أوروبا المأزومة: أمن الطاقة مقابل النمو الاقتصادي!

كتبت مهى كنج في النهار

في ظل الأزمة الدولية التي تهدّد أمن الطاقة في العالم، يتكشف أمن الطاقة الأوروبي، كاشفاً عن هشاشة القارة أمام تقلّبات أسواق الغاز الطبيعي. تقع المنشآت التقنية لتخزين الغاز الطبيعي في كهوف تحت الأرض في موقع محطة تخزين "إتزل إي إس إي"، وهي محطات حيوية لمواجهة أيّ نقص محتمل، لكنها اليوم تعكس تحدّيات أكبر من قدراتها الفعلية.

مع دخول الربيع، تبدأ أوروبا عملية إعادة ملء مخزونات الغاز الجوفية استعداداً لفصل الشتاء، إلا أن مستويات التخزين الحالية أقلّ من 30%؛ وهو أدنى مستوى خلال خمس سنوات، كما أن ارتفاع استهلاك الغاز بنسبة 7% منذ بداية العام، نتيجة شتاء أبرد وزيادة الصادرات إلى أوكرانيا، يزيد الضغط على القارة. وللوصول إلى الحد الأدنى المنصوص عليه في لوائح الاتحاد الأوروبي "90% من السعة التخزينية قبل الشتاء المقبل"، تحتاج أوروبا إلى ضخ نحو 60 مليار متر مكعب من الغاز، أي ما يعادل 586 تيراوات ساعة من الطاقة.

موجة اضطرابات في سوق الغاز الطبيعي المسال
أوقفت منشآت رأس لفان في قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وأعلنت حالة القوة القاهرة بعد استهدافها من قبل إيران، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز الأوروبية بنسبة تجاوزت الـ 50% في يوم واحد. وحتى بعد إعادة فتح المضيق، قد يستغرق استئناف الإنتاج بالكامل أسابيع، ما يزيد من عدم اليقين، ويعقّد جهود أوروبا لاستعادة الإمدادات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام أزمة إمدادات فعلية أم أمام خلل أعمق في نموذج الطاقة الأوروبي؟

في حديثه مع النهار، يوضح الدكتور شربل باسيل، أستاذ مشارك في الاقتصاد في جامعة قطر، بأن "القارة لم تتحرر من الهشاشة، بل انتقلت من الاعتماد على مورد واحد إلى الارتهان لسوق عالمية أكثر تقلباً". فاستبدال الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب بالغاز الطبيعي المسال، خصوصاً الأميركي، وضع أوروبا في قلب منافسة عالمية مفتوحة، مع كلفة أعلى ومنافسة أشد مع آسيا على الشحنات الفورية، حيث تتقدم دول مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية على خط الطلب، ما يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

ويضيف أن الضربات على المدينة الصناعية في رأس لفان عززت هذا الاتجاه، إذ ارتفع سهم شركة Cheniere Energy، أكبر مصدر أميركي للغاز الطبيعي المسال، من 248.93 دولاراً في 2 آذار/مارس 2026 إلى 280.89 دولاراً في 20 من الشهر نفسه، في مؤشر إلى توقعات الأسواق باستفادة المنتجين الأميركيين من أي نقص مطوّل في الإمدادات القطرية. وهذا يعكس عودة أوروبا إلى مشهد شبيه بما بعد الحرب الروسية-الأوكرانية من حيث ارتفاع الأسعار والاعتماد على الغاز الأميركي.

العقوبات الروسية والتحدي السياسي
أعادت الأزمة النقاش حول الطاقة الروسية إلى الواجهة. ومع التخفيف الموقت للعقوبات الأميركية للسماح للهند بشراء النفط الروسي، يبرز تحدٍّ سياسي أمام الاتحاد الأوروبي: هل يمكن تمديد الإمدادات الروسية بعد المواعيد النهائية الحالية؟ الجواب معقّد، ويتطلّب توافقاً بين المفوضية والبرلمان والمجلس الأوروبي، وقد يقوّض استراتيجية التنويع.

بحسب باسيل، يبدو هذا الخيار "سياسياً ضعيفاً" في ظل التزام أوروبي بإنهاء الاعتماد على موسكو بحلول 2027، ما يجعل السيناريو الأكثر واقعية هو تعميق الاعتماد على الغاز الأميركي رغم كلفته المرتفعة.

ورغم الضغوط، يتمسك القادة الأوروبيون برفض العودة إلى الغاز الروسي، معتبرين أيّ تراجع خطوة استراتيجية خاطئة، فيما تشير مواقف بعض الدول، مثل بلجيكا وهنغاريا، إلى تصاعد الضغوط الداخلية مع ارتفاع الأسعار.

هل دخلت أوروبا مرحلة "أمن الطاقة مقابل النمو الاقتصادي"؟
تجد أوروبا نفسها أمام معادلة قاسية: إما نقص فعلي في الإمدادات أو تأمين الغاز بكلفة مرتفعة تُترجم صدمة اقتصادية واجتماعية. المؤشرات الحالية توحي بارتفاع التضخم وتراجع النمو وزيادة البطالة إذا استمرت الأزمة، فيما قد يُفرض تأمين الإمدادات كأولوية، ولو على حساب الأداء الاقتصادي.


في هذا السياق،  يحذر بول ماغنيت، رئيس الحزب الاشتراكي البلجيكي، من انزلاق أوروبا خلف "حروب ترامب ونتنياهو"، داعياً القارة الأوروبية إلى التمسك باستقلالها لتجنب فوضى إقليمية شاملة، معتبراً أن أوروبا هي التي تعاني فعلياً من ارتفاع الغاز والنفط، وهي التي في واجهة الانتقام .

في المحصلة، تعكس الأزمة الحالية في أوروبا خللاً بنيوياً أكثر منه ظرفياً، رغم لجوء القارة إلى تسريع استيراد الغاز المسال، ورفع قدرات التخزين، وتنويع الموردين، وترشيد الاستهلاك.