المصدر: نداء الوطن
الكاتب: زيزي اسطفان
الأربعاء 27 آب 2025 07:19:05
سيارات تنقلب على الأوتوستراد، شاحنات وصهاريج تنقلب في الوديان والمنحدرات وعلى جوانب الطرقات الجبلية... أعداد المركبات المنقلبة على تصاعد وفق تقارير غرفة التحكم المروري وما يعرض على مواقع التواصل الاجتماعي من فيديوات لهذه الحوادث الغريبة. الأمر يكاد يتحول إلى ظاهرة في الفترة الأخيرة. وهذا المنحى التصاعدي يثير التساؤلات حول الأسباب التي تؤدي إلى انقلاب المركبة؟ هل هو خطأ بشري من السائق، أم هي حال طرقات لبنان المزرية التي تتسبب بالحوادث، أم ثمة عامل غامض هو الأكثر تأثيرًا؟ ولكن يبقى الأهم كيف يمكن للسائق السيطرة على مركبته لتجنب انقلابها؟
منذ فترة انقلب صهريج في منطقة كفرذبيان أدى إلى وفاة سائقه، وبعده انقلبت سيارة في منطقة الكفور في كسروان أسفر الحادث عن مقتل سائقها الشاب، وتأتي هذه الوفيات لتضاف إلى حصيلة ثقيلة جداً لشهر آب بلغت حتى السادس والعشرين منه 56 ضحية، عدا الجرحى والمصابين في أرقام غير مسبوقة في لبنان، دفعت الجمعيات إلى دق ناقوس الخطر بقوة وإلى إصدار اليازا تسع توصيات عممتها على مختلف المسؤولين، للحد من هذه المأساة الكبرى على طرقات لبنان. لكن رغم مخاطر حوادث السيارات القاتلة، تبقى ظاهرة انقلاب السيارات من أشدها خطرًا وتسببًا بأضرار بشرية ومادية.
من السرعة الزائدة إلى فقدان السيطرة: أسباب انقلابات السيارات تحت المجهر
مجموعة من الأسباب تتكافل لتؤدي إلى انقلاب السيارة ويأتي في مقدمها، بحسب نقيب خبراء السير نجيب شوفاني، السرعة. إذ من المستحيل أن تنقلب السيارة، إن كان السائق يقود بسرعة معتدلة، فهو حينها يكون قادرًا على السيطرة على سيارته تحت أي ظرف. السبب الثاني، يكمن في السيارة نفسها. فالسيارات ذات الدفع الرباعي عادة ما تكون مرتفعة عن الأرض ومركز الجاذبية فيها عالٍ، وأي احتكاك في إطاراتها أو صدمة على جنبها، يؤدي إلى اختلال توازنها وانقلابها. ويؤكد الخبير أن انقلاب السيارة لا يحدث من تلقاء نفسه، بل نتيجة اصطدامها بعنصر ثابت على الطريق، مثل الرصيف أو الفاصل بين المسلكين، أو إذا ارتطمت السيارة بقوة كبيرة بسيارة ثانية. أما السبب الثالث، فيعود إلى وضع السائق مثل النعاس، الإرهاق، الكحول واستعمال الهاتف أثناء القيادة، ولا سيما كتابة الرسائل النصية. وعند الشباب بشكل خاص، غالبًا ما تتضافر هذه العناصر وتجتمع معًا ويصبح التركيز مشتتًا. وحين يتفاجأ السائق بأي عائق أمامه، يجد نفسه مضطرًا للف المقود بسرعة، ما يؤدي إلى انزلاق السيارة واختلال توازنها وانقلابها على جنبها أو ظهرها خاصة إذا كان مسرعاً. أما أبرز العناصر الخارجية المسببة لانقلاب السيارة، فهو الإطار أو الدولاب الذي يعتبر في العادة الرابط بين السيارة والطريق. وحين يحدث انفجار في الإطار نتيجة تآكله، يفقد السائق السيطرة على سيارته، ويمكن أن تنقلب في حال السرعة. ومع حال الطرقات في لبنان غير المستوفية لشروط السلامة المرورية، والتي لم تشهد التعبيد منذ فترة طويلة، وبات الزفت فيها في حال سيئة جدًا، يصبح تماسك الإطارات مع الزفت غير مضمون ما يؤدي إلى الانزلاقات وانقلاب السيارات.
أما بالنسبة للشاحنات وحوادث انقلابها المتكررة، لا سيما في الفترة الأخيرة، فالأمر يعود إلى حمولتها الزائدة، وعدم توزيع الحمولة بشكل متوازن في صندوق الشاحنة. ومن المعلوم، أن الشاحنات التي تعبر طريق الشام نزولًا تتعرض لهذا النوع من الحوادث بسبب حمولتها أولًا، وطبيعة الطريق المنحدرة والملأى بالمنعطفات حيث يضطر السائق إلى استخدام الفرامل بشكل متواصل، ما يؤدي إلى حماوة الفرامل وعدم قدرة السائق بالتالي على السيطرة عليها. وفي غياب الرقابة ووجود القبابين لوزن الحمولة باتت هذه المشكلة خطرًا متجولًا على طرقاتنا يرافق كل شاحنة أو بيك أب أو حتى سيارة. فأمر الحمولة الزائدة وعدم توزيعها بشكل متوازن ينطبق أيضًا على السيارات وقد يعرضها لخطر الإنقلاب بشكل أكبر.
مهارات عملية وقيادة احترازية
ومع تزايد حوادث السير وانقلاب المركبات في السنوات الأخيرة، تبرز الحاجة الملحّة لتوعية السائقين وتدريبهم على القيادة الحذرة الاحترازية، خصوصًا على الطرق الجبلية والضيقة حيث تصبح الأخطاء الصغيرة مكلفة جدًا. جمعية Adel Metni Foundation التي تأسست تكريمًا لذكرى سائق السباقات اللبناني المعروف عادل متني، تنبهت إلى ضرورة التدريب والتعليم العملي بعيدًا من حملات التوعية النظرية التي غالبًا ما لا تأتي بالنتائج المرجوة. ووجدت أن جيل الشباب، لا سيما بين 18و25، بحاجة إلى التدرب على مهارات عملية تمكنه من التحكم بالسيارة والسيطرة عليها في ظروف متنوعة ومفاجئة وتقلل نسبة الخطأ البشري، ما يجنّب السائقين حوادث المرور، وهذه كلها أمور لا يتعلمونها حين يتعلمون قيادة السيارات.
في جولة شاملة مع جورج متني رئيس جمعية مؤسسة عادل متني والمصنف كخبير في إدارة السلامة المرورية والتنقل المستدام وخبير برياضة السيارات على أنواعها، أردنا التطرق إلى مفهوم القيادة الاحترازية وأهميته في تجنب الحوادث المرورية ومنها حوادث انقلاب السيارات.
بداية يقول متني إنه في لغة السير تم الانتقال من تعبير "حادث مروري" إلى تعبير "اصطدام مروري" وذلك لأن الاصطدام يأتي نتيجة عوامل علمية معروفة أدت إلى حصوله وليس مجرد حادث، وفيه تتضافر عوامل ثلاثة: الطريق، المركبة والسائق. وقد بيّنت الإحصاءات في لبنان والعالم أن 80 % من حواث الاصطدام المروري ناجمة عن خطأ بشري. في لبنان، لا شك أن العوامل الأخرى تلعب ضد السائق من حال الطرقات والمركبات والإطارات وغيرها، لكن لا بد من التأكيد على الخطأ البشري والسعي لخفضه من خلال تأمين مهارات احترازية للسائقين تولّد لديهم "حس توقع" المخاطر المحتملة على الطريق وتجنبهم المخاطر.
إلى الأسباب التي ذكرت أعلاه يضيف المتني أسبابًا أخرى لانقلاب السيارات أبرزها: القيادة المتهورة بفعل "التفشيخ" أو الرعونة والكحول وغيرها، بحيث يفقد السائق السيطرة على المركبة و تصبح هي التي تتحكم به، ومع السرعة العالية يزداد الخطر. والسبب الثاني، هو المناورات الخطرة التي يجريها السائق مثل الالتفاف المفاجئ أو التسلل بسرعة عالية بين خطوط الطريق. فهذه المناورات، مترافقة مع سرعة عالية، تجعل مركز جاذبية السيارة يختل فيختل توازنها وتنقلب، إما على جانبها أو قلبات متعددة. وإذا تعرّض السائق للاصطدام بحاجز ثابت أو بسيارة أخرى أثناء ممارسته مناورات خطرة، فإنه يتحول إلى راكب للسيارة بدل أن يكون سائقًا لها، وتغيب كليًا سيطرته عليها. وهنا، لا بد من إعادة التأكيد أن السيارات العالية مثل الرباعية الدفع أو الفانات الشاحنات والبولمان معرّضة أكثر للانقلاب في حال وجود قيادة متهورة، لأن مركز الثقل فيها مرتفع ومع سرعة عالية وحمولة زائدة يختل توازنها بسرعة.
على الطرقات الجبلية المتعرجة، قد تؤدي المناورات المتهورة أو أي عطل طارئ في السيارة إضافة إلى الرؤية السيئة والتلهي عند القيادة، إلى الخروج عن المسار وعدم القدرة على التحكم بالسيارة والسقوط في "المهوار" في ظل غياب الدفاعات ووسائل الحماية عند جوانب الطرقات التي تشكل رادعاً يمكن أن يعيد السائق إلى المسار الطبيعي بدل السقوط في الوديان.
في خلال سعيها لتدريب السائقين على حلول تجنبهم أنواع الحوادث المرورية على اختلافها (مع التركيز في هذا التقرير على الوقاية من انقلاب السيارة) ، تقدم جمعية مؤسسة عادل متني مجموعة من التطبيقات العملية تبدأ أولًا، بوجوب معرفة السائق للمركبة التي يقودها وإحساسه بها حتى يفهمها ويفهم كيفية التحكم بها، فلكل مركبة طريقة قيادة خاصة بها تؤمن التحكم بها. أما الحل الثاني، فيقوم على تخفيف السرعة، إذ كلما ازدادت ازدادت معها نسبة انقلاب المركبة لا سيما أن طرقات لبنان غير مجهزة للسرعة وتكاد تكون غير صالحة للسير، واعتماد سرعة أقل من المعدل المطلوب لأن السائق لا يعرف بماذا يمكن أن يتفاجأ على الطريق. ثالثًا، لا بد من التركيز المتواصل على الطريق يدويًا وبصريًا وذهنيًا والابتعاد عن أي مصدر إلهاء بغية توقع أي خطر محتمل ومفاجئ. رابعًا تجنب المناورات الحادة مثل الالتفاف المباشر والسريع الذي يؤدي إلى فقدان التوازن ومن ثم انقلاب السيارة. وأخيرًا، التخطيط للرحلة لا سيما على الطرقات الجبلية والانطلاق قبل موعدها والتيقظ طوال الطريق وتخفيف السرعة إلى الحد الأدنى، إذ تشير الاحصاءات إلى أن 70 % من حوادث الانقلاب تحدث على الطرقات الجبلية .
دولابك حصانك إن صنته صانك...
تفقد دومًا نسبة الهواء في إطارات سيارتك أو مركبتك إذ كلما ازدادت نسبة الهواء في الإطارات زاد خطر انقلاب السيارة عند تأدية أي مناورة حادة مثل الالتفاف أو التسلل. وخلال فصل الصيف بشكل خاص، لا بد من تنفيس الدواليب لأن الزفت الحامي والدواليب المنفوخة جداً والسرعة العالية عوامل تتضافر لتتسبب بانقلاب السيارة بسبب تراجع تماسك الإطار مع الطريق. وهذا يصح أيضًا في الشتاء مع المطر والجليد حيث تتسبب الدواليب المنفوخة بانزلاق المركبة.لذا، لا بد من تنفيس الدواليب حتى يزيد التصاق السيارة بالطريق.
تجنب القيادة المتهورة التي لا تسبب المخاطر لك فقط بل للآخرين أيضًا. فحين يصطدم سائق متهور بشكل قوي بالسيارة التي أمامه فقد يؤدي ذلك إلى انقلاب السيارة الأولى. لذا التزم بالمسرب الذي تسلكه ولا تتنقل بسرعة بين السيارات والخطوط، لأن أي اصطدام من الخلف أو على الجانب تقوم به، وأنت تسير بسرعة عالية، قد يؤدي إلى انقلاب السيارة الأخرى.
إذا انقلبت بك السيارة، وكنت قادرًا على الحركة، سارع إلى إطفاء محركها لأن أي تسرب للوقود أو الزيت منها، وهي لا تزال تشتغل، قد يؤدي إلى نشوب حريق. واعرف أن حوادث انقلاب السيارات تؤدي إلى إصابات قاتلة أو بليغة وإعاقات دائمة ويجب الحذر جدًا عند إخراج المصابين من السيارة المنقلبة تجنبًا للتسبب لهم بمزيد من الضرر .