المصدر: النهار
الكاتب: ابراهيم بيرم
الجمعة 3 تموز 2026 17:40:18
إذا كان ثمة من يقدّر أن زيارة وزيرة الخارجية السوري أسعد الشيباني لبيروت قد نجحت في إرضاء كل المكونات اللبنانية من دون استثناء، من خلال جولته المنظمة بدقة على الفاعليات والمرجعيات والقوى، بخطاب انفتاحي اطمئناني أطلقه، فإن التركيز كان أكثر ما يكون على انعكاسات هذه الزيارة على ساحة الثنائي الشيعي، واستطراداً على احتمالات العلاقة المستقبلية بين النظام السوري الحالي والمكون الشيعي بشقيه.
الواقع أنه لم يكن وارداً في جدول مواعيد الزيارة الأولى للشيباني لبيروت قبل أشهر، أيّ لقاء مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولم يكن ذلك عنصر مفاجأة، انطلاقاً من مخزون القطيعة والعداء بين المسؤولين الجدد في العاصمة السورية والمكون الشيعي الذي كان الحليف الأوثق والتاريخي للنظام السابق في تلك العاصمة.
لكن المفاجأة تحققت وارتقت إلى مرتبة الحدث مع دخول الشيباني مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، واجتماعه بسيد الصرح، ثم خروجه منه بمفاجأتين:
الأولى الإفصاح عن استعداد بلاده للحوار مع "حزب الله"، ولو رهنه بشرط "أن يكون ذلك لمصلحة البلدين".
الثانية هذا المديح الذي كاله الرئيس بري لضيفه "العارف والعميق والهادئ"، ومن ثم تأكيده أهمية إعادة ترتيب العلاقة مع سوريا التي لا يمكن الاستغناء عنها انطلاقا من اعتبارات التاريخ والجغرافيا والمصلحة.
وإذا كان البعض يرى أنه ليس ما يمنع بري من إبداء هذه الحفاوة بزيارة الشيباني، لكونه كان قطع علاقته تقريباً بنظام الأسد منذ أعوام قبل سقوطه عام 2024، ولكونه لم يكن شريكاً في توفير الدعم العسكري لهذا النظام وهو يواجه المعارضين له، فإن العلامة الفارقة تمثلت في إعلان الشيباني استعداد بلاده للانفتاح على الحزب ومحاورته إن اقتضت المصلحة، ما يعني أن دمشق مستعدة لطيّ صفحة الماضي مع الحزب.
جرعة طمأنة للحزب
ليس خافياً أن كلام الشيباني يأتي استتباعا لكلام أطلقه رئيسه أحمد الشرع قبل أيام عندما قال في إطلالة متلفزة إنه مستعد لمحاورة الحزب. حينها كان لموقفه هذا معنى لافت، إذ أتى بمثابة رفض غير مباشر لدعوة وجهها إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدخول لبنان والمساعدة في إنهاء "حزب الله" عسكرياً.
وهكذا، فإن كلام الشيباني في بيروت وقبله كلام الشرع كانا عند الحزب بمثابة جرعة طمأنة له أن رهانات البعض على دور سوري لضربه في الداخل اللبناني هو رهان على سراب، خصوصاً أن الحزب كان أعلن حصوله على طمأنة من النظام التركي إلى أن سوريا ليست في وارد السير بهذا الخيار الذي بات يلوّح به كثر كمدخل لقلب المعادلات على الساحة اللبنانية وفي الإقليم عموماً.
وإذا كان بري قد كشف بحفاوة عن بعض مضامين الرسائل السياسية التي حملها الضيف السوري في زيارته عين التينة، فإن الحزب تعمد التزام الصمت حيال هذه الزيارة، فلا هو بادر إلى استنكارها وإطلاق هواجسه تجاهها، ولا سعى إلى تمجيدها.
وتكشف مصادر على صلة بالحزب أن هذا الأداء الملتبس والغامض لا يعني إطلاقاً أن ثمة تخوفاً ضمنياً عنده منها ومن نتائجها، لكنه يأتي في سياق خطة انتهجها للتعامل مع النظام السوري الحالي، وكان مبتداها الحرص على عدم الخوض في أي سجال مع هذا الحكم. وعلى رغم أن أجهزة الحكم إياه كانت تكيل الاتهامات الخطيرة للحزب بتشكيل خلايا تخريب وسكك تهريب أسلحة وأموال عبر الساحة السورية، فإن الحزب كان يكتفي بالنفي.
ولقد ذكر أن الحزب كان يستبطن رغبة في إعادة مدّ جسور علاقة مع النظام الجديد لمعرفته بالقيمة الإستراتيجية للساحة السورية له حاضراً ومستقبلاً. وعليه، لم يكن الحزب ينفي أو يؤكد معلومات كانت توردها وسائط إعلام عن لقاءات عقدت بين ممثلين له وآخرين على صلة بالحكم في دمشق، وفي المقابل كان يتعمد الكشف عن عمق علاقته بسلطات تركيا التي تشكل المرجعية لهذا النظام.
ولئن تعمد الحزب عدم التعقيب على كلام الشيباني عن استعداده لفتح حوار مشروط معه، وقبله كلام مماثل للشرع، إلا أنه يكشف عن ارتياح ضمني لهذا التطور بناء على الوقائع الآتية:
- أن ثمة عواصم وقوى ما زالت تقيم وزناً واعتباراً للحزب، وهو ما يناقض استنتاجات البعض أنه صار مهمشاً ومنبوذاً.
- أنه ما زال في صلب معادلات المنطقة الحاضرة والمستقبلية.
- ما يهمه في الأمر هو أن أنقرة ودمشق بدأتا تهتمان بحجز مكان لهما معاً، أو لكل منهماً على الساحة اللبنانية، مما يعني رفضهما مزاعم البعض أن هذه الساحة صارت مسرحاً حصرياً لعاصمة بعينها.