المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
الثلاثاء 14 نيسان 2026 13:51:03
ما قاله كلّ من نعيم قاسم وحسين الحاج حسن لا يمكن التعامل معه كخطاب تعبوي عابر، بل كطرح سياسي متكامل يستدعي ردًا مباشرًا على مضمونه، لا الاكتفاء بوصفه. فحين يُعلن بوضوح أن لا تفاوض، وأن أي مسار سياسي هو استسلام، يصبح السؤال بديهيًا: من أعطى هذا الفريق حق مصادرة قرار شعب كامل، وحرمان الدولة من أبسط صلاحياتها؟
القول إن التفاوض "إذعان" يتجاهل حقيقة بسيطة: كل الدول تفاوض، حتى في أصعب الحروب، لأن التفاوض ليس نقيض السيادة بل أحد أدواتها. الدولة التي لا تفاوض لا تكون أكثر قوة، بل أكثر عزلة، وتصبح رهينة منطق الحرب المفتوحة بلا أفق. أما تصوير أي مسار سياسي على أنه خيانة، فليس سوى محاولة لإقفال النقاش الداخلي، وفرض خيار واحد بالقوة، وكأن لبنان لم يُبنَ يومًا على التعدد والتوازن، بل على الإملاء.
وعندما يذهب الخطاب أبعد من ذلك ليقول إن الدولة لا يحق لها التفاوض، فنحن هنا أمام مسألة أخطر من موقف سياسي، نحن أمام إنكار صريح لفكرة الدولة نفسها. فالدولة، بحسب الدستور، هي المرجعية الوحيدة في إدارة العلاقات الخارجية، وهي الجهة المخوّلة التفاوض باسم اللبنانيين. فإذا سُحبت منها هذه الصلاحية، ماذا يبقى منها؟ إدارة خدمات؟ أم مجرد واجهة شكلية لقرارات تُتخذ خارجها؟
هم لا يريدون أن تفاوض الدولة اللبنانية باسم لبنان، بل يريدون أن تتولى إيران هذا الدور بدلًا منها. وهذه ليست تفصيلاً لغويًا، بل جوهر التحوّل في مفهوم السيادة: نقل قرار التفاوض من بيروت إلى الخارج، مع الإبقاء على الدولة كإطار شكلي بلا وظيفة سياسية فعلية. وعندها يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت الدولة ممنوعة من التفاوض، وإذا كان البديل هو الخارج، فأين موقع القرار الوطني أصلًا؟
أما الحديث عن أن ما يجري هو لحماية لبنان، فيصطدم بواقع أن هذا “القرار بالحرب” لم يُتخذ داخل المؤسسات، ولم يُطرح على اللبنانيين، بل فُرض عليهم كأمر واقع. وهنا تصبح المسألة مبدئية: لا يمكن لأي جهة أن تدّعي حماية وطن، وهي في الوقت نفسه تحرمه من حقه في تقرير مصيره. فالحماية لا تكون بإلغاء الدولة، بل بتعزيزها، ولا تكون بمصادرة قرارها، بل بإعادته إليها.
ثم يأتي الهجوم على أي توجه رسمي نحو التفاوض، واتهامه بمخالفة الدستور، في مفارقة لافتة، لأن الدستور نفسه واضح في أن إدارة السياسة الخارجية من صلب صلاحيات الدولة. فكيف يصبح الالتزام بالدستور مخالفة، بينما يصبح تجاوزه قاعدة؟ هذا انقلاب في المفاهيم، قبل أن يكون خلافًا في المواقف.
ولا يمكن فصل هذا النهج عن تداعياته الداخلية. فلبنان ليس ساحة أحادية، بل كيان قائم على شراكة دقيقة بين مكوناته. وعندما يُفرض خيار الحرب، ويُمنع النقاش، ويُخوَّن المعترض، فإن ذلك لا يؤدي إلى توحيد اللبنانيين، بل إلى دفعهم نحو انقسام خطير. هذا الخطاب، مهما حاول أن يلبس ثوب "المقاومة"، يحمل في طياته عناصر فتنوية، لأنه يلغي الآخر بدل أن يحاوره، ويكسر التوازن بدل أن يحافظ عليه.
وإذا كان البعض يعتقد أن هذا المسار يمكن أن يستمر بلا أثمان، فهو يخطئ في قراءة التاريخ اللبناني. لأن كل محاولة لتجاوز الدولة، أو فرض واقع خارجها، انتهت إلى أزمات كبرى. والاستمرار في هذا النهج، الذي يجمع بين رفض الدولة واستبدالها بمرجعيات خارجية، لا يمكن إلا أن يُفسَّر كمسار يقترب، خطوة بعد خطوة، من تفريغ المؤسسات من مضمونها.
أمام هذا الواقع، لم يعد ممكنًا التوفيق بين نقيضين. لا يمكن أن تكون جزءًا من الدولة، وأن تعمل في الوقت نفسه على نزع صلاحياتها. ولا يمكن أن تشارك في مؤسساتها، وأن ترفض الاعتراف بدورها. لذلك، يصبح من الطبيعي طرح السؤال على من يتولّون المسؤولية النيابية والوزارية ضمن هذا الخط: أين تقفون؟ مع الدولة التي أقسمتم على احترام دستورها، أم مع خطاب يعلن صراحة تجاوزها؟
لأن الاستمرار في هذا المسار لن يبقى بلا نتائج. ومع كل خطوة إضافية في هذا الاتجاه، سيقترب لبنان من لحظة حاسمة، يصبح فيها النقاش أبعد من السياسة، وأقرب إلى مسألة بديهية: هل يمكن القبول باستمرار تمثيل قوة مسلحة، ترفض الدولة وصلاحياتها، داخل مؤسساتها الدستورية؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل بات مطروحًا بقوة، وسيجد طريقه إلى الجواب، عاجلًا أم آجلًا.
خلاصة القول إلى نعيم قاسم و"فرقته": الدولة قد تتأخر في حسم صراعاتها الداخلية، لكنها لا تُلغى. ومن يراهن على تجاوزها، يكتشف في النهاية أن لا بديل عنها، وأن كل قوة مهما بلغ نفوذها، تبقى مضطرة للعودة إلى مؤسساتها، لأن الشرعية ليست خيارًا، بل هي الإطار الوحيد للاستمرار.