المصدر: نداء الوطن
الكاتب: نبيل يوسف
السبت 16 أيار 2026 07:46:23
على أثر اغتيال القادة الفلسطينيين في فردان، راحت البلاد، ولاسيما العاصمة، تشهد تجاوزات واسعة للمسلحين الفلسطينيين، بدأت قبل الغارة الإسرائيلية، وتوسعت في الأيام التي تلت جنازة القادة الفلسطينيين.
في المقابل، ارتفعت الأصوات اليمينية، خصوصًا من حزبي "الكتائب اللبنانية" و"الوطنيين الأحرار"، مطالبة بوضع حد نهائي للتجاوزات الفلسطينية والمظاهر المسلحة غير المقبولة، ولاسيما في الشوارع والأحياء الآمنة.
خشيت القيادة الفلسطينية من انزلاق الأوضاع تبعًا للسيناريو الأردني، إلا أنها في لبنان، وخلافًا للمملكة الأردنية، أصبحت تشعر بتأييد الكثير من السكان، ولديها قوة عسكرية كبيرة، فلم تشأ لجم مسلحيها عن تجاوزاتهم.
نشطت الاتصالات والاجتماعات من دون جدوى، فرغم الوعود الكثيرة استمرت التجاوزات الفلسطينية، وكان الثلاثاء 24 نيسان، حين فجّر عناصر تابعون للجبهة الشعبية، أحد مستودعات مصفاة الزهراني التابعة لشركة التابلاين، وأنبوب النفط في النبطية، وقبل ظهر الجمعة 27 نيسان قُبض في مطار بيروت على 3 فلسطينيين كانوا يحاولون تهريب متفجرات في حقائب طائرة تتأهب للإقلاع إلى أوروبا.
ظهر السبت 28 نيسان أُلقيت متفجرة على مقر إقامة السفير الأردني، تسببت بأضرار مادية، وفي اليوم التالي اكتشفت قوى الأمن متفجرة في المطار تبين أن فلسطينيين تابعين للجبهة الديمقراطية زرعوها.
الاثنين 30 نيسان أُوقف 5 فلسطينيين ينتمون إلى الجبهة الشعبية – القيادة العامة، كانوا على وشك شن هجوم على السفارة الأميركية، وفي اليوم التالي، أوقف الجيش في محلة المزرعة عنصرين من الجبهة الديمقراطية كانا يحملان متفجرات، وعصرًا خطف مسلحون فلسطينيون من الجبهة الديمقراطية 3 جنود لبنانيين قرب مخيم صبرا، كانوا في طريقهم إلى منازلهم، وأعلنوا أنهم لن يفرجوا عنهم إلا بعد أن تطلق السلطات اللبنانية جميع المعتقلين الفلسطينيين لديها.
تأزم الوضع بشكل غير مسبوق، وأدركت السلطة اللبنانية أنها أصبحت أمام مفترق كبير، فإما أن تكون حقًا صاحبة السلطة الوحيدة على تراب وطنها، أو تتخلى عن سلطتها إلى ثورة منفلشة ومتوسعة.
حاول بعض القادة، القيام باتصالاتهم في محاولة لإطلاق سراح الجنود المختطفين من دون جدوى.
فجر الأربعاء 2 أيار ضرب الجيش طوقًا على مخيمات: صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، ومناطق: الطريق الجديدة والمدينة الرياضية ومار الياس في الاحياء الغربية من بيروت، حيث تنتشر مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية ومقراتها، وأوقف 54 مسلحًا فلسطينيًا كانوا يتجولون بثيابهم العسكرية وأسلحتهم الظاهرة، وفي اليوم التالي اغتالت منظمة الصاعقة، القيادية الفلسطينية ندى خالد اليشرطي التي كانت تقوم بوساطة سرية لحل الأزمة.
الخميس 3 أيار: أطلق الفلسطينيون صواريخهم من مخيم برج البراجنة باتجاه مطار بيروت بهدف إقفاله، فيما خرجت مجموعات من المسلحين الفلسطينيين من مخيماتها، وراحت تتحرش بحواجز الجيش والأهالي.
الجمعة 4 أيار: سقط عدد من الجرحى من الجيش والمدنيين، نتيجة رصاص القنص المنطلق من مخيمات برج البراجنة وصبرا وشاتيلا، وازدادات في اليوم التالي التحرشات الفلسطينية ورصاص القنص، فيما مارس الجيش أقسى درجات ضبط النفس، وعصرًا حاول بعض المسلحين الخروج من مخيم تل الزعتر، فتصدى لهم محازبو الكتائب المستنفرون خشية حصول أي تطورات.
الأحد 6 أيار: كل الوساطات فشلت، فالرئيس فرنجية كان واضحًا وحازمًا أمام مراجعيه: مع أي مسعى للتهدئة، لكن كرامة الوطن وكرامة الجيش فوق كل اعتبار، فلا يمكن الانتظار إلى ما لا نهاية، حتى يتسنى للمنظمات الفلسطينية تدعيم وضعها العسكري.
أعلن الرئيس شمعون والشيخ بيار الجميل دعمهما موقف رئيس الجمهورية، فيما واصلت المنظمات الفلسطينية المراوغة، و طلبت القيادات التي تسعى لحل الأزمة، وقتًا إضافيًا تتبعه بوقت آخر إلى ما لا نهاية، ورصاص القنص المنطلق من المخيمات الفلسطينية لا يتوقف.
صباح الاثنين 7 أيار أعلنت الحكومة حال الطوارئ، وتحرك الجيش واندلع قتال شمل أغلب مناطق بيروت، ولاسيما تلك التي فيها القواعد المسلحة الفلسطينية، وبدأ مغاوير الجيش تقدمهم في اتجاه مقر القيادة الفلسطينية، الذي ما عاد يبعد عنهم أكثر من بضع مئات من الأمتار، وأصبح سقوطه على قاب قوسين، فيما قصفت طائرات حربية لبنانية المرابض المدفعية الفلسطينية، التي كانت تقصف الأحياء السكنية.
وبدأت المفاوضات السياسية التي حطمت كل شيء وأوصلت البلد إلى الكارثة.
فيما الجيش اللبناني على قاب قوسين من إنهاء الحال الشاذة للفلسطينيين في بيروت، والمغاوير على بعد خطوات من مقر القيادة الفلسطينية الذي أصبح بحكم الساقط عسكريًا، والطيران الحربي اللبناني يرعد في سماء بيروت، تدخل كل القادة والمسؤولون العرب، في محاولة لإنقاذ منظمة التحرير الفلسطينية، وشهد قصر بعبدا استنفارًا سياسيًا لم يعرفه من قبل، لكن رئيس الجمهورية كان واضحًا في كلامه: نعم للضيافة والتنسيق، ولكن لن نرضى أن يكون في لبنان جيش احتلال، وأصر على مبدأ السيادة على كل الأراضي اللبنانية.
التفّ حزبا "الكتائب" و"الأحرار" إلى جانب الشرعية بكل قوتيهما، وأعلنا أنهما مع رئيس البلاد حتى النهاية، وبوسعه الاعتماد عليهما، وشكلت جريدة "العمل" مدافعًا شرسا عن الحقوق اللبنانية، مفندة التجاوزات الفلسطينية، وفيما المعارك على أشدها، رابط 18 سفيرًا عربيًا معتمدًا في لبنان في قصر بعبدا، مهددين بقطع العلاقات مع لبنان، إذا لم يوقف الجيش تقدمه، وتدخلت جامعة الدول العربية ووصل إلى بيروت الأمين العام للجامعة العربية محمود رياض، ووزير الخارجية السورية عبد الحليم خدام، ووزير الخارجية الكويتية صباح الأحمد الصباح، والدكتور حسن صبري الخولي الممثل الشخصي للرئيس المصري أنور السادات، والموفد العراقي عبد الخالق السامرائي، وتلقى الرئيس فرنجية رسالة من الزعيم السوفياتي برجنيف، نقلها السفير السوفياتي سرفار عظيموف، وفيها تحذير من أن تدهور الأوضاع سيتيح لإسرائيل الفرصة لاحتلال جنوب لبنان، فما كان من الرئيس فرنجية بعدما قرأ الرسالة، إلا أن خاطب السفير الجالس قبالته قائلًا: "هل ذكّرت القيادة الفلسطينية بهذا الأمر؟ وهل من مصلحتها احتلال جنوب لبنان؟".
كالعادة دخلت سوريا على خط المواجهة مع لبنان، فأقفلت حدودها مانعة عبور الشاحنات اللبنانية إلى دول الخليج العربي، ما ألحق أضرارًا فادحة بالاقتصاد اللبناني، وأقفلت دمشق مجالها الجوي في وجه الطائرات اللبنانية.
في إحدى زياراته إلى قصر بعبدا، حمل الشيخ بيار الجميل معه نص النظام الخاص الذي سنته الحكومة السورية، لإقامة الفلسطينيين في سوريا وتنقلاتهم ، وعلاقتهم مع السلطات المختصة المشرفة على مخيماتهم، وطلب الى الرئيس فرنجية عرض هذا الاتفاق على الوزير خدام لدى الاجتماع معه، وبالفعل وأمام السفراء العرب، خاطب الرئيس فرنجية الوزير السوري، أن لبنان سيطبق مع الفلسطينيين نص هذا النظام المطبق في سوريا، وطلب الى خدام إقناع القيادة الفلسطينية بذلك، ففوجئ الوزير السوري بطرح رئيس الجمهورية، ورد أنه حاليًا ليس مكلفًا سوى بالسعي لتطبيق وقف إطلاق النار، ولاحقًا يتم درس الاتفاق.
ما حصل مع الموفد السوري جرى مع الموفد العراقي عبد الخالق السامرائي، الذي أبلغه رئيس الجمهورية، أن لبنان مستعد لتطبيق القانون نفسه الذي تطبقه الحكومة العراقية في مجال التعامل مع الفلسطينيين، حيث يُمنع بموجب القانون العراقي على الفلسطينيين تنظيم أو المشاركة في أي نشاط سياسي داخل الأراضي العراقية، إلا بإذن خاص من المنظمات التابعة لحزب البعث الحاكم، فاكتفى الموفدالعراقي بالقول إنه بعد ما استمع إلى الموقف اللبناني ،سيتوجه للاستماع إلى وجهة نظر القيادة الفلسطينية، "وعسى خير"، لكنه غادر ورجع وما عاد تكلم بهذا الموضوع.
خلال المفاوضات في القصر الجمهوري، وصل السفير الكويتي محمد العدساني وأبلغ الرئيس فرنجية أن وزير خارجية بلاده أصبح في دمشق وسينتقل إلى بيروت، بهدف السعي لإعادة فتح الحدود السورية والمجال الجوي السوري، وخلال وجوده في قصر بعبدا تلقى السفير الكويتي اتصالًا من سفارته في دمشق، يفيد بأن محادثات الوزير الكويتي أسفرت عن الموافقة على فتح الحدود بعد إعلان وقف إطلاق النار.
وكان وصل تقرير أمني يفيد أن قوات فلسطينية آتية من سوريا، تقوم بهجوم واسع على محور المصنع عنجر في البقاع، ما ينسف كل التطمينات السورية، فعاود السفير الكويتي الاتصال بسفارته طالبًا معرفة حقيقة هذا الهجوم، وأتى الرد بأن القيادة السورية نفت أن يكون لديها علم بأي تحركات عسكرية في البقاع، لأنها أقفلت الحدود.
لاحقًا وصل الوزير الكويتي حاملا تطمينات سورية كثيرة، فور توقف إطلاق النار، وخلال لقاءاته في القصر الجمهوري اجتمع مع الوزير إدمون رزق والنائب جورج سعاده، طالبًا نقل رسالة أخوية إلى الشيخ بيار الجميل، تطلب تدخله لوقف التدهور وتهدئة الأوضاع، فشرح له الوفد الكتائبي حقيقة الوضع واستعداد لبنان لمعاملة الفلسطينيين على أرضه كما تعاملهم الكويت، وباقي الدول العربية، فأبدى الوزير الصباح تفهمه لوجهة النظر اللبنانية واقتناعه بصوابيتها، لكنه أصر على ضرورة وقف إطلاق النار ومساعدة الكتائب لتهدئة الأوضاع.
من القصر الجمهوري انتقل الوزير الكويتي إلى مقر ياسر عرفات والتقاه بحضور محمود رياض وبعض القيادات اليسارية، ومن ثم عاد إلى قصر بعبدا وغادر فجأة بعدما تلقى نبأ وفاة والدته، واعدًا بالعودة السريعة إذا لم يف الرئيس السوري بوعده بفتح الحدود والمجال الجوي السوري فور إعلان وقف إطلاق النار.
وكتبت مجلة الحوادث، أن السفراء العرب وفي إطار الضغوط التي مارسوها على الرئيس فرنجية، استعملوا الضغط الديني، فطلبوا إلى رئيس الجمهورية السماح لهم بأداء صلاة العصر، فأبدى كل ترحيب، وأكملوا أنه لا يمكنهم الصلاة والقتال دائر، فيجب وقف القتال ليتمكنوا من الصلاة.
أخيرًا رضخ رئيس الجمهورية للضغوط وأوقف العمليات العسكرية، وبعد سلسلة اتصالات ومفاوضات واجتماعات على مدى أيام 15 و16 و17 أيار في فندق ملكارت في بيروت، تم التوقيع على ما عرف باتفاق ملكارت بين الجيش اللبناني والمنظمات الفلسطينية، لتوضيح اتفاقية القاهرة.
هكذا استطاعت "الفصائل الفلسطينية" أن تنجو مما سمته أيلول آخر في لبنان، فيما بدأ هذا الوطن دربه نحو المجهول، وبعد ساعات قليلة على توقيع اتفاق ملكارت سيّرت دوريات عسكرية لبنانية - فلسطينية مشتركة لإعادة فرض الأمن والاستقرار.
أواخر شهر أيار 1973 التقى الرئيس فرنجية مع الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل، وكان واضحًا معهما: لا جيش بعد اليوم نعتمد عليه وعلينا الاعتماد على أنفسنا، ويومها اتخذ القرار بفتح مخيمات التدريب أمام الشباب اللبناني، واعتبارًا من مطلع شهر تموز 1973 بدأت أفواج الشباب تلتحق بمخيمات التدريب العسكرية التي أقيمت في الجبال اللبنانية.