المصدر: المدن
الكاتب: ندى اندراوس
الاثنين 2 آذار 2026 00:46:50
السبت، حصل اتصال مباشر بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، في ذروة تصاعد غير مسبوق للتوتر الإقليمي الراهن، ولاسيما عقب إغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. واليوم، شارك رئيس الحكومة نواف سلام في اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، الذي خُصّص لتقييم التطورات ووضع تصور متكامل لتحصين الداخل اللبناني.
مصادر مطلعة على أجواء الاجتماع وعلى التوجهات الرئاسية قالت لـ "المدن" إن العنوان الحاكم للمشهد واضح: منع الانزلاق، ضبط الإيقاع، وتثبيت تحييد لبنان قدر الإمكان عن نار المواجهة المفتوحة في المنطقة.
وفق المعلومات، هناك قرار سياسي على أعلى المستويات لإدارة المرحلة بمنطق «الاحتواء الاستباقي»؛ أي التحرك قبل أن تتحول أي شرارة إلى واقع ميداني يصعب ضبطه.
اتصالات على مسارين
وتسير الاتصالات الجارية في هذا الإطار على خطين متوازيين:
- الأول، هو الخط الداخلي، الذي يرتكز على التنسيق بين بعبدا وعين التينة، فيما يتولى الرئيس بري قناة التواصل الأساسية مع حزب الله، بحكم موقعه الوسطي ودوره التقليدي كصلة وصل بين الدولة والحزب، وبين الداخل والخارج. ويتمّ التواصل إما عبره مباشرة، أو بصورة غير مباشرة من خلال مستشار رئيس الجمهورية أندريه رحال، المدير اعام للأمن العام اللواء حسن شقير.
والمعطيات المتوافرة حتى اللحظة تشير إلى تراجع منسوب القلق الذي إرتفع فور إغتيال خامنئي، مع وجود تطمينات بأن الحزب لن يتدخل في الحرب الدائرة، وأن لا نية لفتح الجبهة اللبنانية إسناداً لإيران. بل أن الأوساط المطلعة على ما يدور من إتصالات ربطت بين إرجاء نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم كلمته أمس، وصدور بيانه اليوم حول إغتيال خامنئي بنبرة محسوبة.
ووفق ما كشفت مصادر مطلعة على خطوط التواصل لـِ "المدن"، فإنه كان للحزب خطّان أحمران واضحان: أي إستهداف مباشر للمرشد الإيراني، وأي سيناريو يؤدي إلى سقوط النظام في طهران. إلا أن «القطوع الأول» مرّ من دون إشارة إلى تحرك عسكري بعد إغتيال خامنئي، ما عزز الانطباع بأن قرار عدم فتح الجبهة ما زال قائماً، ما لم تتبدل المعادلات جذرياً داخل إيران.
ما يرفع منسوب التطمينات بتحييد لبنان عن أي إسناد، بحسب المصادر، هو أن الرئيس بري أبلغ فعلاً عدداً من السفراء أن الحزب لن يدخل الحرب، وأن لبنان محيّد عن ساحة الصراع. لكن هذا التحييد يبقى رهن حسابات الحزب في أي مرحلة من مراحل هذه الحرب.
في كل الاحوال، يبقى الرئيس بري الضامن الوحيد لتثبيت الاستقرار والتأثير على حزب الله وصلة الوصل الأساسية لاستطلاع نواياه من أي جهة داخلية أو خارجية، ضمن تنسيق مستمر لتثبيت موقف لبناني موحد، إدراكاً لأن أي تباين علني قد يُفسَّر خارجياً كإشارة ضعف.
- الثاني: هو الخط الخارجي، حيث أجرى رئيس الجمهورية سلسلة إتصالات شملت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومسؤولين في الولايات المتحدة، إلى جانب عدد من رؤساء الدول العربية التي تعرضت للقصف الايراني. والهدف الأساس هو تأكيد العمل على عدم تحريك الجبهة اللبنانية، وتجنيب لبنان أي مغامرة جديدة أو تورط في الحرب.
وخلال إجتماع المجلس الأعلى للدفاع، كشفت مصادر المجتمعين لـ "المدن" أن الرئيس عون أطلع المجتمعين على حصيلة هذه الاتصالات، واضعاً إياهم في أجواء الرسائل الأميركية التي وصلت إلى بيروت في الساعات الماضية. فحواها أن عدم حصول أعمال عدائية من الجانب اللبناني سيقابله إمتناع إسرائيلي عن الاعتداء، مع التشديد على ضرورة التزام لبنان بذلك، لأن أي هجوم من جانب حزب الله قد يفتح الباب أمام رد إسرائيلي قاسٍ، لن تتدخل واشنطن لردعه.
جهوزية بنسبة 90%
إجتماع المجلس الأعلى للدفاع تناول ثلاثة محاور متلازمة: الجهوزية العسكرية، التحصين الأمني، والاستقرار الداخلي.
على المستوى الميداني، أعطيت توجيهات برفع الجهوزية العسكرية إلى حدود 90 في المئة في الجيش وسائر الأجهزة الأمنية، مع تشديد الإجراءات في المناطق الحساسة، ولا سيما في الجنوب وبعض النقاط التي قد تشكل تهديداً أو خللاً أمنياً. كما جرى التركيز على الحدود مع سوريا. وعلم أنه تم التواصل مع الجانب السوري للتنسيق وضبط أي ردات فعل قد تنتقل عبر الحدود وتدفع الوضع إلى مسارات غير محسوبة.
وفي الإطار نفسه، جرى نقاش جدي حول إحتمال تحرك مجموعات من بعض المخيمات الفلسطينية أو جهات غير مرتبطة تنظيمياً بحزب الله لتنفيذ عمليات محدودة باتجاه الأراضي المحتلة، ما قد يمنح إسرائيل ذريعة لشن حرب واسعة. كذلك برز قلق من احتمال إستخدام إسرائيل شبكات عملاء لتحريك مجموعات صغيرة أو تنفيذ عمليات تُنسب إلى جهات أخرى لخلط الأوراق وإطلاق عنان الآلة العسكرية الاسرائيلية ضد لبنان.
بناء عليه، صدرت تعليمات واضحة إلى الأجهزة الأمنية والمخابراتية لرفع مستوى الاستنفار والرصد، خصوصاً في محيط المخيمات، وبعض المواقع والمناطق الحساسة، ومتابعة أي تحركات غير إعتيادية، مع تعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة لمنع أي ثغرة.
التحصين الاقتصادي وضبط الشارع
اقتصادياً واجتماعياً، حاز موضوع التفلت في الأسعار حيّزاً مهماً من النقاش، في ظل المخاوف من إستغلال أي توتر أمني لزيادة الضغط الاجتماعي. وتم التشديد على تفعيل أجهزة الرقابة التموينية، لأن الانفلات الاقتصادي قد يتحول إلى عامل إضافي لزعزعة الاستقرار.
كما طُلب من المحافظين إعداد خطط تفصيلية لإدارة الأزمات على مستوى الأقضية، تشمل مراكز إيواء وإحصاء دقيقاً للقدرات المتاحة، إلى جانب ضمان إستمرارية عمل المستشفيات والمرافق الحيوية وتأمين خطوط إمداد بديلة.
أما على مستوى الشارع، فقد أعطيت توجيهات واضحة لضبط أي إحتكاك أو إستفزاز، مع تركيز خاص على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لمحاولة الحد من الخطاب التحريضي أو الطائفي الذي تصاعد بعد إغتيال خامنئي.
ملف الخطاب الداخلي يعني رئيس الجمهورية مباشرة. ووفق معلومات "المدن"، فقد شدد الرئيس عون على تفعيل دور الأجهزة القضائية والأمنية لضبط أي تحريض على الفتنة، مع إعتبار إثارة النعرات الطائفية خطاً أحمر لا يمكن التساهل معه. فبعبدا ترى أن أي انفلات في هذا المجال قد يفتح الباب أمام مواجهات داخلية، في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة.
أكثر من ذلك، إن التواصل بين عون وبري تضمّن تأكيداً مشتركاً على إستمرار التنسيق بين رئاسة الجمهورية والرئاستين الثانية والثالثة، لضمان وحدة الموقف الرسمي. ففي حسابات المرحلة، لا يحتمل لبنان ترف الانقسام، خصوصاً مع إدراك أن البلاد تقف على حافة معادلة دقيقة: التزام حزب الله حتى الآن بعدم فتح الجبهة، مقابل استعداد الدولة لاحتواء أي محاولة لجر البلاد إلى الحرب، سواء عبر عمل عسكري محدود أو عبر خطاب تحريضي يزرع الانقسام.
في النهاية، تبدو الاستراتيجية اللبنانية ثلاثية الأبعاد:
سياسياً، تثبيت قرار التحييد وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة داخلياً وخارجياً.
أمنياً، تشديد القبضة ورفع الجهوزية لمنع أي عمل منفلت أو مندس.
إقتصادياً وإجتماعياً، تحصين الداخل من تداعيات قد تفاقم هشاشته.
لبنان ليس خارج العاصفة الإقليمية، لكنه يسعى إلى البقاء على هامشها لا في قلبها. وبين الاتصالات السياسية والاستنفار الأمني وضبط الخطاب، ثمة محاولة جدية لتفادي السيناريو الأسوأ. غير أن كل هذه الحسابات تبقى رهناً بتطورات قد تعيد رسم الخطوط الحمر في لحظة واحدة.