المصدر: eremnews
السبت 6 حزيران 2026 15:18:46
يمر جنوب لبنان بأخطر منعطف عسكري وجيوسياسي منذ اندلاع شرارة المواجهات، إذ دخلت المنطقة في مرحلة حرجة تتداخل فيها الحسابات العسكرية الميدانية مع المناورات الدبلوماسية الدولية.
ولم يعد المشهد مجرد مناوشات حدودية أو قصفاً متبادلاً ضمن قواعد اشتباك كلاسيكية، بل تحوّل إلى استراتيجية هجومية إسرائيلية مركبة تسعى بوضوح إلى تفكيك وإعادة ترتيب البنية الجغرافية والديموغرافية للحواضر اللبنانية الكبرى في الجنوب.
ويأتي هذا التحول الميداني المتسارع بالتزامن مع مرحلة سياسية بالغة الحساسية، متمثلة في الإعلان عن اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار برعاية أمريكية ودولية، مما يضع الجبهة في حالة سباق نفوذ محموم بين لغة المدافع ومسودات الاتفاقيات السياسية.
وفي عمق المشهد الميداني، تتركز العمليات العسكرية الإسرائيلية الحالية حول مدينة النبطية، التي تمثل العاصمة الإدارية والثقل التاريخي والعصب الاقتصادي لمنطقة جنوب لبنان بالكامل.
معركة النبطية
وقال خبراء، إن الرصد الميداني لحركة الجيش الإسرائيلي يُظهر أنه لا يسعى فقط للدخول
إلى الأحياء السكنية، بل يعتمد على استراتيجية "الإطباق والسيطرة بالنار" عبر محاصرة المدينة من محاورها الأساسية والسيطرة على التلال والمرتفعات الجبلية الحاكمة المحيطة بها.
وأكدوا أن السيطرة على هذه المرتفعات الاستراتيجية تمنح القوات المهاجمة "ميزة كشف كامل للمنطقة والتحكم بمسارات الإمداد والتحرك".
ويتجاوز الهدف الجيوسياسي الأبعد لهذه الخطة، بحسب الخبراء، حدود المدينة نفسها، إذ تسعى الهجمات إلى تمهيد الطريق لفصل منطقة البقاع الغربي عن عموم الجنوب الجغرافي.
ويعني هذا الفصل عملياً عزل خطوط الدفاع وتفتيت الترابط بين الحواضر الشيعية الكبرى والعمق البقاعي، وهو ما يغير شكل الخريطة اللوجستية والعسكرية التي اعتمدت عليها المقاومة لسنوات طويلة.
مفارقة الاتفاق والواقع الملتهب
وقال المحلل السياسي ميشيل نجم، إن "هذه التطورات الميدانية العنيفة تأتي بالتزامن مع إعلان واشنطن عن تفاصيل اتفاق أمني معقد يهدف إلى فرض تسوية طويلة الأمد".
وأوضح نجم في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن "هذا الاتفاق، الذي يبدو إيجابياً في أروقة السياسة، يرتكز على ركائز أمنية صارمة، أبرزها انسحاب المسلحين والقدرات الصاروخية لحزب الله إلى شمال مجرى نهر الليطاني، وإعادة انتشار الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) في المنطقة الحدودية، مع وضع آليات رقابة دولية لضمان عدم إعادة التسلح".
لكن "المفارقة الصارخة"، وفقاً للمحلل نجم، "تكمن في المسافة الشاسعة بين النصوص المكتوبة على الورق والواقع المشتعل على الأرض. فرغم الأجواء التفاؤلية التي تبثها القنوات الدبلوماسية، لم تشهد جبهة الجنوب أي تهدئة فعلية، بل على العكس تماماً؛ صعّد الجيش الإسرائيلي من وتيرة غاراته الجوية مستخدماً سياسة التدمير الممنهج والقبة النارية فوق أحياء مدينة النبطية والبلدات المحيطة بها وقرى أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون".
من جهته، يرى المحلل السياسي طانيوس صبري الحاج، أن "هذا السلوك العسكري يعكس بوضوح تبني تل أبيب لنهج التفاوض تحت النار كأداة ضغط استراتيجية. فالهدف من استمرار الغارات المكثفة واستهداف البنى التحتية والمراكز الحيوية، حتى بعد الإعلان عن الاتفاق، هو إشعار الطرف اللبناني بالإنهاك الشديد وتثبيت وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها في جولات المفاوضات المباشرة التفصيلية المرتقبة في أواخر يونيو/حزيران الجاري".
وقال الحاج في تصريح لـ"إرم نيوز": "لا يمكن فصل البعد العسكري عن الكارثة الإنسانية المتفاقمة التي تعيشها مناطق الجنوب والنبطية على وجه الخصوص. فقد أدت الغارات المكثفة وحصار المحاور الرئيسية إلى موجات نزوح قسري واسعة النطاق، أفرغت قرى بأكملها من سكانها، وتحولت النبطية من مدينة تضج بالحياة إلى منطقة عمليات عسكرية شبه خالية ومحاصرة بالنيران".
وأشار إلى أن "التدمير الممنهج للأحياء السكنية والأسواق التاريخية يهدف إلى ضرب مقومات الصمود المجتمعي، وخلق بيئة طاردة تمنع العودة السريعة للسكان حتى في حال سريان وقف إطلاق النار، مما يعزز فرضية رغبة إسرائيل في إنشاء منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع مفرغة من مقومات الحياة الأساسية".
آفاق المرحلة القادمة
وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن جنوب لبنان لا يزال يعيش مرحلة خطيرة، والأيام والأسابيع القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير المنطقة برمتها.
وبحسب مراقبين، فإنه إما أن تنجح الضغوط الدبلوماسية الدولية في فرض كوابح حقيقية على الآلة العسكرية الإسرائيلية وإجبارها على الالتزام ببنود الاتفاق وتفكيك الحصار عن النبطية، وإما أن يستمر الميدان في فرض شروطه، لتتحول الهدنة المفترضة إلى مجرد استراحة محارب قصيرة تسبق جولة صراع أوسع وأكثر دموية.
وعلى الأرض، لا يزال المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، فبينما تقترب المواعيد الدبلوماسية المقررة في نهاية يونيو، تواصل الطائرات الإسرائيلية رسم حدود جديدة بالدم والنار، مؤكدة أن الكلمة الفصل لا تزال تُكتب في الميدان قبل أن تُوقَّع في ردهات السياسة الدولية.