المصدر: نداء الوطن
الكاتب: د. جوسلين البستاني
الجمعة 28 تشرين الثاني 2025 06:53:25
منذ بداية عام 2025، نفذ النظام الإيراني أكثر من ألف حكم إعدام، أي بمعدّل ثلاثة أشخاص يوميًا، في واحدة من أكبر موجات القتل القضائي في تاريخه الحديث، وفي خضمّ إحدى أشدّ الأزمات الاقتصادية ودورات الجفاف التي عرفتها طهران منذ عقود.
ومع ذلك، يكشف المسار الداخلي لإيران طبيعة نظام لا يُبدي أي اهتمام بأزماته الداخلية أو بحياة شعبه، بل يسعى قبل كل شيء إلى إعادة بناء قوّته العسكرية، وتعزيز قبضته الأمنية، والاستعداد لجولة حرب جديدة. فالنظام السياسي القادر على اتخاذ مثل هذه الخيارات لا يمكن تصنيفه بأنه استبدادي فقط؛ بل هو موجَّه هيكليًا نحو التضحية بشعبه خدمةً لمنطقٍ استراتيجيّ هدفه الأول الحفاظ على السلطة.
هذه المقاربة الصادمة تشكّل جوهر عقيدة سياسية امتدّت إلى لبنان، حيث عملت على إنشاء تنظيمٍ مسلّح جعل المجتمع اللبناني في آخر سلّم أولوياته، ووضع الإنسان في موقع المُتصرَّف به لخدمة مشروعه. وما يفعله النظام داخل إيران ينعكس حرفيًا في أدواته الإقليمية: تهميشٌ للدولة، وتقديسٌ للسلاح، وتحويل السكان إلى أوراق تفاوض بدل أن يكونوا مواطنين. وبالتالي، فإن التوازي في السلوك بين طهران و"حزب الله" ليس صدفة، بل نتيجة بُنية واحدة: مشروع سياسي يقوم على الاستعداد الدائم للمواجهة، لا على بناء دولة قابلة للحياة.
أما الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية وأسفرت عن مقتل هيثم الطبطبائي، القائم بأعمال رئيس أركان "حزب الله"، وسقوط قتلى وعدد كبير من الجرحى داخل منطقة مدنية مكتظة، فتُبرز اعتماد "حزب الله" نموذجًا عملياتيًا يدمج قيادته العسكرية وبنيته التحتية وأنظمة القيادة والسيطرة ضمن الأحياء السكنية. هذا النموذج، مستمد من العقيدة الإيرانية الأوسع للدفاع المتقدّم والردع، عبر تحويل المدنيين إلى عناصر استراتيجية، يجعل من الفضاءات المدنية اللبنانية امتدادًا لمسرح مواجهة إقليمية لا تلعب فيه الدولة اللبنانية أي دور فعلي.
ما حدث في الضاحية ليس حدثًا عرضيًا؛ بل هو نتيجة متوقعة لمنظمة عسكرية حوّلت تكاليف المواجهة إلى السكان أنفسهم الذين تدّعي حمايتهم. ومن الطبيعي أنه، عندما تحلّ هذه المنظمة محل الدولة في إدارة شؤون الحرب والسلام، يصبح المدنيون اللبنانيون بالضرورة بمثابة حاجز جغرافي لمشروع إيران الاستراتيجي.
وليس سرًا أنه، ما دام "حزب الله" جزءًا بنيويًا من منظومة القسر الإيرانية، فإن لبنان سيظلّ عاجزًا عن استعادة سيادته أو تجنب دورات الأزمات المتكررة. وقد أظهرت أحداث عام 2024 هذه الديناميكية بوضوح، كما تُظهر الوقائع الراهنة أن خطر الحرب المتصاعد على لبنان ليس طارئًا، بل يشكّل امتدادًا مباشرًا لالتزام "حزب الله" بأولويات إيران الإقليمية. وفي هذا الإطار، فإن رفض "الحزب" نزع سلاحه لا يُعبّر عن موقف تفاوضي داخلي فحسب، بل يمثل آلية هيكلية تضع لبنان ضمن استراتيجية المواجهة الأوسع التي تعتمدها طهران. إضافة الى إعادة تأهيل "حزب الله" لقدراته العسكرية بعد وقف إطلاق النار الأخير والتي أسهمت في توليد بيئة يزداد فيها احتمال تجدّد الضربات الإسرائيلية على نطاق واسع.
ولأن الهوية الأيديولوجية لـ "حزب الله" وروايته السياسية ترتكزان على منطق المواجهة الدائمة، فإن أي حديث عن استعداد لبنان للدخول في مفاوضات، مباشرة أو غير مباشرة، قد تُفضي إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، يُعدّ تهديدًا وجوديًا بالنسبة له. وعليه، سيعمل "الحزب" على تعطيل أي مسار دبلوماسي من شأنه تقويض موقعه، ما دام يمتلك الدافع والقدرة على عرقلة خطوات من هذا النوع، من دون اكتراثٍ بما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية، أو بمعاناة اللبنانيين اليومية لتأمين مستلزمات العيش الأساسية. وفي هذا السياق، يظهر الرابط البنيوي بين إيران و"حزب الله" بشكل جليّ: فكلاهما يتعامل مع السكان باعتبارهم موارد قابلة للاستهلاك في خدمة شرعيتهما السياسية، سواء كوقود للمواجهات أو كدروع بشرية تحفظ توازن الردع. وعندما يتحوّل الإنسان إلى عنصر قابل للاستبدال، تصبح جميع أشكال العنف قابلة للتبرير ضمن منطق السلطة.
لكن السؤال الجوهري اليوم هو الآتي: بما أن الأنظمة الاستبدادية غير قابلة للإصلاح، لأنها قائمة على منطق الإخضاع لا منطق الدولة، فما هي آفاق إيران نفسها، وكيف يمكن للبنان أن يخرج من مأزقٍ، جذوره مرتبطة بعقيدة إقليمية تعتبر الدولة مجرّد واجهة، والمجتمع مجرّد تفصيل؟
لقد أظهرت التجارب المقارنة أن الأنظمة السلطوية لا تنهار لأنها "سيئة"، بل لأنها تفقد القدرة على إعادة إنتاج سلطتها. ويقوم النظام الاستبدادي عادةً على ثلاثة أعمدة رئيسية: جهاز قمع فعّال، وكتلة اجتماعية مرتبطة به، وسردية تُبرّر وجوده. وعندما يتصدّع أحد هذه الأعمدة، يدخل النظام مرحلة توتر. وعندما يتصدّع اثنان، يصبح مضطربًا. وعندما تتفكك الأعمدة الثلاثة، يتحوّل سقوطه إلى مسألة وقت.
تقف إيران اليوم على الأعمدة الثلاثة للنظام الاستبدادي، وجميعها بات هشًّا. غير أنها، بخلاف سوريا قبل عقد، لا تمتلك "حاميًا خارجيً" يمكنه التدخل المباشر لإنقاذ النظام. صحيح أن اتفاقية تعاون استراتيجي وُقعت بين إيران والصين عام 2021، وأن اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة دخلت حيّز التنفيذ بين إيران وروسيا في تشرين الاول 2025، وكلتاهما تتضمّنان مجالات تعاون أمني ودفاعي؛ إلا أنهما لا ترتقيان إلى مستوى تحالف عسكري رسمي. فالصين وروسيا شريكتان لإيران، لكنهما ليستا ضامنتين؛ بمعنى أنهما لا تمتلكان مصلحة وجودية تدفعهما إلى ضمان بقاء النظام الإيراني بصورته الحالية.
من جهة أخرى، تُظهر التجارب التاريخية أن الأنظمة السلطوية لا تتفكّك تدريجيًا، بل تنهار فجأة بعد مسار طويل من التآكل البنيوي. والعوامل التي سبقت انهيارات مماثلة تتكرر اليوم في الحالة الإيرانية: استياء اجتماعي واسع، اقتصاد يقترب من العجز البنيوي، شرعية سياسية متآكلة، وانقسامات نخبوية آخذة في الاتساع وإن بقيت غير معلنة.
وإلى أن يحدث ذلك الانهيار، ويسقط معه الذراع الإقليمي الأكثر حيوية للنظام، أي "حزب الله"، سيظلّ اللبنانيون شعبًا تحكمه ميليشيا، تخلّت عنه الدولة، ومحاصرًا داخل حرب ليست حربه.