إيران تؤازر "حزب الله" في مواجهة عون: لبنان ساحة للصراع

تحولت مقابلة الرئيس اللبناني جوزاف عون مع شبكة CNN إلى الحدث السياسي الأبرز في لبنان، بعدما أطلق سلسلة من المواقف اعتُبرت الأوضوح منذ وصوله إلى رئاسة الجمهورية، في شأن دور إيران، وسلاح حزب الله، ومن يملك القرار النهائي في القضايا المصيرية للدولة اللبنانية. 

وسرعان ما أشعلت هذه التصريحات نقاشاً سياسياً حاداً وجدلاً واسعاً في البلاد، لتتحول إلى محور مواجهة مفتوحة بين خصوم سياسيين يتواجهون أصلاً حول رؤية لبنان، ومسألة سلاح حزب الله، وتموضعه الإقليمي، بين مؤيدي خطاب الرئيس والتوجه الذي ينتهجه لبنان الرسمي من جهة، وأنصار حزب الله والفريق الموالي لطهران من جهة أخرى. وبرز انقسام لبناني واضح بين من رأى في مواقف عون استعادةً لهيبة الدولة وقرارها المستقل، ومن اعتبرها، من مؤيدي "حزب الله"، اصطفافاً سياسياً يخدم الرؤية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

 بلا مواربة

الحال أن النسيج اللبناني لا يحتاج إلى مقابلة لرئيس الجمهورية كي تظهر انقساماته ويتجادل أبناؤه في رؤيتهم لبلدهم. فالخلاف القائم لا يدور حول رؤى اقتصادية أو اجتماعية أو حتى أمنية داخلية فحسب، بل حول شكل لبنان نفسه، وهويته السياسية، وتموضعه الإقليمي، ومن يملك القرار في القضايا المصيرية التي تقلب شكل الحياة للبنانيين جميعاً. 

غير أن ما منح هذه المقابلة أهميتها الاستثنائية هو أنها قد تكون المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي يصدر فيها عن الرئاسة اللبنانية خطاب بهذا القدر من الصراحة والوضوح، من دون مواربة أو تلطيف للمواقف. ولهذا يُرجح أن تشكل محطة سياسية مفصلية يستند إليها مؤيدو هذا التوجه في المرحلة المقبلة، كما قد تتحول إلى عامل إضافي في تعميق التوتر السياسي القائم بين حزب الله وأنصاره من جهة، والرئاسة اللبنانية وداعمي خطابها من جهة أخرى.

 "الشعب اللبناني ليس شعبك"

في الشق اللبناني، برزت في المقابلة بشكل خاص، رسالة الرئيس الموجهة إلى الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم عندما قال: "الشعب اللبناني ليس شعبك"، في رد على تصريحات سابقة للأخير تحدث فيها باسم اللبنانيين في سياق الصراع مع إسرائيل.

وأثارت تصريحات عون موجة واسعة من التأييد لدى شخصيات سياسية وإعلامية وناشطين اعتبروا أنها تعبر عن توجه يدعو إلى تعزيز دور الدولة وحصر قرار الحرب والسلم في مؤسساتها. ورأى مؤيدوه أن أهمية هذه المواقف تكمن في صدورها عن رئيس الجمهورية، معتبرين أنها تعكس تمسكاً أوضح بمفهوم السيادة واستقلال القرار اللبناني.

في المقابل، واجهت التصريحات انتقادات حادة من مؤيدي حزب الله وحلفائه الذين اتهموا عون ورئيس الحكومة نواف سلام بتبني خطاب ينسجم مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية. واعتبر هؤلاء أن التركيز على دور إيران وسلاح حزب الله يتجاهل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، وأن الأولوية يجب أن تكون لمواجهة إسرائيل لا لخوض سجالات داخلية.

الرد الإيراني

ولم يبقَ السجال محصوراً داخل لبنان، إذ سرعان ما دخلت طهران على خط المواجهة السياسية عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي، الذي رد مباشرة على اتهامات جوزاف عون عبر منصة "إكس"، رافضاً اتهام بلاده باستخدام لبنان كورقة مساومة، ومؤكداً أن التوصل إلى اتفاق كان سيحدث منذ زمن لو صحّ هذا الاتهام.

وفي معرض رده على مواقف الرئيس اللبناني، طرح عراقجي سردية معاكسة بالكامل، مفادها أن الجهة التي تحتل أراضي لبنانية وتهجّر سكانها وتقصف البلاد بشكل يومي، ليست إيران بل إسرائيل، مختتماً موقفه برسالة مباشرة إلى عون دعاه فيها إلى "إنقاذ لبنان من عدوه الحقيقي".

وكما حدث مع تصريحات عون، لم يمر الرد الإيراني من دون انقسام داخلي. فبينما اعتبره أنصار حزب الله ومحور المقاومة تفنيداً مباشراً لاتهامات عون وتحويلاً للنقاش نحو مسؤولية إسرائيل عن الحرب والاعتداءات المتواصلة على لبنان، رأى فيه خصوم طهران دليلاً إضافياً على استمرار انخراطها في الشأن اللبناني ومحاولة لتبرير دورها ونفوذها في الساحة اللبنانية، بل في تحويل لبنان إلى ساحة حروب مستدامة.