إيران لن تتنازل وترامب لن يتراجع… والمنطقة تحبس أنفاسها

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع مسارات التفاوض والتصعيد على نحو غير مسبوق، فيما يترقب لبنان تداعيات المشهد من حوله سياسياً وأمنياً واقتصادياً. فإيران لا تستطيع أن تتنازل بعد وصولاً إلى ما تريده واشنطن، وترامب لم يعد قادراً على التراجع عن خيار ضرب إيران.

فمفاوضات الملف النووي الإيراني، التي أنهت جولتها الثالثة في جنيف بوساطة عُمانية، تدخل مرحلة أكثر تعقيداً مع انتقالها إلى التفاصيل التقنية الأسبوع المقبل في فيينا. وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي إعتبر أن جولة المفاوضات كانت "الأكثر كثافة حتى الآن، وقد اختُتمت بتفاهم متبادل على مواصلة الانخراط في مناقشات أكثر تفصيلاً بشأن القضايا الأساسية لأي اتفاق، بما في ذلك رفع العقوبات والخطوات المرتبطة بالملف النووي".

وتترافق هذه التطورات مع سيل من التسريبات الصحافية التي تعكس تبايناً في السقوف بين واشنطن وطهران، وتطرح تساؤلات حول حدود الممكن في هذه المرحلة الدقيقة. ومن تلك التسريبات ما نقلته "أكسيوس"، عن خيبة أمل يشعر بها مبعوثا ترامب إلى المفاوضات ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مما قدمه الإيرانيون في جنيف.

وفي السياق، تؤكد مسقط، عبر الوساطة التي قادتها، دورها كقناة تواصل موثوقة بين الطرفين، في وقت تتزايد فيه مؤشرات الضغط الأميركي، ولا سيما مع تحرك حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جيرالد فورد" من جزيرة كريت باتجاه شواطئ حيفا، في رسالة عسكرية واضحة تتزامن مع مسار التفاوض.

هذا التوازي بين الطاولة والبارجة يعكس طبيعة "السباق المحموم" بين الدبلوماسية والحرب، حيث تحاول العواصم المعنية تسجيل نقاط تفاوضية تحت سقف التهديد، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، على عكس ما تتمناه إسرائيل التي تدفع بقوة نحو التصعيد والتشكيك بجدوى المفاوضات.

توازن هش في المنطقة

التسريبات المتداولة من جنيف تشير إلى مقترحات مرحلية تتصل بتجميد التخصيب مقابل تخفيف محدود للعقوبات، إلا أن المشهد لا يزال محكوماً بانعدام الثقة المتراكم منذ انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو المنطقة بأسرها رهينة توازن هش: فأي تقدم تفاوضي سينعكس تهدئة نسبية، فيما قد تدفع أي انتكاسة إلى مزيد من الاستعراضات العسكرية، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك.

لبنان وهاجس الانزلاق إلى المواجهة

لبنان، بحكم موقعه الجيوسياسي وتركيبته الداخلية، ليس بعيداً عن ارتدادات هذا المشهد، حيث يسود القلق من احتمال تدخل غير محسوب لـ"حزب الله" في حال اندلاع مواجهة كبرى، رغم ما نقله مسؤول في حزب الله، لجهة عدم تطبيقه منطق الإسناد في المواجهات الإيرانية الأميركية، إلا إذا كان استهداف لمرشد الجمهورية السيد علي خامنئي. 

ومن هنا تكتسب مواقف رئيس الحكومة نواف سلام أهمية خاصة، ولا سيما في إطلالته عبر "تلفزيون لبنان" في الذكرى الأولى لنيل حكومته الثقة.

سلام شدّد على المضي قدماً في تنفيذ خطة الجيش في شمال الليطاني، بعد إنجازه المرحلة الأولى جنوب الليطاني، بهدف حماية لبنان وبسط سلطة الدولة وفق البيان الوزاري واتفاق الطائف الذي ينص على بسط سلطة الدولة بقواها الذاتية. كما أكد أن الاستقرار الأمني يشكل أولوية مطلقة في ظل العواصف الإقليمية.

وأعرب عن أمله في "أن يتحلى حزب الله بالعقلانية والحكمة والوطنية التي تمنع أي أحد من جرّ لبنان إلى مغامرات جديدة، في وقت ما زلنا نخرج من نتائج حرب إسناد غزة التي لم تنفعها بشيء، ونحن بغنى عن خيارات كهذه لا يمكننا تحمل أكلافها".

الانتخابات بين الحكومة ومجلس النواب

في مقاربته للملف الانتخابي، أعاد سلام التأكيد أن أي تعديل للقانون الانتخابي، وخصوصاً ما يتصل بتوزيع المقاعد على الدوائر، هو شأن تشريعي بامتياز، رامياً الكرة في ملعب رئيس مجلس النواب نبيه بري، في موقف يعكس تمسكه بمبدأ فصل السلطات واحترام الأصول الدستورية.

ويعيد هذا التموضع رسم حدود المسؤوليات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويضع النقاش الانتخابي في إطاره المؤسساتي الصحيح بعيداً من المزايدات السياسية.