المصدر: المدن
الاثنين 13 نيسان 2026 18:25:18
بات مؤكّدًا أنّ ما تفعله إسرائيل اليوم هو استعجال السّيطرة على مدينة بنت جبيل ومناطق أخرى استراتيجيّة في الجنوب لتثبيت الحزام الأمنيّ. وهذا ما ترجمته بالقرار الذي اتّخذته اليوم، والقاضي بتثبيت 15 معسكرًا في الجنوب الذي زاره أمس نتنياهو وكاتس وزامير، في خطوةٍ لها رمزيّتها الخطرة. وكلّ هذا تريد إسرائيل تحقيقه خلال ساعات، استباقًا لانعقاد اللّقاء غدًا في الخارجيّة الأميركيّة بين سفيري لبنان وإسرائيل.
ويوحي الإعلام الإسرائيليّ بأنّ جيشه يحتاج إلى أسبوعٍ إضافيّ لإنجاز المهمّة في بنت جبيل، ومهمّاتٍ أخرى، وبأنّه لا معارك كبرى ستبقى في الجنوب بعد أيّام، ما يعزّز الانطباع بأنّ الاجتماع التمهيديّ للسّفراء قد لا يستعجل تحديد موعدٍ لانطلاق المفاوضات جدّيًّا هذا الأسبوع، كي يتاح للجيش أن يستكمل مهمّاته.
هذا التحرّك الميدانيّ المكثّف يهدف إلى فرض أمرٍ واقع على طاولة المفاوضات. ويتردّد أنّ القيادة الإسرائيليّة قد تكون مستفيدةً من بقاء "الستاتيكو" الحاليّ لتكريس سيطرتها جنوب نهر اللّيطاني، بدلًا من إضاعة هذا الهدف بإبرام اتّفاقٍ مع لبنان لا يضمن نزع سلاح "حزب الله". فإسرائيل تكرّر التّأكيد أنّ لبنان الرّسميّ لا يريد، ولن يحاول، نزع السّلاح، على الرّغم من اضطراره إلى التفاوض المباشر. وهي تستند في هذا المجال إلى تجربة اتّفاق تشرين الثّاني 2024، عندما بقيت الدّولة تماطل في تنفيذ بند السّلاح، إلى أن انفجرت الحرب الحاليّة، فظهر بشكلٍ قاطع أنّ جنوب اللّيطاني ما زال مسرحًا للمقاتلين ومخزنًا للأنفاق والسّلاح. وبرزت اليوم دعوة إسرائيل للبنان إلى التّركيز على السّلاح في وسط لبنان، ما دامت قد تولّت هي أمر الجنوب.
سيستخدم الإسرائيليّون ذريعتهم المعروفة، أي تأمين عودة سكّان الشّمال، وسيتشبّثون بهذا العنوان في المفاوضات، وبه سيبرّرون سباقهم للسّيطرة على المنطقة الحدوديّة. فهذه السّيطرة أشدّ أهمّيّةً لهم من أيّ اتّفاقٍ مع لبنان، خصوصًا إذا كانوا يعتبرون أن اللّبنانيّين سيتلكّأون مرّةً أخرى عن التّنفيذ.
تفاوضٌ بالنّار لا تمهيدٌ للتّهدئة
المشهد في جنوب لبنان لا يوحي بيوم حسمٍ إسرائيليٍّ نهائيّ، بقدر ما يكشف يوم تثبيت اختراقٍ وتضييق طوقٍ، مع نقل مركز الثّقل إلى بنت جبيل تحديدًا. فإسرائيل رفعت سقفها السّياسيّ والعسكريّ هناك، وأعلنت بدء الهجوم بعد استكمال التّطويق، لكنّ الوقائع المتداولة لا تظهر سيطرةً مكتملةً وثابتةً على المدينة كلّها، بل قتالًا داخل محيطها وعند عقدها الرّئيسة، بالتّوازي مع استمرار التّثبيت شرقًا حول الخيام، والضّغط النّاريّ والهدم غربًا وساحلًا.
سياسيًّا، يمكن القول إنّ 13 نيسان ليس يوم تهدئةٍ تمهيديّة، بل يوم "تفاوضٍ بالنّار". فبنت جبيل ليست مجرّد بلدةٍ حدوديّة، بل مدينة الرّمز في السّرديّتين معًا، عند إسرائيل بوصفها عقدةً صاروخيّةً وموقعًا متقدّمًا لـ"حزب الله"، وعند الحزب بوصفها مدينة "التّحرير" وذاكرة "بيت العنكبوت". ولذلك، فإنّ معركتها في هذا التّوقيت تبدو محاولةً إسرائيليّةً لتحسين ميزان الميدان عشية اللّقاء المباشر المقرّر في واشنطن، أكثر ممّا تبدو جولةً حدوديّةً إضافيّة.
الغطاء السّياسيّ للتوغّل لم يعد ملتبسًا. بنيامين نتنياهو قال، خلال اقتحامه جنوب لبنان الأحد، إنّ "الحرب مستمرّة"، وإنّها مستمرّة أيضًا داخل ما تسمّيه إسرائيل "المنطقة الأمنيّة". وقبل ذلك كان قد أعلن أنّ التفاوض مع لبنان لا يعني وقف الهجمات على "حزب الله"، بل إنّ هدف المباحثات، من وجهة نظره، هو نزع سلاح الحزب والتقدّم نحو اتّفاق سلام. بهذا المعنى، فإنّ الموقف الإسرائيليّ الرّسميّ لا يفصل بين المسارين، بل يضع التفاوض تحت ضغط النّار لا فوقه.
ولم يكتف نتنياهو بهذا السّقف، بل رفعه أكثر حين قال إنّه "لا حديث عن خمس نقاط في جنوب لبنان، بل عن منطقةٍ أمنيّةٍ متينةٍ وعميقة"، مؤكّدًا أنّ الجيش الإسرائيليّ "سيسيطر على القرى التي كان حزب الله مهيمنًا عليها، وسيعمل على تدميرها"، ومشدّدًا على أنّ "القتال مستمرّ طوال الوقت". هذا ليس كلامًا عن عمليّةٍ موضعيّة، بل عن مشروع إعادة تشكيل للشّريط الحدوديّ برمّته، وتكريسه كأمرٍ واقع سابق على أيّ مفاوضات، وربّما بديلٍ منها إذا تعذّر انتزاع ما تريده إسرائيل على الطّاولة.
أمّا القناة 12 الإسرائيليّة، فقد وضعت هذا التوجّه في صياغةٍ أكثر مباشرة. قالت إنّ "الجيش تلقّى تعليمات بتحقيق أكبر قدرٍ ممكن من الأهداف في لبنان، في حال اضطرّ إلى وقف العمليّات قبل انطلاق المفاوضات غدًا"، مضيفةً أنّه "عقب زيارة نتنياهو وكاتس للقيادة الشّماليّة للجيش أمس، قرّرت الأخيرة إنشاء 15 معسكرًا دائمًا على الخطّ الأوّل من القرى اللّبنانيّة". والمعنى هنا واضح، إسرائيل لا تتحرّك على قاعدة انتظار نتائج التفاوض، بل على قاعدة تثبيت حقائق ميدانيّة تصبح لاحقًا موضوع التفاوض نفسه.
بنت جبيل: أمّ المعارك
بنت جبيل هي أمّ المعارك، لأنّها تختصر في نقطةٍ واحدة التّاريخ والجغرافيا والتفاوض والرّمز. المدينة تقع على مسافةٍ قصيرةٍ جدًّا من الخطّ الأزرق، وهي من أكثر مدن الجنوب رمزيّةً لدى "حزب الله"، ومنها أعيد تثبيت سرديّة الانسحاب الإسرائيليّ عام 2000، كما أنّها كانت ساحةً شديدة الحساسيّة في حرب 2006، حين فشل الجيش الإسرائيليّ في إحكام السّيطرة الكاملة عليها. لذلك، فإنّ المعركة الجارية فيها ليست تفصيلًا تكتيكيًّا، بل معركة معنى أيضًا.
في الرّواية الإسرائيليّة، تمّ تطويق بنت جبيل خلال الأسبوع الأخير، ثمّ بدأ الهجوم عليها من عدّة جهات، والعمليّة يقودها التشكيل 98 مع ألوية المظلّيّين والكوماندوز و"جفعاتي". وتقول إسرائيل إنّها قتلت أكثر من مئة عنصرٍ من "حزب الله" في قتالٍ قريبٍ ومن الجوّ، وسيطرت على الملعب، وداهمت مستشفى في المدينة، وقتلت فيه أو قربه نحو عشرين مسلّحًا وصادرت أسلحة، وإنّ وتيرة نيران "حزب الله" من داخل المدينة نفسها تراجعت. وهذه، حتى الآن، تبقى رواية الجيش الإسرائيليّ، بما فيها من محاولةٍ واضحة لتحويل الإنجاز العسكريّ إلى مشهدٍ نفسيّ ورمزيّ.
وفي المستوى الرّمزيّ تحديدًا، أعلن قائد الفرقة 98، غاي ليفي، بعد السّيطرة على ملعب بنت جبيل، أنّ مكان خطاب "بيت العنكبوت" بات تحت سيطرة قوّاته. وهذه العبارة ليست عسكريّةً فحسب، بل سياسيّة ونفسيّة أيضًا، لأنّها تظهر أنّ إسرائيل لا تريد فقط التقدّم في المدينة، بل كسر رمزيّتها أيضًا، وسحبها من سرديّة "التّحرير" إلى سرديّة "السّيطرة".
لماذا تريد إسرائيل بنت جبيل الآن
السّؤال ليس فقط لماذا بنت جبيل، بل لماذا الآن. التّوقيت يشي بأنّ المدينة تستخدم كورقة ضغطٍ مزدوجة، على "حزب الله" في الميدان، وعلى الدّولة اللّبنانيّة على طاولة التفاوض. فالتقارير الإسرائيليّة نفسها تربط العمليّة بتقدّم اللّقاء المباشر في واشنطن، فيما تصرّ تل أبيب على أنّ التفاوض لا يشمل وقفًا موازيًا للنّار. ومن هنا، تدخل إسرائيل إلى الاجتماع وهي تحاول أن تقول إنّها لا تفاوض من موقع احتواء الخطر، بل من موقع إعادة تشكيل الجبهة.
ولهذا السّبب تحديدًا، بدت بنت جبيل كأنّها "آخر معركةٍ كبرى" قبل الانتقال إلى مرحلةٍ أخرى. فقد تحدّثت صحيفة "جيروزالم بوست" عن أنّ معركة بنت جبيل قد تكون حاسمة، وأنّه "قد لا تكون هناك أهدافٌ استراتيجيّة لإسرائيل بعدها". ونقلت عن الجيش الإسرائيليّ قوله إنّه "خلال الأيّام القليلة المقبلة، ومع استكمال عمليّاته ضدّ حزب الله في بنت جبيل جنوب لبنان، لن تبقى معارك كبرى يخوضها في المنطقة". هذا التوصيف، إذا صحّ، يعني أنّ إسرائيل تريد إنهاء مرحلة الاقتحامات الواسعة والانتقال إلى مرحلة التّمشيط، والهدم، والتّثبيت، والإدارة بالنّار.
من التّوغّل إلى التّكريس
هذا هو جوهر المشهد اليوم. إسرائيل لا تتصرّف بوصفها جيشًا يخوض جولةً عابرة، بل بوصفها قوّةً تريد الانتقال من التوغّل إلى التّكريس. ففكرة المعسكرات الخمسة عشر على الخطّ الأوّل من القرى اللّبنانيّة، والكلام عن "منطقةٍ أمنيّةٍ متينةٍ وعميقة"، والتّشديد على أنّ القرى التي كان "حزب الله" مهيمنًا عليها ستدمّر، كلّها مؤشّرات إلى أنّ المطلوب ليس فقط إبعاد الخطر المباشر، بل إعادة هندسة الحزام الحدوديّ عسكريًّا وسياسيًّا.
وهنا يتّصل الميدان مباشرةً بملفّ السّلاح. فإسرائيل تكرّر أنّ لبنان الرّسميّ لم ينفّذ سابقًا التزاماته المتّصلة بنزع سلاح "حزب الله" جنوب اللّيطاني، وأنّها لذلك لم تعد مستعدّةً لتسليم أمنها إلى ضماناتٍ ورقيّة. ومن هذا الباب تحديدًا جاءت دعوة وزير الخارجيّة الإسرائيليّ جدعون ساعر إلى تركيز لبنان على السّلاح في وسط البلاد، ما دامت إسرائيل قد "تولّت" الجنوب. إنّه منطق الوصاية بالنّار، لا منطق التّفاهم.
ضبابيّة المفاوضات
في المقابل، يستعدّ لبنان للمشاركة في الجلسة التّحضيريّة الأولى للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، المقرّر انعقادها غدًا عند السّاعة التاسعة مساءً، على أن تتناول وقف إطلاق النّار بين البلدين، كما جاء في بيان وزارة الخارجيّة الأميركيّة. لكنّ المشكلة أنّ لبنان، على الرّغم من ذهابه إلى الاجتماع وغايته وقف النّار، لم يتبلّغ بوجود اتّجاهٍ إسرائيليٍّ فعليّ لوقفها.
المعلومات الرّسميّة تفيد بعدم وجود ضماناتٍ أو تطمينات في هذا الاتّجاه، وإن كانت الولايات المتّحدة قد أبلغت لبنان اقتناعها بضرورة وقف النّار. كما أنّ لبنان يضغط في هذا الاتّجاه، وقد تلقّى تأييدًا أوروبيًّا وعربيًّا لموقفه، مع تأكيداتٍ بأنّ هذه الجهات تمارس ضغوطًا وتبذل جهودًا لدفع إسرائيل إلى التهدئة. ومع ذلك، فإنّ المناخ السّياسيّ لا يسمح بالإفراط في التّفاؤل، بل يفتح فقط على احتمال أن تفضي الضّغوط، من اليوم وحتى مساء الغد، إلى إجبار إسرائيل على وقف إطلاق النّار.
غير أنّ المشكلة الفعليّة تبقى في مكانٍ آخر، وهو أنّ كلّ المؤشّرات الإسرائيليّة لا تدلّ على استعدادٍ حقيقيّ للجلوس إلى طاولةٍ هدفها وقف إطلاق النّار. فنتنياهو يتحدّث عن "منطقةٍ أمنيّةٍ متينةٍ وعميقة"، والقناة 12 تتحدّث عن تعليماتٍ بتحقيق أكبر قدرٍ ممكن من الأهداف قبل المفاوضات، وبعض المعلومات يشكّك أصلًا في وجود نيّةٍ إسرائيليّةٍ جديّة للمشاركة في الاجتماع بروحٍ تفاوضيّة. وعليه، فإنّ لبنان يذهب إلى الاجتماع تحت ضغط النّار، فيما تذهب إسرائيل إليه وهي تحاول تثبيت نتائج النّار.
المشهد، في جوهره، واضح. إسرائيل تريد أن تصل إلى الطّاولة بعد أن تكون قد أنجزت ما أمكنها إنجازه في الميدان، لا العكس. لذلك تبدو بنت جبيل اليوم أكثر من مدينةٍ تحت القصف والاقتحام، إنّها عنوان لحظةٍ سياسيّةٍ كاملة، عنوان محاولة إسرائيليّة لصناعة ميزانٍ جديد على الحدود، وفرض "منطقةٍ أمنيّة" بقوّة السّلاح، ثمّ دعوة لبنان إلى التفاوض من داخل هذه الوقائع لا قبلها.
ومن هنا، فإنّ المعركة في بنت جبيل ليست فقط أمّ المعارك عسكريًّا، بل أمّ الرسائل أيضًا. فيها تختبر إسرائيل قدرتها على تحويل الرّمز إلى مكسب، وتحاول أن تقول للبنان إنّ الوقت لم يعد وقت مناقشة وقف النّار، بل وقت مناقشة ما بعد النّار، على قاعدة ما أنتجته من وقائع. وفي المقابل، يبقى الرّهان اللّبنانيّ على أن تنجح الضّغوط في كسر هذا المنطق، وفرض وقفٍ لإطلاق النّار يسبق تثبيت الاحتلال لا يكرّسه.
وبانتظار السّاعات الفاصلة غدًا، يبقى الثّابت الوحيد أنّ إسرائيل لا تفاوض من خارج الميدان، بل من داخله، ولا تذهب إلى الاجتماع لتجميد الحرب، بل لتثميرها. أمّا بنت جبيل، فهي اليوم الاسم الأكثر كثافةً في هذا المشهد كلّه، مدينةٌ تقاتل، ورمزٌ يستهدف، وورقةٌ تستخدم لتعديل شروط التفاوض قبل أن يبدأ التفاوض نفسه.