المصدر: Ermnews
الأربعاء 23 أيلول 2026 20:57:49
تبلورت في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك ملامح مرحلة جديدة من المساومة الخشنة، إثر المحادثات المباشرة التي استمرت لثلاث ساعات كاملة بين وفد من الإدارة الأمريكية برئاسة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف ومستشار البيت الأبيض جاريد كوشنر، ووفد من الحكومة الإيرانية بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي.
وجاءت اللقاءات لتكشف عن طبيعة الديناميكيات الراهنة التي تحكم إدارة الرئيس دونالد ترامب للملف الإيراني، حيث سارع الرئيس الأمريكي إلى وصف الاجتماع بأنه كان ناجحاً ومثمراً للغاية، مشيراً إلى جولة محادثات أخرى مرتقبة في المستقبل القريب جداً.
استراتيجية الترهيب والترغيب
وتُجمع التحليلات الصادرة عن مراكز الأبحاث والصحافة الغربية على أن الاستراتيجية الأمريكية الراهنة تعتمد بشكل كلي على صيغة مزدوجة تتأرجح بين الإغراء التنموي والتلويح بالإبادة العسكرية لإنهاء الطموح النووي الإيراني.
وتتطابق هذه الرؤية مع الخطاب الذي ألقاه ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتزامن مع انعقاد اللقاء المشترك، حيث وضع القيادة الإيرانية علناً أمام خيارين لا ثالث لهما، وهما قبول صفقة تتيح لطهران إعادة بناء اقتصادها المنهك وتحقيق الازدهار، أو مواجهة خيار المحو والزوال الشامل للنظام في طهران.
ويهدف هذا الأسلوب التفاوضي، المعروف غربياً بدبلوماسية حافة الهاوية، إلى تعظيم مكاسب واشنطن قبل صياغة المسودات النهائية للاتفاق، مستغلاً في ذلك حالة الإنهاك المالي الشديدة التي تعاني منها إيران جراء العقوبات المفروضة والتضخم المتصاعد داخلياً.
شروط واشنطن الهيكلية
وكشفت مصادر غربية عن المعطيات المسربة عن اللقاء الأمريكي الإيراني الذي جرى على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقالت في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن سلة الالتزامات الـ6 التي وضعها المبعوثان الأمريكيان على طاولة النقاش تعد بمثابة شروط هيكلية لإعادة هندسة البنية الأمنية للشرق الأوسط بالكامل، ولا تقتصر فقط على الجوانب التقنية للملف النووي.
وأشارت إلى أنه في الشق النووي، تصر واشنطن على فرض صيغة التخصيب الصفري لليورانيوم، وتتفاوض على تفكيك وإخراج المفاعلات الحيوية الرئيسة في منشآت نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة بشكل نهائي وبما يمنع استئناف العمل فيها مستقبلاً.
ويترافق هذا المطلب بحسب المصادر الغربية مع حزمة بروتوكولات رقابية دولية لافتة تمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية حق الإشراف الكامل واللصيق على عمليات تصنيع وتشغيل أجهزة الطرد المركزي لمنع أي قفزة تكنولوجية مباغتة، وهو ما تراه الإدارة الأمريكية شرطاً ضرورياً لضمان عدم عودة إيران إلى مسار التسلح النووي تحت أي ظرف من الظروف.
تحجيم القدرات العسكرية
على صعيد القدرات العسكرية التقليدية والنفوذ الإقليمي، تشير المصادر الغربية إلى أن الشروط الأمريكية امتدت لتشمل فرض حظر كامل على تطوير أو اختبار الصواريخ الباليستية الإيرانية والمسيرات لمدة 5 سنوات متتالية، يتبعه انخراط طهران في معاهدات تسلح إقليمية جماعية تضع سقفاً لترسانتها الصاروخية بحيث لا يتجاوز ألف صاروخ فقط لضمان التوازن الأمني مع دول الجوار.
أما المطلب الآخر الذي قدمه الوفد الأمريكي، فهو الوقف الفوري والكامل لكافة أشكال التمويل والدعم العسكري واللوجستي الذي تقدمه طهران للفصائل الحليفة لها في المنطقة، وتحديداً حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وحركة حماس في غزة، وهو البند الذي تعتبره واشنطن وإسرائيل مفتاحاً جوهرياً لإنهاء الحروب المستعرة وتأمين خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
مطالب طهران الاقتصادية
في المقابل، ركز الوفد الإيراني بحسب المصادر الغربية على الحصول على كل ما من شأنه تفادي الانهيار الاقتصادي، حيث قدم وزير الخارجية عباس عراقجي شروطاً صريحة تربط أي تقدم أمني بالرفع الفوري والكامل للحصار البحري والعسكري المفروض على الموانئ الإيرانية، والوصول السريع وغير المشروط لكافة الأموال والأصول الإيرانية المجمدة في المصارف الدولية جراء العقوبات السابقة.
وعرض الوفد الإيراني مقابل ذلك تعهداً بإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وتأمين حركة ناقلات النفط والملاحة البحرية الدولية خلال أيام قليلة من بدء سريان التسهيلات المالية الأمريكية وتخفيف الضغط العسكري على السواحل الإيرانية.
تجاوز التعقيدات البيروقراطية
ويرى المحلل السياسي جبران سليم الدُرة أن الإدارة الأمريكية تسعى عبر الاستعانة بفريق الصفقات المقرب من الرئيس والمتمثل في كوشنر ويتكوف، لتجاوز التعقيدات البيروقراطية لوزارة الخارجية من أجل انتزاع اتفاق تاريخي سريع يسهم في خفض أسعار الطاقة عالمياً وتهدئة الجبهات المشتعلة قبيل الاستحقاقات السياسية القادمة.
ويعتقد المحلل الدُرة في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن الضغط الاقتصادي الداخلي في إيران يمثل المحرك الأساسي وراء مرونة طهران المفاجئة وقبولها بالجلوس في مفاوضات مباشرة ومطولة بعد أشهر من القطيعة والاعتماد على الرسائل غير المباشرة عبر الوسطاء الإقليميين.
ومع ذلك، يبدي الدُرة تشككاً واضحاً في قدرة صانع القرار في طهران على ابتلاع الشروط الأمريكية دفعة واحدة، بالنظر إلى أن المطالب بالتخصيب الصفري وتفكيك منشآت حيوية مثل فوردو ونطنز تمس العقيدة الأمنية والسياسية للنظام الإيراني وتجرده من أوراق القوة الرئيسة.
ويؤكد أن هناك مخاوف حقيقية من الانقسامات الداخلية المكتومة بين الحكومة الإيرانية الساعية لإبرام اتفاق ينقذ الاقتصاد، وجبهة المحافظين المتشددين في الحرس الثوري التي ترفض تقديم تنازلات تمس القدرات الباليستية أو نفوذ الفصائل الإقليمية وتعتبر هذا الأمر غير مقبول.
ترجيح الاتفاقات المرحلية
وفي ظل الصراع الداخلي بين الأجنحة الإيرانية، يرجح المحلل الدُرة سيناريو الاتفاقات المرحلية الجزئية، بحيث يتم التوافق في الجولات القريبة المقبلة على صياغة هدنة مؤقتة تضمن تدفق النفط وفتح مضيق هرمز مقابل تحرير جزئي للأموال المحتجزة، مع ترحيل الملفات الاستراتيجية المعقدة كالمفاعلات النووية والصواريخ الباليستية إلى مفاوضات طويلة الأمد تعقب اتضاح الخريطة السياسية داخل الكونغرس الأمريكي.
يُشار إلى أن المعطيات السياسية الحالية تؤكد أن الجانبين الأمريكي والإيراني قد تجاوزا مرحلة تبادل الرسائل عبر أطراف ثالثة ودخلا في مرحلة المساومة المباشرة، وتتجه الأنظار حالياً إلى طبيعة ومكان الجولة القادمة المتفق عليها.
ومن المرجح أن تلعب العواصم الإقليمية دوراً محوريّاً في صياغة مذكرات تفاهم تضمن أمن الملاحة في مضيق هرمز لإنقاذ أسواق الطاقة العالمية، لتفادي خيار الصدام العسكري الشامل الذي لوّح به البيت الأبيض كبديل حتمي في حال فشل الحلول السياسية والاتفاقات الملزمة للطرفين.