المصدر: النهار
الكاتب: أحمد نظيف
الخميس 19 آذار 2026 11:55:28
في شباط/فبراير 2015، صادفت مؤرخة الفن باميلا كريمي صورةً تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي، التقطها المصور الوثائقي الفرنسي جيريمي سويكر، وتُظهر فرقةً مسرحية تجريبية تؤدي عرضاً في حمامٍ حراري قديم متروك مهملٍ في طهران. يتكدس المؤدون والجمهور معاً في قبوٍ تحت الأرض، تشعّ أجسادهم بالعفوية والمخاطرة. بالنسبة إلى كريمي التي نشأت في إيران إبان الحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي، استدعت الصورة ما هو أعمق بكثيرٍ من الإعجاب الجمالي. فقد أيقظت ذكريات ليالٍ قضتها مختبئةً تحت الدرج، ودروساً فنية سرية كانت تُعقد في قبو مركزٍ تجاري شمال طهران حيث كان أستاذها يُخفي دروس النحت عن أعين السلطات، في وقت كان فيه النحت، وفقاً لتفسيرات بعض رجال الدين محرماً. هذا التقاطع بين الشخصي والسياسي، وبين المكاني والفني، هو المحرك الأساسي لكتاب "إيران البديلة: الفن المعاصر والممارسة المكانية النقدية"، الصادر حديثاً عن جامعة ستانفورد.
تبدو الحجة المحورية للكتاب بسيطةً في ظاهرها. تؤكد كريمي أن العالم الفني غير الرسمي في إيران لا ينبغي فهمه من خلال مفهوم "الفن السري"، وهو مصطلح درامي يستهوي الجمهور الغربي، إذ يستحضر صور العروض المختبئة والمعارضة الهامسة، لكنه يعجز عن استيعاب الحقيقة الأكثر تعقيداً. تُفضل كريمي كلمة "بديل"، بوصفه مصطلحاً يُقر بالظروف المقيدة التي يعمل فيها الفنانون الإيرانيون، من دون اختزال أعمالهم في مجرد معارضة أو تحدٍّ. فليس كل ما يجري خارج القنوات الرسمية فعلاً سياسياً، بل إن بعض الفنانين ببساطة لا يجدون مكاناً آخر يلجأون إليه.
وهذا تصحيح بالغ الأهمية. فالتصور الشائع عن الحياة الثقافية الإيرانية، الذي شكّلته إلى حدٍ بعيد كتب كمذكرات آذار نفيسي الأكثر مبيعاً "أن تقرأ لوليتا في طهران"، يميل إلى رسم صورة أبيض وأسود، تكون فيها التعبيرات الفنية الأصيلة دوماً سريةً ومهددة وبطولية في مواجهتها الدولة الدينية. أما سردية كريمي فأكثر تعقيداً وأكثر أمانةً في آنٍ واحد. إنها تصف عالماً يسوده ما تسميها "السرية الفضفاضة"، وهي عالم تتداخل فيه الشرعية واللاشرعية، حيث قد تحمل مساحة أداء توقيعاً رسمياً من وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي وتظل مع ذلك تنضح بالسرية، إذ يسير الفنانون في متاهةٍ من القواعد المكتوبة وغير المكتوبة التي تتبدل مع كل حكومة جديدةٍ ووزيرٍ جديد ورئيس جمهوريةٍ جديد.
يتوزع الكتاب على أربعة فصول مفاهيمية، يتناول كل منها استراتيجيةً مكانية وزمنية مختلفة لجأ إليها الفنانون الإيرانيون للعمل خارج الهياكل الرسمية أو بموازاتها. يتتبع الفصل الأول "اللارؤية"، كسلسلةٍ تاريخية طويلة من الفضاءات المخفية، بدءاً من العروض السرية في أواخر القرن التاسع عشر والحفلات السرية خلال ثورة المشروطة، مروراً ببيوت الأحزاب اليسارية في حقبة الثورة، وصولاً إلى غرف العرض الخاصة وصالات المنازل في طهران المعاصرة. ويُعدّ تنقيب كريمي في هذا التاريخ من أبهج ما يقدمه الكتاب، إذ تكشف كيف تتجذر ممارسة صنع الفن وتوزيعه في الخفاء في الذاكرة السياسية والثقافية الإيرانية، سابقةً بذلك عام 1979 بأمدٍ بعيد.
يأخذنا الفصل الثاني "الهروبية" خارج المدينة بالكامل، إذ يتابع فنانين لجأوا إلى مواقع طبيعية نائية، مثل الصحاري والجبال والآثار، بحثاً عن حرياتٍ تعجز عنها بيئة طهران الخاضعة للمراقبة. وهنا ترسم كريمي مقارناتٍ مضيئة مع الحركات المضادة للثقافة الأميركية في ستينات القرن الماضي، مع تأكيد الطابع الإيراني الخاص لهذا الهروب من المركز.
أما الفصل الثالث "العابرية" فيدرس توظيف التدخلات الزمنية في الفضاء الحضري، من خلال عروض أداءٍ وأحداثٍ فنية وفن الشارع التي تُومض لحظةً ثم تختفي، من دون أن تُخلّف شيئاً يمكن للسلطات مصادرته أو حظره. وفي الفصل الرابع "الارتجال"، تستكشف كريمي كيف يُعيد الفنانون تهيئة الفضاءات القائمة، كالمباني المهجورة، والمنازل الخاصة، وصالات العرض التجارية، مُقوِّضين وظائفها المقصودة بأفعالٍ إبداعية هادئة ويومية.
على طول الطريق، تتنبه كريمي إلى الدور المعقد للمكان نفسه، فهو ليس مجرد خلفيةٍ للنشاط الفني، بل وسيط وشريك وبيان سياسي. ولذلك فهي تستدعي أدواتٍ نظرية متنوعة، كإنتاج الفضاء لدى هنري لوفيفر، وتكتيكات ميشال دو سيرتو واستراتيجياته، وفضاءات الذاكرة لدى بيير نورا. غير أنها تحمل نظريتها بخفة، فلا يغدو الكتاب إطلاقاً تمريناً في التجريد الأكاديمي. وتكتسب مقارناتها قيمةً استثنائية: الكومونالكا في فن الشقق السوفياتية، وعروض APTART المضادة في موسكو خلال الثمانينات، والاحتلال الإبداعي لحركة "احتلوا وول ستريت" للفضاء الحضري. هذه المقارنات تقاوم إغراء تغريب العالم الفني الإيراني، بوصفه الخطر الدائم الذي يتهدد الباحثين الغربيين عندما يكتبون عن سياقاتٍ غير غربية، وذلك بوضعه في إطارٍ أوسع وأكثر ألفة.
من بين الفنانين الكثيرين الذين تناقشهم كريمي، يبرز بعضهم بحيويةٍ استثنائية. فریدون آو، الإيراني الزرادشتي الذي درس المسرح في الولايات المتحدة وكان جزءاً من حركة الأفلام السرية في نيويورك قبل أن يعود إلى طهران، شخصية تكاد أن تبلغ مبلغ الأسطورة. فمنذ عام 1984، غدا منزله واحداً من أهم الفضاءات الفنية البديلة في البلاد. وأما بارهام غلامدار، الفنان الشاب الذي أقام أعمالاً خطية في بيت حزبٍ يساري قديم كان مقرراً هدمه، فيقدم نوعاً مغايراً من القصص.
وتبرع كريمي تحديداً في استجلاء مفارقات الإذن والترخيص. فوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ليست كتلةً صماء، فهي تتأرجح في سياساتها مع تعاقب الإدارات، وما يُتسامح معه في عهد وزير إصلاحي قد يُقمع في عهد وزير متشدد. وكثير من الأنشطة التي تبدو سرية مرخصة رسمياً، وكثير مما يبدو علنياً يكون عُرضة للإلغاء المفاجئ والتعسفي. فقد تحصل مسرحية على ترخيص الوزارة ثم تُغلقها السلطة القضائية التي لا تتبع الحكومة المنتخبة بل المرشد الأعلى. وهذا التقلب المؤسسي، المولد لاستحالة معرفة أين تُرسم الخطوط بالضبط، يولّد قلقاً دائماً خافتاً يُشكّل القرارات الفنية بطرقٍ جلية وخفية معاً. وقد عمقت وزارة الثقافة في آب/ أغسطس 2021 هذه القيود بعد الإعلان عن "أسلمةٍ" متجددة للقواعد الثقافية تحت إشراف الرئيس المنتخب حديثاً حينذاك، إبراهيم رئيسي.
إن كان للكتاب مكمن ضعف، فيكمن في كثافة مادته الهائلة. فكريمي شديدة السخاء في التوثيق، وتفانيها في توثيق أكبر عددٍ ممكن من الفنانين والفضاءات والمشاريع يعمل أحياناً ضد تدفق السرد، بحيث تبدأ الفصول بحجةٍ مفاهيمية واضحة ثم تتحول أحياناً إلى فهارسٍ وجرد، وقد يضيع القارئ بين الأشجار فلا يرى الغابة. ثمة أيضاً سؤال منهجي تُقرّ به كريمي من دون أن تحسمه كلياً: تحدي الكتابة عن مشهدٍ يظل مخفياً جزئياً بطبيعته. فوصولها إلى الفنانين الإيرانيين نشأ عن علاقات ثقة توطدت عبر سنوات من البحث الميداني والاتصال الشخصي، فهي إيرانية الأصل، ومنظورها الداخلي هو قوة الكتاب وربما مصدر بقعه العمياء في الوقت ذاته. إيران من أي "البدائل" هي التي تُوثَّق هنا؟ أي الأصوات غائبة، إما لأنها كانت بعيدة المنال وإما لأنها اختارت الصمت على الشهادة؟ تبدو هذه هي الشروط التي لا مناص منها لهذا النوع من الدراسة الذي يمثله الكتاب.
ورغم هذه التحفظات، فإن إيران البديلة عمل بالغ الأهمية. في لحظة تتحدد فيها علاقة إيران بالعالم الخارجي تقريباً من خلال الصراع الجيوسياسي والتفاوض النووي حصراً، تقدم كريمي شيئاً نادراً، هو نظرة من الداخل وخريطة للطاقات الإبداعية الاستثنائية التي تستمر وأحياناً تزدهر في ظروف القمع السياسي المتواصل. فنانوها ليسوا قديسين ولا شهداء، بل هم محترفون وبراغماتيون ومجربون يعملون بالمواد المتاحة لهم، والتي تشمل، إلى جانب الطلاء والأداء والعمارة، الثقل الكامل للتاريخ والذاكرة والملمس الخاص للمكان الإيراني.
المرسم الأحمر لهنري ماتيس، تلك اللوحة بجدرانها الحمراء كلون الدم التي صادفتها باميلا كريمي الصغيرة أول مرة خلال غارةٍ جوية عام 1987، تطارد صفحات الكتاب الافتتاحية وتكاد ألاّ تغادره. وثمة ما هو صحيح في ذلك. فالفن، في إيران كما في سائر أنحاء العالم، وجد دوماً طريقه ليُشبع الفضاء من حوله، حتى حينما يكون ذلك الفضاء تحت الأرض، مرتجلاً وهشاً ومهدداً.