المصدر: النهار
الكاتب: غسان حجار
الجمعة 9 كانون الثاني 2026 14:44:29
يخطئ المسيحيون كثيراً، وتحديداً الموارنة، في صراعهم على رئاسة الجمهورية وتحويل الصراع قاتلاً، إذ إنهم عندما يتباعدون ويتقاتلون يسهل اختراقهم، والإتيان أحياناً برئيس لا يعبّر عن مزاجهم العام، لترتفع بعدها الشكوى والمطالبة برفع الظلم عنهم ورفض استضعافهم. والحال أن اتفاقهم مكّنهم مراراً من فرض رئيس يرضى به الآخرون على مضض، وإن كان اتفاقهم أيضاً ليس بالضرورة صائباً أو يصب في المصلحة الوطنية أولاً، والمسيحية ثانياً.
ويخطئ المسيحيون أيضاً عندما لا يلتفون حول الموقع المسيحي الأول، ليس في لبنان فحسب، إنما في المنطقة العربية كلها، بعدما حفظت التركيبة "الميثاقية" رئاسة الجمهورية للموارنة، إضافة إلى مواقع أخرى متقدمة في الدولة، فيما يصعب إيصال وزير أو نائب في عدد من الدول المحيطة حيث الوجود المسيحي أكبر عدداً.
والسؤال الشائك: هل المسيحيون، الموارنة، أضعفوا الرئاسة بأنفسهم، ولا يزالون على المنوال نفسه، تتقدم صراعاتهم المسائل والمصالح والطموحات الشخصية؟
ليس من السهل على المسيحيين طرح هذا السؤال بصراحة والإجابة عنه، لأن رئاسة الجمهورية ليست مجرد موقع سياسي إداري، يحضر الرئيس فيترأس، بل تختصر تاريخاً ودوراً وهواجس وجودية. ومع ذلك، فإن أي نقاش جدي في أزمة الرئاسة لا يمكن أن يكتفي بتحميل الآخرين المسؤولية من دون مراجعة الذات.
ساهم المسيحيون في إضعاف موقع رئاسة الجمهورية، والوضع المسيحي عموماً، نتيجة مسار طويل من الانقسامات وسوء إدارة الدور السياسي. فالانقسام المسيحي العمودي، الذي تحوّل في كثير من الأحيان إلى صراع زعامات لا تنافس مشاريع وأفكار ورؤى، أفقد الرئاسة غطاءها الطبيعي بوصفها مرجعية جامعة. وعندما يختلف المسيحيون على الرئيس قبل أن يختلف عليه الآخرون، يصبح الموقع مكشوفاً وسهل التعطيل. والأمثلة والشواهد كثيرة، ومنها التباعد القائم حالياً بين معظم المكونات المسيحية، بل انقطاع التواصل، وصولاً إلى بث الأحقاد، وإطلاق حروب إلكترونية (وقد سبقت ذلك حروب إلغاء عسكرية وسياسية) وعدم احتضان الرئيس جوزف عون من المكونين الأكبرين على الساحة المسيحية، "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر"، وقبل ذلك عزل الرئيس ميشال عون الذي انقلب على تفاهماته السابقة في ظل تبدل في الأوضاع والظروف المحيطة بمرحلة انتخابه، وترك الرئيس ميشال سليمان فريسة الآخرين. ولعلّ هذا التفكك دفع رؤساء ووزراء ونواباً إلى الارتماء في "كنف الآخرين" وفق تعبير نائب رئيس مجلس النواب سابقاً إيلي الفرزلي، الذي بات يدرك أن مقعده النيابي "المفترض" بات رهن "كنف الآخرين".
في المقابل، سيكون من الظلم اختزال الأزمة بعبارة "المسيحيون أضعفوا رئاستهم"، إذ ثمة عوامل متداخلة، داخلية وخارجية، كما اتفاق الطائف الذي جرى تطبيقه انتقائياً، فسحب من الرئاسة صلاحياتها من دون أن يستكمل بناء الدولة بتوازنات ومؤسسات فاعلة، ساهمت كلها في إضعاف موقع الرئاسة، وموقع لبنان عموماً.
لكن انفضاض المسيحيين عن إحاطة رئاسة الجمهورية بكل الدعم، وليس الدعم المطلق الأعمى، يحول الرئيس، أياً يكن اسمه، إلى تفصيل في لعبة التعطيل.
مراجعة المسيحيين لدورهم غير كافية في معزل عن المكونات الشريكة في الوطن، لكنها أيضاً ضرورية لتحصين البيت الداخلي وترميمه، انطلاقاً إلى مراجعة وطنية شاملة تعيد الاعتبار إلى الرئاسة، لا كامتياز طائفي، بل كحجر زاوية في دولة لا يمكن أن تقوم بلا رأس، ولا بشراكة منقوصة.
ختاماً، أذكر أنه اتصل بي ذات يوم مستشار للرئيس ميشال عون يسألني هل لديّ مانع في لقاء الرئيس يوم الإثنين الذي يلي؟ فأجبته: "لماذا تصغّرون موقع الرئاسة إلى هذا الحد؟ لا يُسأل مواطن لبناني، رغم التباعد في بعض التوجهات، عن موانع للقاء، بل يُطلب، وربما يُستدعى، للقاء رئيس بلاده بكل الاحترام. وهذا ما سأقوم به الإثنين المقبل".