المصدر: Kataeb.org
الجمعة 3 تموز 2026 10:19:58
كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن تحوّل لافت في التفكير العسكري الإسرائيلي بعد حرب 7 تشرين الأول 2023، يقوم على فكرة أنّ السيطرة على الأرض لا تتحقق بالسياج والمواقع العسكرية وحدها، بل بوجود يومي دائم، مدني وزراعي، يجعل الأرض جزءًا من منظومة مراقبة وإنذار واحتكاك مستمر.
وبحسب التقرير، استخلص الجيش الإسرائيلي من تجارب الجبهات المفتوحة، ولا سيما لبنان وغزة وسوريا، أنّ الاكتفاء بالجدران والأسوار لم يعد كافيًا لمنع التسلل أو جمع المعلومات أو اختبار نقاط الضعف. ومن هنا، قرر قبل نحو 6 أشهر اعتماد أسلوب غير تقليدي في الجولان، عبر إدخال قطعان ماشية إسرائيلية إلى مناطق خلف السياج الحدودي على الجانب السوري، بهدف فرض حضور دائم على الأرض.
وتشير الصحيفة إلى أنّ العملية نُفذت بسرية على المنحدرات الغربية لنهر الرقاد، أحد روافد نهر اليرموك، في منطقة تقع خلف السياج الحدودي للجولان الذي تسيطر عليه إسرائيل. وقاد العقيد بيني كاتا، القائد المنتهية ولايته للواء الجولان، عملية حشد قطيع تابع ليوئيل زيلبرمان، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة "هاشومير هحداش"، والمقيم في مستوطنة "ناطور" في الجولان.
ووفق "يديعوت أحرونوت"، تمكن زيلبرمان من إدخال قطيع من الأبقار إلى مساحة تُقدّر بنحو 10 آلاف دونم خلف السياج الحدودي، على الجانب السوري، مقابل مستوطنات إلياد وأفني إيتان ونوب وحسبين، في مهمة وصفتها الصحيفة بأنها مختلفة عن أي عملية تكتيكية مألوفة.
وبهذه الخطوة، أسس زيلبرمان، وهو مقدم في قوات الاحتياط، واقعًا أمنيًا جديدًا يقوم على وجود مدني زراعي إسرائيلي دائم، تعتبره إسرائيل عامل ردع ووسيلة لإبعاد من تصفهم بـ"العناصر الأجنبية" عن المنطقة. وبحسب التقرير، يعكس المشروع تغييرًا جذريًا في مفهوم الدفاع لدى الجيش الإسرائيلي بعد 7 تشرين الأول، وظل سريًا إلى أن كشف عنه موقع "ينيت" وصحيفة "يديعوت أحرونوت".
وتقول الصحيفة إنّ الحاجة إلى هذا الأسلوب جاءت بعد ما وصفته بـ"استفزازات" متكررة من الجانب السوري، من خلال قطعان ماشية كان رعاتها يتحركون في المنطقة بحرية، ما اعتبرته إسرائيل تحديًا أمنيًا قد يتيح عمليات تسلل أو تهريب أسلحة أو جمع معلومات عن تحركات الجيش الإسرائيلي.
وتعود بداية الخطة إلى كانون الثاني الماضي، عندما وافق قائد الفرقة 210 العميد يائير بلاي، والقائد السابق للواء 474 العقيد بيني كاتا، على خطة تقوم على السيطرة على منطقة رعي بواسطة قطيع ماشية، ليشكّل وجوده قوة احتجاز وأمن وإنذار مبكر.
وبحسب التقرير، جُهزت المعدات والبنية التحتية بإشراف زيلبرمان، الذي أُبلغ بأن مهمته تنطوي على مخاطر عالية، وأن الجيش الإسرائيلي لا يضمن سلامته أو سلامة قطيعه. ورغم ذلك، واصل المهمة وأدخل الماشية برفقة مزارعين مدنيين، ما دفع الرعاة السوريين إلى مغادرة المكان خشية على مواشيهم.
ومن وجهة نظر الجيش الإسرائيلي، لم تعد تلك الأرض "محايدة"، بل تحولت إلى مساحة تكرّس حضورًا إسرائيليًا يوميًا عبر زيلبرمان وقطيعه. وترى إسرائيل أنّ هذا الوجود يحقق مصلحة أمنية مباشرة، لأنه يحوّل المنطقة إلى مساحة مراقبة دائمة، بدل أن تبقى فراغًا يمكن للرعاة أو المجموعات المسلحة استخدامه كغطاء للحركة.
وتعتبر "استمرارية" القطيع وبقاءه في المكان إحدى أبرز مزايا المشروع، بخلاف الوحدات العسكرية التي تتحرك وتتبدل باستمرار. فالحيوان، وفق هذا التصور، يصبح جزءًا من منظومة دفاع ثابتة، يفرض إيقاعًا يوميًا على الأرض، ويكشف أي حركة غريبة في محيطه.
وحمل المشروع الأسبوع الماضي اسم "علوت هاشاحار"، في إشارة إلى النقيب شاحار جاملا، قائد سرية في وحدة "إيغوز"، الذي قُتل قبل نحو 3 أسابيع في لبنان، في دلالة تربط بين الجبهة اللبنانية والتفكير الإسرائيلي الجديد في الجولان، حيث تحاول إسرائيل تحويل الدروس العسكرية من ساحات المواجهة إلى نماذج ميدانية ثابتة على الحدود.
وينقل التقرير عن زيلبرمان قوله إنّ 7 تشرين الأول "حطّم الكثير من المفاهيم"، وإنّ الدرس الأهم والأكثر إيلامًا هو أنّ فكرة الجلوس خلف الأسوار خاطئة. وبرأيه، فإنّ إدخال القطيع إلى الجانب السوري من الجولان غيّر قواعد التعامل مع المنطقة، إذ بات أي شخص يدخلها يُعامل كتهديد مباشر، بعدما كان بإمكان الرعاة السوريين الاقتراب بحجة البحث عن ماشيتهم.
ويذهب زيلبرمان أبعد من ذلك، إذ يعتبر أنّ استخدام القطعان كان يمنح حزب الله وحماس وسواهما قدرة على مراقبة الدوريات العسكرية، ومواعيد تحركها، ونوعية معداتها، تحت غطاء الرعي والحركة المدنية، مشيرًا إلى أنّ هذه المرحلة انتهت في تلك المنطقة، ولم يعد الوصول إليها ممكنًا كما كان سابقًا.
وتكشف هذه التجربة عن جانب جديد من التفكير الأمني الإسرائيلي بعد الحرب، حيث لم تعد السيطرة تُفهم فقط بوصفها انتشارًا عسكريًا أو إقامة مواقع مراقبة، بل كعملية يومية مركّبة تشمل المدني والزراعي والعسكري في آن واحد. وفي خلفية ذلك، تبدو إسرائيل كأنها تحاول بناء مناطق عازلة غير معلنة، تتجاوز الشكل التقليدي للحواجز، وتستند إلى وجود دائم يفرض وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقًا.
وتكمن خطورة هذا النموذج في أنه يحوّل الرعي والزراعة إلى أدوات أمنية وسياسية، ويجعل السيطرة على الأرض مسألة تدريجية تبدأ بحركة قطيع، ثم تتحول إلى حضور مدني دائم، ثم إلى أمر واقع عسكري. ومن هنا، لا يبدو ما يجري في الجولان منفصلًا عن المشهد الأوسع في لبنان وسوريا وغزة، حيث تسعى إسرائيل، بعد 7 تشرين الأول، إلى إعادة تعريف مفهوم الحدود، ليس كخط فاصل فقط، بل كمساحة نفوذ ومراقبة وسيطرة يومية.