المصدر: نداء الوطن

The official website of the Kataeb Party leader
السبت 24 كانون الثاني 2026 08:16:19
لم يكن استهداف المعابر غير الشرعية في منطقة الهرمل حدثًا أمنيًا عابرًا، بل مؤشرًا على تحوّل نوعي في طريقة مقاربة هذا الملف. فهذه المعابر، التي شكّلت لعقود ممرات مفتوحة بين لبنان وسوريا، باتت اليوم تحت رصد إسرائيلي مباشر، في ظل معادلة معقدة تجمع بين تغيّر الواقع السوري واستمرار شبكات التهريب.
لطالما عرفت منطقة البقاع، ولا سيما الهرمل ومحيطها، بكونها مساحة جغرافية متداخلة يصعب ضبطها بالكامل. فالحدود هناك لم تُرسَم يومًا كفواصل جغرافية أمنية صارمة، بل كامتداد اجتماعي وعشائري، ما جعل المعابر غير الشرعية جزءًا من الحياة اليومية للسكان. على مدى سنوات، استُخدمت هذه المعابر لعبور البضائع الزراعية، والسلع الاستهلاكية، والمحروقات، قبل أن تتوسّع وظائفها لتشمل تهريب المخدرات، والسيارات المسروقة، وحتى البشر، في ظل غياب الدولة وغياب البدائل الاقتصادية.
مع سقوط النظام السوري السابق، ساد اعتقاد بأن خطوط تهريب السلاح من سوريا إلى لبنان ستتراجع، أو على الأقل ستُصاب بالشلل، لا سيما في ظل قيام إدارة سورية جديدة تُعلن صراحة خصومتها السياسية مع "حزب الله"، غير أن المعطيات الميدانية تشير إلى عكس ذلك فتهريب السلاح لم يتوقف، وإن تغيرت آلياته وتوقيته.
وبحسب مصادر متابعة فإن جزءًا من السلاح الذي جرى إدخاله إلى لبنان في المرحلة السابقة، سواء قبل سقوط النظام بأشهر أو في الأشهر الأولى التي تلت سقوطه، جرى تخزينه وتوزيعه على نقاط متعددة داخل الأراضي اللبنانية. هذا الواقع يفسّر كيف يتمّ الحديث اليوم عن "إعادة تسلّح"، من دون الحاجة بالضرورة إلى فتح خطوط تهريب واسعة ومكشوفة كما في السابق.
هذا الواقع يضع المعابر غير الشرعية في موقع مختلف عمّا كانت عليه سابقًا، فهي لم تعد مجرد طرق ترابية تُستخدم لتأمين لقمة العيش، بل تحوّلت إلى نقاط حساسة ضمن معادلة أمنية إقليمية أوسع. وفي هذا السياق، يأتي الاستهداف الإسرائيلي الأخير لمعابر عدة بين الهرمل والقاع، ليؤكد أنها باتت جزءًا من منظومة الإمداد التي تخضع للرصد والمتابعة، سواء كان التهريب نشطًا أو محدودًا.
في المقابل، لا يمكن تجاهل الجهود التي يبذلها الجيش اللبناني لضبط الحدود الشرقية، ولا الإجراءات التي تعلنها الإدارة السورية من حين إلى آخر. إلا أن هذه الجهود، على أهميتها تصطدم بواقع جغرافي معقد، وبشبكات تهريب متجذرة تعرف الأرض جيدًا وتتكيف بسرعة مع أي إجراءات جديدة، حيث يؤدي إقفال معبر إلى فتح مسار بديل بعد فترة قصيرة.
وسط هذا المشهد، يدخل العامل الإسرائيلي كعنصر ضغط إضافي، مستندًا إلى معطيات استخبارية كون المسيرات لا تفارق سماء البقاع الشمالي، ويتعامل مع أي ثغرة حدودية على أنها تهديد محتمل. وهنا تكمن الخطورة، إذ يتحوّل ضعف ضبط الحدود من مسألة داخلية إلى ذريعة لتوسيع دائرة الاستهداف، ما يضع الداخل اللبناني أمام مخاطر تصعيد غير محسوب.
وفي توقيت بالغ الدلالة، سُجّل أمس استهداف سيارة في منطقة دورس – بعلبك لمرتين متتاليتين، الأولى بعد مفرق بلدة مجدلون على الطريق الدولية، وبعد تمكن سائقها من الهرب والنجاة وعدم إصابة السيارة، استهدفته المسيرة مرة أخرى قرب شركة ألفا في دورس بعد سلوكه طريقًا فرعيًا. هذا التطوّر النوعي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في البقاع، تتجاوز استهداف المعابر غير الشرعية إلى استهداف مباشر داخل العمق الجغرافي. هذا التحوّل لا يمكن قراءته كحادث معزول، بل كمؤشر على انتقال المواجهة من أطراف الحدود إلى الداخل، ومن خطوط تهريب إلى نقاط وجود.
فبعد المعابر، يبدو أن دائرة الأهداف تتوسّع، ما يطرح سؤالًا خطيرًا حول ما إذا كان البقاع الشمالي وبعلبك الهرمل تحديدًا، مقبليّن على مرحلة تصاعدية من الضربات المتقطعة، تتحوّل فيها المنطقة تدريجيًا إلى ساحة ضغط أمني مفتوح. عند هذه النقطة، لا يعود الحديث فقط عن تهريب أو معابر أو حدود رخوة، بل عن تغيّر في قواعد الاشتباك نفسها، حيث يصبح الداخل اللبناني جزءًا مباشرًا من مسرح المواجهة، لا مجرد ممر أو هامش جغرافي.
في المحصلة، فإن المعابر غير الشرعية لم تعد تفصيلًا هامشيًا، بل باتت عقدة أمنية تجمع بين اقتصاد ظلّ، وتهريب سلاح لم يُقفل بابه بالكامل، وحدود رخوة، ورصد إسرائيلي دائم. وبين كل ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه المعابر ستبقى مجرد ممرات خارج سلطة الدولة، أم تتحوّل إلى ساحات اشتباك في صراع يتجاوز الجغرافيا والحدود؟