إيران بين نارين.. "صراع الأجنحة" يصدّع جدران السلطة وغضب الشارع يتفجر

يرى خبراء في العلاقات الدولية أن عام 2026 يجسد حالة "اختلال الموازين" الكبرى داخل بنية النظام الإيراني؛ حيث أدى الصراع المستعر بين الإصلاحيين والمحافظين إلى وضع السلطة في مواجهة "الرمق الأخير"، في ظل تمسك "الصقور" بإحكام القبضة على الشارع وعدم توفير الحد الأدنى للمعيشة اليومية والحياة الاجتماعية.

وبين الخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن مواجهة المحافظين مع الإصلاحيين، جاءت ضمن رهان "الحمائم" على مستقبلهم في السلطة وليس من أجل الشعب، وذلك بالعمل على فك جانب من الخناق الاقتصادي والمعيشي على الشارع، بمحاولات الوصول إلى تفاوض بشروط معقولة مع واشنطن، لتجنب توجيه الضربة.

وأشاروا إلى أن الصدام بين المحافظين والإصلاحيين، كان يراقبه الشارع في عام 2025، الذي كان يوحي بالمساهمة في انفجار الشارع الذي يعاني، في وقت حاول أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، علي لاريجاني، ضبط الميزان بين الصقور والحمائم، ولكنه فشل في ذلك.

صراع الأجنحة
وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أقر بمسؤولية مشتركة للسلطات التنفيذية والتشريعية عمّا آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، في وقتٍ تجاوزت فيه الاحتجاجات الشعبية اليوم العاشر على التوالي.

واعتبر الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور أحمد الياسري، أن صِدام بزشكيان مع الصقور، يعكس الأزمة الحقيقية الحالية للنظام الإيراني، التي من ضمن العوامل الداخلية التي أسهمت في التصدع والاحتجاجات الواسعة في الشارع، لاسيما بعد حرب الـ12 يومًا، في وقت وضح فيه التوتر، بين سردية الثورة وسردية الدولة، موضحا أن شعور النظام بالوجود في زاوية حرجة وفقدانه للعديد من أوراقه، كان يدفعه إلى عدم الرغبة في المخاطرة بما تبقى في يديه.

ويرى الياسري في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن العهد الإصلاحي في طهران، شهد نقاشات حادة بين أجنحة النظام حول فلسفة الدور الإيراني داخليًا وخارجيًا، في وقت ركز فيه الحمائم، على البحث عن شراكات، بينما سعى المحافظون إلى خلق بؤر نفوذ، على الرغم من أنهم كثيرا ما يستعينون بالإصلاحيين لحل الاختناقات وتجاوز الأزمات المختلفة، سواء في الداخل التي كان من أشهرها مشاكل أحمدي نجاد، بالإضافة إلى العقوبات الدولية.

ميراث الصقور المر
وفقاً للياسري، يلعب الإصلاحيون دور "فرق الطوارئ" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حيث ركز بزشكيان جهوده على إبعاد بعض الصقور وتحصين بنية الدولة من الانهيار الداخلي. لكن هذا المسعى يصطدم بتركة ثقيلة من سياسات المحافظين التي دفعت الجبهة الداخلية نحو التفتت، مما جعل النظام في مواجهة مباشرة مع احتجاجات متطورة تضعه في أصعب اختباراته السياسية.

واستكمل أن فلسفة الإصلاحيين التي تقوم على دعم العودة الاقتصادية وتحفيز التلاحم والتناغم الاجتماعي والمعالجة التدريجية للأزمات الداخلية، لو نفذ جانب منها، ما وصل النظام إلى هذه النقطة التي من الصعب العودة منها، في وقت أسهم المحافظون في المعضلات القائمة في الشارع حاليا من سياسات تقوم على فلسفة أن السلطة يجب أن تُطوّع لخدمة المشروع الثوري، وأن تخضع الدولة لهذا المشروع، في وقت أراد بزشكيان إخضاع جميع المشاريع للدولة.

وذكر الياسري أن هذا الاختلاف في الفلسفة بين الطرفين الذي كان يؤدي إلى مناوشات متكررة، جاء بالخلاصة بما يجري حاليا في الشارع من تعنت سياسات المحافظين، التي كانت تفرض نفسها، والتي وضع الجميع في صدام مع حركة الشعب.

فخ "القبضة الحديدية"
وبدوره، يرى الباحث في الشأن الإيراني، الدكتور فرهاد عمر، أن صراع الأجنحة وضع النظام في مواجهة "الرمق الأخير" بحلول عام 2026، محملًا "الصقور" المسؤولية الأكبر عن تصدع جدران السلطة.

ويوضح عمر عمر في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن الأزمة لا تكمن في المناكفات السياسية مع "الحمائم"، بل في قناعة المحافظين الواهمة بأن إحكام القبضة الأمنية وتجاهل الاحتياجات المعيشية والاجتماعية سيؤدي إلى خفض سقف المطالب؛ وهي الاستراتيجية التي أدت لنتائج عكسية، وحولت الشارع إلى قنبلة موقوتة تهدد بنسف استقرار النظام من الداخل.

ويؤكد أن الصدام الذي كان يراقبه الشارع بين المحافظين والإصلاحيين في عام 2025، رأت فيه أوساط من دائرة المرشد، أنه سيذهب إلى انفجار بانعاكسه على الشعب المتأزم من الأوضاع الاقتصادية بالمقام الأول، فكان العمل على إيجاد من يضبط الميزان بين الصقور والحمائم وهو أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، علي لاريجاني، لكنه لم يستطع القيام بالدور المطلوب منه في توحيد أفكار السلطة الإيرانية بعد فترة من استلام مهمته ولم يحدث في الوقت ذاته، أي تطور في التفاوض مع الولايات المتحدة.

رهان براغماتي
ويؤكد عمر، أن التفاف الشارع حول "الإصلاحيين" لم يكن انحيازاً أيديولوجياً، بل كان رهاناً براغماتياً على مسار تفاوضي مع واشنطن يضمن "قوت اليوم" ويخفّف حدة العقوبات.

ويضيف، أنه فيما حاول الإصلاحيون إنقاذ النظام عبر تقديم "تنازلات معقولة" تمنع الحرب وتفكك الخناق الاقتصادي، اصطدمت هذه الجهود بجدار "المحافظين" الصلب، فالحرس القديم يرى في أي اتفاق مع الولايات المتحدة تهديداً مباشراً لنفوذهم الديني وقبضتهم المطلقة على السلطة.

ويخلص، إلى أن "الصقور" فضّلوا الاحتفاظ بمقاعدهم على حساب أمن النظام، ليتركوا الشارع وجهاً لوجه مع انفجار وشيك يهدد بتقويض أركان الدولة بالكامل.