجددا، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية التي يرزح تحتها الإيرانيون.


واعتبر مجتبى، في رسالة نشرها على منصة "إكس"، أن "زيادة عدد السكان تمثل ركيزة أساسية لتعزيز مكانة إيران الدولية"، موضحا أن "المتابعة الجادة لسياسة زيادة عدد السكان ستمكن الإيرانيين من تحقيق خطوات كبيرة نحو بناء حضارة حديثة، وهو ما يعزز موقف طهران في معادلة الصراع بين إيران وأميركا"، وفق تعبيره.
بيد أن المعارضة الإيرانية وصفت هذه الدعوات بأنها "غير واقعية" في ظل تفاقم الأزمات المعيشية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، مشيرة إلى أن تشجيع الإنجاب دون توفير مقومات الحياة الأساسية والدعم الاجتماعي اللازم يعكس تجاهلا للتحديات الاقتصادية التي تواجهها الأسر الإيرانية، ويجعل هذه السياسات بعيدة عن إمكانية التطبيق الفعلي على أرض الواقع.

مخاوف داخلية.. وأزمة اقتصادية

شهدت إيران زيادة مستمرة في عدد سكانها خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث ارتفع العدد من حوالي 80 مليون نسمة في عام 2016، وفق التعداد الرسمي، إلى نحو 92 مليون نسمة في عام 2025.

لكن، وبحسب الأمم المتحدة، انخفض معدل الخصوبة الكلي في إيران خلال العقود الماضية، من 6.5 طفل لكل امرأة عام 1979 إلى نحو 1.7 فقط في عام 2024، ما أثار قلقًا رسميًا بشأن مستقبل النمو السكاني في البلاد.

وتأتي دعوة زيادة الإنجاب في الوقت الذي تعاني فيه إيران من أوضاع اقتصادية صعبة للغاية منذ سنوات، تفاقمت بشكل كبير مؤخرًا بسبب تداعيات الحرب والعقوبات الدولية وتراجع إيرادات النفط، في حين يواجه الاقتصاد ركودا حادا، مع توقعات بانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى أكثر من 6 بالمئة في عام 2026، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.
ويُعد التضخم أحد أبرز مظاهر الأزمة الاقتصادية، حيث بلغ 53.7 بالمئة خلال الشهر الماضي، فيما تجاوز تضخم أسعار الغذاء 115 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق مركز الإحصاء الإيراني الرسمي.

وتعرض الإيرانيون لموجات متسارعة من ارتفاع الأسعار شملت الغذاء والأدوية وسلعا أساسية أخرى. وفي الوقت نفسه، شهدت البلاد خسائر واسعة في الوظائف وإغلاقات في الأنشطة التجارية، نتيجة الأضرار التي لحقت بقطاعات صناعية رئيسية جراء الضربات، إلى جانب استمرار انقطاع الإنترنت منذ بداية العام الجاري.

ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن الخبير الاقتصادي الإيراني والباحث في جامعة "برانديز"، هادي كحال زاده، أن "الكلفة الأساسية سيتحملها الإيرانيون العاديون عبر تضخم أعلى، ومزيد من الفقر، وخدمات أضعف، وحياة يومية أشد قسوة".

دعوات متكررة

وفي رأي الباحث في الشأن الإيراني، وجدان عبدالرحمن، فإن "دعوة مجتبى خامنئي بشأن ضرورة زيادة عدد السكان في إيران ليست الأولى من نوعها داخل هرم السلطة الإيرانية، ففي عام 2011 دعا سابقه علي خامنئي إلى رفع معدلات الإنجاب وزيادة عدد السكان، محذرًا آنذاك من مخاطر تراجع النمو السكاني".

وأوضح "عبدالرحمن" في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، أنه "على مدى السنوات اللاحقة، تبنت الحكومات المتعاقبة والبرلمان الإيراني سياسات وبرامج مختلفة لتشجيع الإنجاب، وقدمت حوافز وإجراءات متعددة لتحقيق هذا الهدف، إلا أن هذه السياسات لم تحقق النتائج المرجوة، إذ اصطدمت بواقع اقتصادي ومعيشي صعب يواجهه المواطن الإيراني، إذ أن ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمة السكن، وتزايد معدلات البطالة، كلها عوامل دفعت كثيرًا من الأسر إلى العزوف عن الإنجاب أو الاكتفاء بعدد محدود من الأطفال، رغم الدعوات الرسمية المتكررة".

وأشار إلى أنه بعد نحو 15 عاما على دعوة والده، يعود مجتبى خامنئي ليطالب الإيرانيين بزيادة الإنجاب في وقت تمر فيه البلاد بأزمات اقتصادية خانقة، تشمل انهيارا مستمرا في قيمة العملة الوطنية، وارتفاعًا غير مسبوق في تكاليف المعيشة، وإغلاقًا أو تراجعًا في نشاط العديد من الشركات والمؤسسات الإنتاجية، فضلًا عن الصعوبات التي يواجهها المواطن في تأمين احتياجاته الأساسية.

وأكمل الباحث في الشأن الإيراني، أن "هناك انتقادات وتساؤلات بشأن جدوى هذه الدعوات في ظل الظروف الراهنة، فكيف يمكن مطالبة المواطنين بزيادة عدد أفراد أسرهم بينما يعاني كثير منهم من ضغوط اقتصادية ومعيشية متفاقمة، وكيف يمكن إقناع الشباب بتكوين أسر أكبر في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتتفاقم أزمة السكن".

وشدد "عبدالرحمن" على أن "معالجة أزمة التراجع السكاني لا يمكن أن تتم عبر الخطابات والدعوات وحدها، بل تتطلب أولًا تحسين الظروف الاقتصادية وتوفير الاستقرار المعيشي وضمان مستقبل أكثر أمنًا للأسر الإيرانية".

ورجح أن تواجه دعوة مجتبى خامنئي المصير نفسه الذي واجهته دعوة والده قبل 15 عامًا، ما دامت الأسباب الأساسية التي تدفع المواطنين إلى العزوف عن الإنجاب ما زالت قائمة، "بل أصبحت أكثر حدة وتعقيدًا من السابق" وفق تقديره.

ظروف اقتصادية صعبة

وعلى هذا المنوال، شدد عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مهدي عقبائي، على أن هذه الدعوات تأتي في وقت تشهد فيه إيران موجة غلاء واسعة، نتيجة مباشرة لتراكمات ما وصفه بـ"السياسات الاقتصادية الفاشلة" للنظام، والتي تفاقمت بصورة كبيرة مع تداعيات الحرب الراهنة.

وأوضح "عقبائي" لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "الحرب فرضت ضغوطا إضافية على اقتصاد يعاني بالفعل من أزمات حادة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على أسعار المواد الغذائية والإيجارات والخدمات، حتى أصبحت شرائح واسعة من الإيرانيين غير قادرة على تأمين احتياجاتها اليومية".

وأشار عقبائي إلى أن أسعار السلع الأساسية ارتفعت عدة أضعاف خلال العام الأخير، بالتزامن مع اتساع ظاهرة "التضخم الجامح" في الأسواق، وازدياد معدلات البطالةفضلًا عن إغلاق العديد من الورش والمشروعات الصغيرة، مؤكدا أن "المواطن الإيراني يدفع اليوم ثمن سياسات لا علاقة لها بمصالحه، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة بصورة خطيرة".