الجمعة 23 أيلول 2022

01:24

إحاطة أميركية - سعودية - فرنسية بلبنان وتحذيرٌ ناعم من الإطاحة بالطائف من البوابة الرئاسية

المصدر: الراي الكويتية

بـ «حِبْرٍ غير سِرّي» صاغ وزراء خارجية الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا بيانَهم الذي حدّد مواصفات الاستحقاق الرئاسي في لبنان والمسرحَ السياسي الذي يجْري عليه و«جدول أعمال» مرحلةِ ما بعد الانتخاب «بموعده الدستوري»، راسماً «خطاً أحمر» أمام كل السيناريوات من «خارج نص اتفاق الطائف» التي يجري التلويح بها بحال دخلت «بلاد الأرز» مرحلة شغورٍ مرجَّحة ابتداءً من 1 نوفمبر من دون أن يكون تمّ تشكيل حكومة مكتملة المواصفات.

هذه الخلاصة حضرتْ أمس في بيروت التي كانت عيناً على نيويورك وعودةِ الواقع اللبناني بقوةٍ إلى صدارة الاهتمام العربي - الدولي، وعيْناً أخرى على الوقائع الداخلية التي تزداد خطورةً في ظلّ مؤشراتِ انفلاتِ آخِر مَكابح الانهيار المالي الذي يُخشى أن تعمّقه «المطاحنةُ الرئاسية» المتوقّعة فوق فوهة الشغور الآتي، ناهيك عن مَظاهر «سوريالية» مضت معها مصارف لبنان في إضرابٍ مفتوح تحت مسمى «أمن البنوك وموظّفيها أولاً» ما يُنْذر بإرباكات كبرى تتصل بالرواتب الموطّنة وتالياً بوضع هذا القطاع في مرمى غضبة شعبية عارمة.
ورغم وهج الاختناقات المعيشية التي يُفاقِمُها بطءٌ فضائحي من السلطات المعنية في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة لتوقيع الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي الذي بدا في بيانه بعد انتهاء زيارةِ وفد منه لبيروت وكأنه «يوبّخ» الحكومة والبرلمان على أدائهما بإزاء الإجراءات المسبقة التي لحظها الاتفاق الأولي وبقيت غالبيتها حبراً على ورق، فإنّ اللقاء الأميركي - السعودي - الفرنسي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك سرق الأضواء في لبنان باعتبار أنه رَسَمَ الإطار الذي يُقارب من خلال الخارج الوضعَ اللبناني انطلاقاً من الاستحقاق الرئاسي «والأزمة السياسية - الاقتصادية» التي يعانيها، معبِّراً بوضوح عمّا ينتظره المجتمعان العربي والدولي من لبنان لمساعدة نفسه أولاً على بدء حلّ «الأزمة فيه» قبل أن تكون مع الآخَرين وذلك كي يتمكّن أصدقاؤه من مدّ اليد له.

وبدا واضحاً من صياغة البيان الثلاثي ومضمونه الشامل أن واشنطن والرياض وباريس وجّهت رسالةً غير مشفّرة برسْم أي محاولة لجعْل الانتخابات الرئاسية مدخلاً للانقضاض على دستور الطائف، سواء عبر الشغور المتعمّد أو بخياراتٍ على طريقة «قلْب الطاولة» يغمز من قناتها فريقُ رئيس الجمهورية ميشال عون تحت عنوان رفْض تسليم صلاحياته لحكومة تصريف أعمال.

واعتُبر تأكيد البيان على ضرورة «الالتزام باتفاق الطائف المؤتمَن على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي في لبنان»، وضرورة «قيام الحكومة اللبنانية بتطبيق القرارات الدولية 1559 و1680 و1701 و2650 والقرارات الدولية ذات الصلة بما في ذلك تلك الصادرة عن الجامعة العربية» ليس فقط بمثابة إحياء لـ «الناظم» الدولي للواقع اللبناني ومسألة سلاح «حزب الله»، بل أيضاً إنذاراً ناعماً حيال أيّ استسهالٍ لدفْع بلاد الأرز انطلاقاً من الانتخابات الرئاسية نحو حفرة أعمق سواء برئيسٍ يُشكّل «تمديداً ضمنياً» لعهد عون أو بإجراءاتٍ التفافية على الدستور تحكم مرحلة الشغور وجرى رميها في التداول مثل بقاء الرئيس في القصر أو صدور مرسوم قبول استقالة حكومة ميقاتي أو تشكيل حكومة أمر واقع انتقالية، بما يفتح الباب أمام فوضى سياسية - دستورية ما لم يكن تم استيلاد حكومة جديدة قبل 31 اكتوبر.

وثمة مَن ذهب الى اعتبار أن استحضارَ القرار 1559 الذي كان صدر في 2 سبتمبر 2004 أي عشية التمديد للرئيس إميل لحود والذي دعا «لانتخابات رئاسية تجري وفق قواعد الدستور اللبناني الموضوعة من غير تدخل أو نفوذ أجنبي» وطالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان و«حلّ جميع الميليشيات اللبنانية ونزْع سلاحها»، يحمل إشارةً لا لبس فيها إلى أن أي مسار يُشتمّ منه انقلاباً بأي طريقة على الطائف عبر الانتخابات الرئاسية ومآلاتها أو من خلال «فراغ فوضوي» لن يمرّ خارجياً وستكون له تبعات ديبلوماسية وسياسية تطبع مرحلةً كاملة لم يعد يملك لبنان معها «دقيقة» لإضاعتها هو الذي يقترب من... الارتطام المميت.

ولم يكن عابِراً أن البيان الأميركي - السعودي - الفرنسي الذي شدّد على «أهمية إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدّد وفق الدستور اللبناني»، حدّد «بروفايل» الرئيس «المقبول» خارجياً على قاعدة «انتخاب رئيس يمكنه توحيد الشعب اللبناني ويعمل مع الجهات الفاعلة الاقليمية والدولية لتَجاوُز الأزمة الحالية»، وهو ما بدا صياغةً تجْمع بين معياريْ «اللبننة» عبر رئيس يحظى بتوافق داخلي و«التدويل» من خلال قدرته على مُخاطَبة المجتمعيْن العربي والدولي أي ألا يكون محسوباً على «محور الممانعة».

وإذ دعا البيان لتشكيل حكومة «قادرة على تطبيق الاصلاحات الهيكلية والاقتصادية اللازمة لمعالجة الأزمة السياسية والاقتصادية في لبنان وتحديداً الإصلاحات الضرورية للوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي»، كان بارزاً الربط الضمني بين «الاستعداد للعمل المشترك مع لبنان لتنفيذ هذه الإصلاحات الأساسية التي تُعتبر حاسمة لمستقبل الاستقرار والازدهار والأمن في لبنان»، وبين القرارات الدولية ذات الصلة بالوضع اللبناني ودور القوى المسلّحة والأمنية «المسؤولين عن حفظ سيادة لبنان واستقراره»، الأمر الذي اعتُبر امتداداً للموقف الثابت بأن الأزمة في لبنان مزدوجة مالية وسياسية تتصل بوضعية «حزب الله» واقتياد البلاد إلى المحور الإيراني وأن حلّها يكون بالتوازي على هذين المساريْن كمدخل لتجديد بوليصة التأمين الدولية وقطْع الطريق على تحويل الانتخابات الرئاسية «جاذبة صواعق».