إغلاق هرمز يقلب المعادلة: أميركا تلزم إسرائيل وقف النار

عبر وسائل الإعلام أعلنت إسرائيل أنَّ رئيس ورزائها ووزير دفاعه أوعزا للجيش الإسرائيلي وقف إطلاق النار في لبنان. إعلان سيبقى موضع اختبار الساعات المقبلة ومدى التزام إسرائيل بوقف النار الشامل فعلاً، خصوصاً وأنّها ليست المرة الأولى التي تعلن ذلك وتتخلَّف عن الالتزام وتحتفظ لنفسها بحرية الحركة في لبنان.

جاء إعلان "القيادة المركزية لمقر خاتم الأنبياء" إعادة إغلاق مضيق هرمز كـ"مرحلة أولى"، في توقيت كانت فيه إسرائيل ترفع مستوى التصعيد الميداني من الجنوب إلى البقاع، ليعيد فتح المشهد السياسي والعسكري على احتمالات أوسع. فهذا التطور سواء بتوقيته أو مضمونه، مع تأكيد الخارجية الإيرانية في بيان أنّ "البند الأول هو الأهم في مذكرة التفاهم والطرف المقابل أخلَّ بالتزامه بإجبار الكيان الصهيوني على وقف اعتداءاته على لبنان"، سحب النقاش من إطار قدرة إسرائيل على فرض شروط المرحلة المقبلة، إلى معادلة مختلفة عنوانها: إما تثبيت التفاهمات وفق قواعد التزام متبادل، أو فليسقط الاتفاق. 

ومن الضروري التوقف عند إشارة بيان مقر خاتم الأنبياء بأنّ "هذه هي الخطوة الأولى في الرد على نقض العدو لالتزاماته"، وتأكيده بأنّه "في حال استمرار الاعتداءات، فسيجري التخطيط لاتخاذ خطوات إضافية وتنفيذها لإجبار العدو على الالتزام بتعهداته وتنفيذها"، بما يعني إعادة خلط المشهد الإقليمي وفتح الباب أمام قراءة مختلفة. 

وبعد أقلِّ من ساعة على إعلان خاتم الأنبياء، نقلت القناة 12 الإسرائيلية أنه وبإيعاز من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس يوقف الجيش إطلاق النار في لبنان لكنّه لن ينسحب من المناطق التي يسيطر عليها". لكنّ إعلاناً كهذا يبقى موضع تشكيك خصوصاً وأنَّ إسرائيل سبق وتراجعت عن إعلانها وقف إطلاق النار في جنوب لبنان واستمرت في عدوانها.

وذكر مسؤول إسرائيلي أنَّ الجيش الإسرائيلي لا يزال يسيطر على الشريط الأمني ويتمتع بحرية عمل كاملة داخل الخط الأصفر من أجل تطهير المنطقة من البنى التحتية التابعة للتنظيمات المسلحة. والنقطة الأخيرة تلك هي موضع خلاف كبير حيث يرفض حزب الله رفضا مطلقاً العودة إلى ما قبل تاريخ الثاني من آذار واحتفاظ إسرائيل بحرية الحركة في لبنان.

يأتي هذا في وقت كانت فيه إسرائيل تصعِّد من عدوانها، حاصدة عشرات الشهداء والجرحى في مجازر وحشية، من باريش إلى قناريت إلى سحمر في البقاع الغربي. وأعلن حزب الله أن الجيش الإسرائيلي ارتكب أكثر من 300 خرق لاتّفاق وقف النار منذ فجر يوم أمس الجمعة.

 تصعيد ميداني قابلته إيران بالسياسة، حيث يُقرأ التصعيد المتبادل ومحاولات رفع السقوف على أنهما جزء من معركة تثبيت الشروط قبل الانتقال إلى التنفيذ الفعلي، تزامناً مع استكمال المفاوضات الأميركية الإيرانية من جهة، والمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في الثالث والعشرين من الشهر الجاري من جهة ثانية. ما يعني أنّ الأيام المقبلة قد تكون حاسمة بين مسارين: تثبيت التهدئة ضمن توازنات جديدة، أو سقوط المسار التفاوضي والعودة إلى المواجهة.

والتوقيت هنا لا يبدو تفصيلاً. فبينما كانت إسرائيل ترفع وتيرة عملياتها العسكرية وتؤكد عمليّاً أن أيّ تفاهم إقليمي لا يقيّد حساباتها الأمنية، جاء هذا الإعلان ليحمل رسالة معاكسة مفادها أنَّ لدى الطرف المقابل أيذاً أدوات ضغط قادرة على التأثير في المعادلة، وأنّ تثبيت أي اتفاق لن يكون أحادي الاتجاه.

ووفق المعطيات، تبقى القراءة الأقرب إلى الواقع أنّ كل طرف يحاول تحسين موقعه قبل تثبيت أي اتفاق نهائي، لكن في المقابل، كلما ارتفع منسوب الضغط الميداني، زادت الغارات على لبنان. ولغاية الساعة سقط أكثر من 40 شهيداً خلال 24 ساعة في الجنوب والبقاع الغربي. كما أعلنت وزارة الصحة في بيان عن حصيلة العدوان وهو: 4057 شهيدا و 12121 جريحا منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 آذار 2026". 

الميليشيا ملتزمة ولكنّ!

وبحسب المعطيات أيضاً، فإنّ العائق الأبرز لا يقوم فقط على الاتفاق نفسه، بل الالتزام به، وأن إسرائيل، وفق هذا الطرح، تواصل خرق التفاهمات ومحاولة فرض شروط إضافية على الأرض، فيما يتم التأكيد من الجهة المقابلة على الالتزام المُعلن بوقف إطلاق النار، مع الإبقاء على الجهوزية للردِّ على أي تغييرٍ ميداني أو محاولة فرض وقائع جديدة. وهو ما عبّر عنه حزب الله في بيان، إذ أعلنت المقاومة الإسلامية في بيان أنها "بموازاة التزامها بوقف إطلاق النّار، فإنّها لن تتهاون في التّصدي لأيّ محاولة يُقدم عليها العدوّ لقضم الأراضي وتوسيع احتلاله، وسيكون مجاهدوها بالمرصاد، وبكامل جهوزيّتهم، للدّفاع الكربلائيّ عن أرضهم وشعبهم ووطنهم، وفاءً بعهدها مع الله ومع شعبها العزيز مهما بلغت التّضحيات".

بينما في المقابل، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنَّ حزب الله نفّذ خلال الليلة الماضية أكثر من 50 عملية إطلاق باتجاه قواته العاملة في جنوب لبنان، واصفاً ذلك بأنه "خرق متكرر" لاتفاق وقف إطلاق النار. وأكد الجيش أن هذه الهجمات لن تُقابل بصمت، مشدداً على أنه لن يسمح بأي تهديد لمواطني إسرائيل أو لقواته، وأنه سيرد "بقوة" على أي استهداف.

وفي وقت كان يُفترض أن يشكّل الحديث عن تفاهم أميركي – إيراني مدخلاً إلى خفض التوتر وفتح الباب أمام تثبيت وقف إطلاق النار على أكثر من جبهة، تبدو الوقائع الميدانية في لبنان تسير باتجاه مختلف تماماً. فإسرائيل لا تتعامل حتى الآن مع هذه المرحلة كمرحلة تهدئة أو انتقال إلى ما بعد الحرب، بل تواصل تصعيدها العسكري جنوباً وصولاً إلى البقاع، في مشهد يطرح أسئلة جدية حول حدود الالتزام بأي تفاهمات إقليمية مرتقبة. والوقائع تثبت أن إسرائيل تستخدم النار ورقة ضغط تسبق السياسة، ما يعني أنّ الجنوب اللبناني عاد ليكون ساحة اختبار للتوازنات الجديدة التي يجري رسمها في المنطقة.

مؤشرات دولية: تهديد مسار التفاهم 

وكانت برزت مؤشرات دوليّة تتحدث عن خشية من أن يؤدي استمرار الهجمات الإسرائيلية إلى تهديد مسار التفاهم الأميركي – الإيراني، مع معلومات عن رسائل تُنقل إلى طهران وتحذيرات من أنَّ استمرار التصعيد قد يدفع نحو إعادة خلط الأوراق التفاوضية. ونقلت شبكة "إن بي سي" عن وكالة الاستخبارات الأميركية أنَّ "هجمات إسرائيل في لبنان قد تعرض للخطر اتفاق السلام بين واشنطن وطهران".

كذلك أفادت معلومات أنَّ وزير داخلية باكستان سينقل إلى طهران رسائل بشأن المفاوضات تتعلق بلبنان. كذلك أُفيد أنَّ وفد إيران هدد بالانسحاب من المفاوضات إذا واصلت إسرائيل هجماتها في لبنان. من جهتها، نقلت نيويورك تايمز عن مصادر قولها إنّ "مسؤولين غربيين طالبوا نتنياهو بوقف مهاجمة لبنان كي لا تبرر إيران انسحابها من التفاوض".

أما داخلياً، فتتوسع الانقسامات حول إدارة المرحلة، بين من يعتبر أن المفاوضات والخيارات الرسمية لم تحقق نتائج عملية على مستوى وقف الاعتداءات أو فرض الانسحاب الإسرائيلي، وبين من يرى أنَّ أي انفجار جديد سيؤدي إلى نسف ما تبقّى من فرص الاستقرار. في السياق، أكد رئيس تكتل "نواب بعلبك الهرمل" عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب حسين الحاج حسن، أنَّ السلطة في لبنان انتهجت سياسات خاطئة، ومنها الاستجابة الكاملة للإملاءات الأميركية، فضلاً عن الذهاب إلى المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي، مخالفين بذلك الدستور والمؤسسات والقانون الذي يعتبر أن إسرائيل عدواً، وبالرغم من ذلك كله، لم تحقق هذه السلطة أي شيء من هذه المفاوضات سوى المزيد من الخضوع والمزيد من التنازلات الخطرة. ودعا السلطة في لبنان إلى المبادرة وتصحيح خطاياها من أجل مصلحتها، كي تبقى سلطة قادرة على القيام بدورها وتحقيق الاستقرار. 

غارات عنيفة من الجنوب إلى البقاع الغربي

ميدانياً، أعلنت قيادة الجيش في بيان أنّ "استمرار الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية يهدف إلى عرقلة أي حلٍّ يتيح إعادة الاستقرار في لبنان". وجاء بيان القيادة إثر استشهاد عسكري بغارة استهدفته على دوار كفررمان في قضاء النبطية، في حين أدّت غارة استهدفت بلدة باريش إلى مجزرة بحق عائلة مؤلفة من 5 أفراد. كما أدّت غارة على بلدة قناريت إلى استشهاد 11 شخصاً و20 جريحاً في حصيلة أولية، فيما فرق الإسعاف والإنقاذ عملها في المكان. واستهدف الطيران الإسرائيلي بلدتي لبايا وسحمر في البقاع الغربي. وفي سحمر أدّت غارة إلى استشهاد عائلة من أربعة أفراد، فيما لا يزال البحث جارٍ عن طفل تحت الأنقاض.

نفّذت عناصر من مختلف مراكز منطقة النبطية الإقليمية في الدفاع المدني اللبناني، منذ ساعات الصباح، عمليات إجلاء ونقل وإسعاف جراء الاعتداءات المتواصلة التي تعرضت لها المنطقة.

على المقلب الأخر، أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن عمليات الجيش الإسرائيلي البرية تتركز حالياً في المنطقة الواقعة بين مرتفعات علي الطاهر وبلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان. فيما أعلن حزب الله في بيان أنّه "نفذ العدو أمس محاولة تسلّل باتّجاه مرتفع علي الطّاهر الّذي بقي عصيّاً عليه رغم محاولاته المتكرّرة لاحتلاله. وعند وصول قوّة المشاة المتسلّلة الّتي تتبع للواء الكوماندو في جيش العدوّ إلى مكمنٍ لمجاهدي المقاومة، تصدّى لها المجاهدون بالأسلحة المناسبة محقّقين في صفوفها عددًا مؤكدًا من القتلى والجرحى".

في المحصلة، لم تعد المعركة فقط على وقف إطلاق النار فقط، بل معركة شروط على تثبيته. فإمّا الانتقال نحو تهدئة تُبنى على التزامات متبادلة، وإما سقوط المسار التفاوضي.