إيران: النظام لم يسقط لكنه مات!

هل صحيح أن سنة 2026 ستكون السنة المفصلية التي ستطوى فيها صفحة "الجمهورية الإسلامية في إيران" التي تأسست سنة 1979؟

كل المؤشرات في مطلع 2026 تفيد بأن مسار التغيير العميق في إيران انطلق منذ بضع سنوات. البعض يتحدث عن 2019، والبعض الآخر يتحدث عن انتفاضة المرأة سنة 2022، التي يجمع المراقبون على وصفها بالانتفاضة التي هزت أركان النظام الإيراني في العمق، وكشفت عن طلاق بين شرائح واسعة من الشعب الإيراني والنظام، ولا سيما على المستويين الاجتماعي والثقافي.

فعلى الرغم من أن النظام مارس القوة الساحقة لوأد الانتفاضة، فإنه لم ينجح في التخلص من عواقبها الكارثية، إلى أن تورط النظام سنة 2023 بحرب غير مباشرة ضد إسرائيل، فاتحاً الباب أمام رد إسرائيلي، منتصف سنة 2025، في عقر الدار. هذا الرد العسكري المباشر على إيران على أرضها شكل عنصراً مركزياً ضرب هيبة النظام بشكل شبه تام، خصوصاً أنه أتى في أعقاب انهيار الساحة السورية بسقوط نظام الأسد، وانهيار الذراع الأكثر "نجومية" من بين الأذرع الإيرانية في المنطقة، أي "حزب الله"، في المواجهة مع إسرائيل. هكذا أتى الانهيار المتواصل نتيجة لتراكم الأزمات الاقتصادية المالية، وتعاظم موجات الاحتجاجات الشعبية، التي تحولت - في أغلب الأحيان - إلى احتجاجات معارضة للنظام، والأهم لطبيعة النظام "الأوتوقراطية"!

للتذكير، فإن بقاء العاصمة طهران لمدة 12 يوماً تحت "احتلال" جوي فرضته المقاتلات الإسرائيلية ثم قيام القاذفات الأميركية الاستراتجية بضرب أهم منشآت البرنامج النووي الإيراني، حطما صورة النظام الذي جرى الترويج له بأنه "لا يقهر"! فجأة تجمعت فوق كاهل النظام الإيراني كل الإخفاقات المتراكمة فكانت انتفاضة المرأة لحظة تاريخية هزت أركانه، وحرب الأيام الـ 12 التي حطمت صورته، وأفقدته هيبته، وتالياً قدرته على الوقوف من جديد وإكمال الطريق وكأن شيئاً لم يكن.

وببلوغ طهران هذه الحالة الصعبة من تاريخ "الجمهورية الإسلامية" فإن إمكانية إنقاذ النظام بشكل عام صارت صعبة للغاية. والموضوع لا يتعلق بالقوة العسكرية فحسب، والتي يمكن أن تتعرض لها إيران في المدى المنظور، إذا ما قرر الأميركيون ومعهم الإسرائيلييون توجيه ضربة ثانية كبيرة، تحت شعار منع السلطات الإيرانية من مواصلة قتل المتظاهرين في الشوراع، بعدما خرجوا إلى الشارع أساساً احتجاجاً على انهيار سعر صرف العملة الوطنية، ثم توسعت الاحتجاجات تحت عنوان "تغيير النظام". الموضوع يتعلق أيضاً بمزاج انقلابي على كل ما تمثله إيران 1979 من مبادئ وأسس وأسلوب حكم وخيارات ثقافية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية.

من هنا، نحن نقف على مسافة قريبة من زلزال كبير سوف يضرب الحكم في إيران من الداخل. لم تعد ثمة جهة أو مرجعية في إيران قادرة على إعطاء كلمة الفصل في البلاد. فالمرشد الأعلى علي خامنئي يعيش خريف عمره، وقد يجمع المراقبون المتابعون لتطورات الداخل الإيراني أنه فقد القدرة على ضبط الشارع الغاضب من كل شيء...

في السابق، كان المرشد قادراً على تهدئة الشارع بخطبة الجمعة. اليوم يكاد المرشد يخرج من ضمائر الأغلبية العظمى من المواطنين الذين ينتفضون على إيديولوجيا النظام وثقافته أكثر مما ينتفضون على سياساته نفسها. ولذلك تبدو خيارات إيران الحالية كلها صعبة، بعدما خسرت حرباً مباشرة مع إسرائيل تلتها أميركا، وبعدما خسرت جزءاً أساسياً من برنامجها النووي الذي شكل رافعة وطنية نجح من خلالها النظام في تحقيق إجماع حوله. والأهم قد يكون هذا الخطأ المميت، الذي ارتكبه النظام، بمواجهة "نصف المجتمع" الإيراني، أي المرأة الإيرانية، واستطراداً بيوت الناس وحرماتها. فشكل قتل الشابة مهسا أميني تلك اللحظة المفصلية التي - برأينا - قصمت ظهر النظام نهائياً. أما لحظة السقوط أمام الهجوم الإسرائيلي-الأميركي فسجّلت بدء مسار النهاية والانحدار الشديد.

تقف إيران اليوم أمام جدار مسدود، عبّر عنه - على طريقته في الاقتصاد والاجتماع - الرئيس مسعود بزشكيان، الذي رفض أن يستخدم أسلوب إخفاء الحقائق الصعبة التي يواجهها الشعب والدولة. وهو يصارح يومياً المجتمع الإيراني بحقيقة المصاعب العميقة التي تعاني بسببها الدولة، فيميّز نفسه عن أركان النظام الكبار.

هل يعني ما تقدم أن النظام انتهى؟ هو لم يسقط، لكنه مات. وقد يقاتل بشراسة كبيرة من أجل إبقاء رأسه فوق سطح الماء. لكنه واقعياً خرج من ضمائر شرائح واسعة من الشعب. ومن دلالات النهاية أن المحتجين باتوا أقل خوفاً وأكثر جرأة على مواجهة أعتى آلة أمنية توتاليتارية عنيفة على وجه الأرض.