"اتفاق مكة" نواة لإصلاح توازن الإقليم: لبنان وسوريا على الخط

سيُقال الكثير عن "اتفاق مكة"، الذي جرى توقيعه بين المملكة العربية السعودية، تركيا، وباكستان، علماً أنه سيكون قابلاً للتوسيع بانضمام دول جديدة، بينها قطر أو سوريا، في إشارة إلى أهمية المشروع ورمزيته ودوره المتعدد الأبعاد. لكنه بالحد الأدنى يمثل طرحاً عربياً وإقليمياً لمشروع جديد، قد يهدف لمواجهة المشروع الإيراني أو التصدي للهجمات والاعتداءات الإيرانية، بينما يبقى الأساس فيه التصدي للمشروع التوسعي الإسرائيلي الذي يعلن عنه المسؤولون الإسرائيليون وعلى رأسهم نتنياهو، الذي كان أول من قال إن اسرائيل تريد التصدي للمحور الراديكالي السنّي القابل للتشكل. أما البُعد الدولي لمثل هذا الاتفاق فسيكون ذا أثر على توازنات منطقة الشرق الأوسط والتوازنات العالمية خصوصاً في ضوء التنافس أو التصارع الأميركي الصيني. 

 

موقع طهران

لدى التوقيع، حرصت الدول الثلاث على تأكيد أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها، وأنه ذو طابع دفاعي لا هجومي، سيتخلله الدخول في مشاريع عسكرية ودفاعية مشتركة، فالسعودية تمثل الثقل العربي والإسلامي، وتركيا تمثل الثقل التقني والعسكري المتطور وهي الدولة الأساسية في حلف الناتو، أما باكستان فلديها القنبلة النووية. تحرص هذه الدول على عدم إظهار المشروع بوصفه تكتلاً سنياً فقط، وعلى الرغم من اعتباره موجهاً ضد إيران وانتقاده من قبل الإيرانيين فيمكن لطهران إن غيرت سلوكها تجاه الدول العربية أن تكون على صلة بمثل هذا التحالف في إطار تعزيز الوضع الإقليمي. ولكن من جهة أخرى، يمكن لهذا التحالف أن يكون للتصدي للهجمات الإيرانية أو للاستعداد لاحتمال تجدد الحرب في المنطقة وتشكيل نقاط قوة للتصدي للهجمات الإيرانية إذا لم يتم الوصول إلى تفاهمات مع إيران. 

 

حلفاء واشنطن

الدول الثلاث على علاقة تحالفية مع الولايات المتحدة الأميركية، ولكن لا يمكن إغفال حجم معاناة هذه الدول كلها مع واشنطن، ولا سيما السعودية ودول الخليج العربي، إذ أن الاتفاقات العسكرية مع واشنطن لم توفر الحماية الكافية لدول الخليج في ظل الاعتداءات الإيرانية، سواء في هذه الحرب أم قبل سنوات لدى استهداف لمنشآت آرامكو، حتى تركيا التي لديها علاقة جيدة مع ترامب حالياً، كانت علاقتها سيئة مع أوباما ومع الحزب الديمقراطي إجمالاً، كما أن باكستان تجد نفسها على تنافس دائم مع الهند التي تمتلك علاقة استراتيجية بإسرائيل وجيدة بالأميركيين، ما يعني أن هذه الدول تجد نفسها بحاجة إلى هذا التحالف والتقاطع في ما بينها بحثاً عن تعزيز القدرات الدفاعية وتشكيل ثقل على المستويين الدولي والإقليمي. 

 

إسرائيل والتخريب

من شأن هذا الاتفاق أن يشكل توازناً على مستوى المنطقة، إضافة إلى تشكيل قدرة ردعية ضد إيران أو ضد إسرائيل، وهناك دول عديدة يمكنها أن تنضم إليه. ذلك بالتأكيد سيكون مشروع تحد لتل أبيب، التي لا بد من انتظار كيفية التعامل معه، لكنه لا يمكن أن يكون بعيداً عن التنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية التي تبدو حريصة على العلاقة مع هذه الدول الثلاث، خصوصاً في ضوء التنافس الحالي والصراع المستقبلي مع الصين، ومثل هذه التحالفات التي ترتبط أيضاً بمشاريع للممرات الطاقة والتجارة على مستوى العالم تريد الولايات المتحدة الأميركية أن تكون صاحبة التأثير الأكبر فيها، مع مساعيها المستمرة لتطويق الصين. أما إسرائيل فقد تسعى إما إلى تخريب مثل هذا الاتفاق أو ضربه أو التأثير سلباً في مساراته من خلال مواصلة التصعيد في دول المنطقة التي تعتبر أساسية لاستقرار هذا الاتفاق والمشروع، كمثل تكثيف عملياتها واعتداءاتها على سوريا وعدم جعلها بيئة مستقرة لتكون الممر الأساسي لمشاريع الربط بين الخليج وتركيا والبحر المتوسط، وكذلك الأمر بالنسبة إلى لبنان الذي تدفعه إسرائيل إلى اتفاق معها لتبعده عن سياق أي تفاهم إقليمي آخر. في المقابل يبقى مشروع إسرائيل ضرب أي اتفاق من هذا النوع واستقطاب الدول إلى اتفاقات معها، لتكون هي الممر الأساسي للتجارة والنفط بين الخليج والمشرق العربي وأوروبا، وهي تريد مواجهة تركيا بهذا الصدد.  

 

توقيت مفصلي

يأتي الاتفاق في توقيت مفصلي، لا ينفصل عن مسار الحرب والمفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وهو حتماً يأتي استباقاً لأي حرب أو اتفاق، إذ لا تريد السعودية ودول الخليج معها أن يصب أي اتفاق أميركي إيراني في صالح طهران على مستوى توازنات المنطقة، دول كثيرة ستتأثر به، أبرزها سوريا ولبنان والعراق. واستناداً إلى هذا الاتفاق، تسعى تركيا إلى طرح مشروعها الذي يتقدم على مستوى المنطقة وعلى خط الغاز والتجارة في شرق البحر المتوسط. وهو ما تبحث عنه أنقرة من خلال اتفاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، في سوريا. 

 

توسّع تركيا

كما أن تركيا تستعد في الأسابيع المقبلة للإعلان عن مشروع ربط لأنابيب النفط والغاز مع جمهورية قبرص التركية، ما يعني المزيد من التمدد والتوسع التركي في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهو ما سيدفع أنقرة للإطلالة أكثر على الملف اللبناني إلى جانب نفوذها الثابت والمتطور في سوريا، سوريا التي تطمح لأن تكون معبر تصدير النفط الخليجي إلى أوروبا. لبنان لن يكون بمنأى وقد سمع نصائح كثيرة من أردوغان بهذا الشأن، ولا يريد أن يخسر الاستفادة لا من خطوط كركوك والبصرة باتجاه بانياس ولا أن يخسر الاستفادة من مشروع طريق الحجاز. في السياق أيضاً، تطرح تركيا مشروعاً للربط الكهربائي مع السعودية، ونقل الكهرباء من السعودية إلى تركيا مروراً بالأردن وسوريا. وتطرح أن يكون لبنان على جدول الاستفادة من هذا المشروع.