إيران: الحرب والتفاوض والخيار البديل من طهران إلى بيروت

لا تزال المنطقة معلّقة على إيقاع الحدث الإيراني. الحشود العسكرية الأميركية الضخمة التي وصلت إلى الإقليم، وتتخذ وضعية قتالية، تشير إلى بلوغ الضغط مداه الأقصى. فإن نجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تحقيق ما يريده بموافقة إيران على شروطه، يمكن حينها تجنّب الضربة العسكرية التي تدفع باتجاهها إسرائيل، فيما تسعى قوى إقليمية ودولية إلى تجنبها. الأيام مفصلية، والمساعي تتكثف بغية الوصول إلى صفقة لا تؤدي إلى تفجير المنطقة، لا سيما أن حلفاء إيران هدّدوا بالاستعداد للانخراط في الحرب.

 

شروط.. وشروط مضادة

في صلب المباحثات والوساطات تبقى الشروط الأميركية واضحة، وهي:

1 إصرار أميركي على تغيير في بنية النظام وتغيير سياسته ووجهته. 

2 تخلي إيران عن تخصيب اليورانيوم.

3 التخلي عن الصواريخ البالستية.

4 التفاهم على مستقبل النفط الإيراني وأن تكون الولايات المتحدة هي المتحكمة به. 

5 إنهاء مشروع النفوذ الإيراني في المنطقة والمواجهة مع إسرائيل. 

 

في المقابل، فإن إيران تبدي انفتاحاً على التفاوض، لكنها تتمسك بالكثير من الثوابت:

1 رفع العقوبات.

2 استمرارها بالتخصيب على أراضيها، على أن يكون ذلك خاضعاً لرقابة دولية. 

3 تخفيض انتاج الصواريخ البالستية وتقصير مدياتها. 

4 أن تبقى إيران صاحبة دور أساسي في المنطقة، من خلال علاقتها مع حلفائها، وكطرف نصير لأبناء الطائفة الشيعية. 

5 موضوع النفط يبقى قابلاً للتفاوض بعد الوصول إلى تفاهمات. 

 

مخاوف روسيا 

أطراف إقليمية ودول كثيرة تسعى إلى لعب دور في التفاهم بين الإيرانيين والأميركيين وتجنب حصول معركة عسكرية. ومن أبرز هذه الأطراف:

روسيا، التي يسعى رئيسها فلاديمير بوتين إلى منع وقوع أي حرب. كما أنه التقى قبل أيام مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، اللذين بدورهما ذهبا إلى إسرائيل، والتقيا رئيس الوزراء هناك بنيامين نتنياهو. وبدا واضحاً من التسريبات أن ويتكوف يميل إلى الحل السياسي، بدلاً من الدخول في حرب، وهو ما لا تريده تل أبيب. وتسعى موسكو إلى تجنب حصول ضربة عسكرية، وبالحد الأدنى وفي حال كان لا بد منها، فإن روسيا تصر على جعلها ضربة محددة وموضعية. 

 

كذلك تسعى روسيا إلى تحييد إسرائيل عن أي ضربة أميركية لإيران، وإقناع تل أبيب بعدم الانخراط بضرب طهران، وذلك لتحييد إيران عن الرد على إسرائيل وتوسع أفق الحرب. فبالنسبة إلى روسيا، في حال لم تنخرط إسرائيل بالحرب ولم ترد عليها إيران، فإن الرد الإيراني على الأميركيين يكون محدوداً أيضاً، وهو ما يفتح الباب أمام المفاوضات والوصول إلى صفقة. 

 

.. وتركيا

تركيا أيضاً، إحدى الدول التي تسعى إلى تجنب الحرب. وقد كان تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان واضحاً في مخاطبته للأميركيين، بأن لا داعي للدخول في عملية عسكرية، وأن هناك استعداداً لدى الإيرانيين للتفاوض. بالنسبة إلى أنقرة ليس من مصلحتها تعرّض إيران لضربة تؤدي إلى انهيار دراماتيكي للنظام، لأن ذلك سيخدم المصلحة الإستراتيجية الإسرائيلية، وتصبح إسرائيل الطرف الأكثر استفادة من ذلك، وهي ستشكل خطراً على دول المنطقة ككل. بالنسبة إلى أنقرة، فالمعروف أنها بموازاة أي تحرك سياسي أو عسكري، تعتمد مبدأ وسياسة "ما تحت السطح"، والمقصود هنا هو القنوات الخلفية التي تفتحها تركيا على خط التفاوض في سبيل البحث عن صيغة ملائمة، وقد تكون هذه الصيغة البحث عن خيار يعيد ترتيب موازين القوى داخل بنية النظام الإيراني من خلال العلاقات مع شخصيات من داخل النظام. 

 

.. والخليج

دول الخليج أيضاً لديها مساعيها التي تبذلها مع الإيرانيين والأميركيين لأجل تجنب الحرب الكبرى، والتركيز على التفاوض. وبحسب المعلومات، هناك اتصالات تجريها السعودية وقطر وسلطنة عمان، لتجنب الحرب وانعكاساتها على المنطقة وأسواق النفط، ولمنع الدخول في فوضى تتطاير شظاياها إلى دول عديدة. كما أن النظرة العربية ترتكز على ضرورة حماية الاستقرار وتثبيته، وعدم حصول انهيار في إيران يؤدي إلى المزيد من التفوق الإسرائيلي، وسط أفكار عربية عديدة لإقامة نوع من القنوات المشتركة مع إيران وتركيا لتشكيل صدّ بوجه المشروع الإسرائيلي. 

 

رهانات واشنطن

وقد أصبح معروفاً أن قنوات التواصل بين الإيرانيين والأميركيين مفتوحة، لكن واشنطن تعتبر أن التوازن الحالي القائم في إيران لا يخدم المفاوضات التي تريدها. لذا تستمر بالتلويح بتنفيذ ضربات عسكرية، هدفها تعديل ميزان التفاوض، وفتح الطريق أمام شخصيات جديدة في النظام كي تكون قادرة على فرض رؤيتها. ويفكر الأميركيون في أن أي ضربة سينفذونها ستكون ضربة سريعة يمكنها أن تغير الموازين. لكن هذا الأمر لا يتفق معه الإيرانيون، الذين يعتبرون أن بنية النظام لا تزال قوية، وأن ضربة محدودة وموضعية لن تؤدي إلى سقوطه، كما أن طهران ستتعامل مع أي ضربة بوصفها حرباً شاملة. 

 

احتمالات التغيير في طهران

تتنوع الآراء داخل إيران حول كيفية التعاطي مع التطورات، بين من يشدد على التصعيد ورفض القبول بضربة موضعية والدخول بعدها في مفاوضات، بل التعاطي مع الضربة كحرب تستدعي دخول إيران وحلفائها في المنطقة في حرب طويلة وبعيدة المدى، بينما هناك آراء أخرى تشير إلى إمكانية القبول بالضربة الموضعية، وبعدها ينطلق مسار التفاوض. 

 

وما لم يظهر حتى الآن من مسار المفاوضات والرسائل التي يجري تناقلها بين الأميركيين والإيرانيين، هو البحث عن البديل، لا سيما أن أحد مسببات تأخير الضربة، أو القيام بأي خطة ضد إيران، يرتبط بعدم توفر بديل قادر على الإمساك بزمام الأوضاع على الأرض. هنا تتحدث مصادر متابعة عن وجود شخصيات من داخل إيران تسعى إلى لعب هذا الدور وتحضير أرضيته، بينما يطرح الأميركيون تنحي المرشد علي الخامنئي، ويقترحون اسم الرئيس السابق حسن روحاني لخلافته، باعتباره من الجو الوسطي، ولديه المستوى العلمي والفقهي الذي يؤهله لتولي هذا المنصب. أما سياسياً فلا يزال الخيار البديل يتركز على التعامل مع القوى القائمة، ولا سيما الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، مع صلاحيات موسعة. فيما يبقى الأهم هو ما يرتبط بالحرس الثوري والجيش، وسط مساع لتحييد الحرس الثوري أو الوصول إلى تفاهمات مع شخصيات من داخل الحرس. وفي حال تعذر ذلك، سيتم السعي إلى تعزيز قدرات الجيش ودوره وصلاحياته على حساب دور الحرس. ولكن ذلك لن يكون ممكناً من دون حصول ضغط عسكري. 

 

لبنان والعراق

ما سيجري في إيران، بأي صيغة كان، لن تبقى تداعياته محصورة داخل حدودها، بل ستكون له انعكاسات وتداعيات على دول المنطقة وعلى حلفاء إيران بالتحديد. ذلك ينطبق على لبنان والعراق بشكل خاص. وهنا لا يمكن إغفال التصريحات والمواقف الأميركية حول عدم تشكيل حكومة في العراق تمليها إيران، وأن لا تضم الحكومة العتيدة أي شخصيات محسوبة على الفصائل الموالية لطهران. وذلك أيضاً ما سيكون له انعكاس على الواقع اللبناني والتعامل مع حزب الله، الذي يريد البعض حصره في الجانب السياسي فقط وإنهاء أي دور عسكري وتفكيك البنية الأمنية له، وبين من يصر على عدم ترك أي هامش للحزب للاستمرار بالتأثير والقوة السياسية القائمة.