احتفال للرابطة المارونية في غوسطا في ذكرى تطويب البطريرك الدويهي

بدعوة من الرابطة المارونية لجنة الثقافة والتراث والحوار بين الأديان، أقيم احتفال في كنيسة مار أنطونيوس الكبير في غوسطا في الذكرى السنوية الثانية لتطويب البطريرك اسطفان الدويهي تخلله قداس إلهي ترأسه راعي أبرشية جونية المارونية المطران يوحنا الورشا، بحضور رئيس الرابطة المارونية مارون الحلو وأعضاء المجلس التنفيذي وعدد من الفاعليات يتقدمهم الوزير السابق جوني القرم ورئيس  بلدية غوسطا زياد الشلفون والمخاتير والرئيسة العامة لراهبات القربان المقدس المرسلات الأم ماغي أضباشي ورؤساء ومقررو لجان الرابطة ووفد من اهدن زغرتا ووفد آخر من مجدل المعوش وخدمته المرنمة ليال نعمة.

وألقى المطران الورشا عظة تكلم فيها عن مسيرة البطريرك الدويهي وكيف خلق حالة نهضة ليتورجية، مؤكداً انه "صورة البطريرك الحقيقي الذي قاد الكنيسة المارونية وهو وجدانها واكتسب الروحانية من وادي قنوبين"، آملاً "ان يصبح الطوباوي الدويهي قديساً على مذابح الكنيسة ليشفع بلبنان".

 

 تلا ذلك ندوة عن صاحب الذكرى إفتتحها رئيس الرابطة المارونية مارون الحلو بكلمة تحدث فيها عن غوسطا كأرض للبطاركة والأديار وعن إقامة البطريرك الدويهي فيها.

كلمة رئيس الرابطة المارونية

وجاء في كلمة رئيس الرابطة "كلمة رئيس الرابطة :"أهلًا وسهلًا بكم في بلدة لا تُقرأُ صفحاتُ تاريـخِها في الكتبِ فحسب، بل تُتلى بين حجارة ِأديارِها، وتُسمعُ في أجراسِ كنائسها، وتَنبُضُ في ذاكرةِ أهلها.

أهلًا وسهلًا بكم في غوسطا، بلدة الأديار والأحبار، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الكنيسة المارونية، فغدت عبر القرون منارةً للرهبنة وحاضنةً للعلم وموئلًا للبطاركة، وقلبًا نابضًا في كسروان.

أهلًا وسهلًا بكم في الأرض التي أفخر بأنـها أرضُ والدي ووالدتي، والأرضُ التي لم تكتفِ بأن تـحفظَ تاريخَ الموارنة، بل شاركتْ في صنعه، وقدّمت للكنيسة أربعةً من بطاركتِها الكبار.

فمنها البطريرك يوسف ضرغام الخازن، الذي جعل من التعليمِ رسالةً، ومن النهضة مشروعًا، فأسس مدرستي عينطورة في كسروان وزغرتا في طرابلس، واستقدم الآباء اليسوعيين، وأسس دير مار يوسف ليكون مركزا لرسالتهم في جبل لبنان، وترأسَ في سيدة اللويزة سنة 1736 المجمعَ اللبناني الذي يُجمع المؤرّخون والباحثون على أنه من أكثر المحطات أهمية في تاريخ الموارنة. قبل أن يوارى الثرى في غوسطا سنة 1742، فكأنه اختار أن يبقى فيها حياً بذكراه بعد رحيله.

ومنها البطريرك إلياس محاسب، الذي ارتبطَ اسمُه بإحدى أكثرِ المحطاتِ دقةً في تاريخ البطريركية.

ومنها البطريرك يوسف إسطفان، الذي اتـّخذَ من دير القديس يوسف في غوسطا مقرًا بطريركيًا، وربطَ بين الإيـمان والعلم، فكان من روادِ النهضةِ التربويةِ المارونية. ففي عهدِه أعيدَ تنظيمُ المدرسةِ المارونيةِ في روما، وتنازلَ عن ملكِ عائلتِه في مدرسةِ "عين ورقة" التي استحقّتْ لقبَ "السوربون المارونية". وفي أيامِه دخلتِ الإمارةُ الشهابية في حضنِ الكنيسةِ المارونية، لتبدأَ مرحلةٌ جديدةٌ من تاريخِ لبنان.

وكذلك هناك البطريرك يوحنا بطرس الحلو، الذي جعلَ من البناءِ والإصلاحِ عنوانًا لـحبريته: رمّمَ المقر البطريركي في وادي قاديشا، ونقل مقرّها الصيفي إلى الديمان، وطوّر المدارسَ الإكليريكية، وجعل عام 1817 دير مار مارون في كسروان مدرسةً عامةً للطائفة المارونية في لبنان. وكان من دواعي سروري شخصيا أن أكون قد ساهمت في تـخليد ذكراه، من خلال تقديم تـمثاله القائم اليوم في حديقة البطاركة في الديمان، وفاء لرجل ترك أثرا لا يـمحى في تاريخ الكنيسة والوطن.

ولعلَّ خيرَ تجسيدٍ لعلاقةِ غوسطا بالدورِ البطريركي التنويري الذي طالَ إشعاعُه كلَّ لبنان ومن خلال لبنانَ المنطقة العربية برمّـتها، هو حضور البطريرك الطوباوي مار إسطفان الدويهي في ربوعها، حيث تابع نشاطه الفكري النهضوي على مختلف الصعد.

فبعد انتخابِه بطريركًا سنة 1670، وجد غبطة السيد البطريرك في دير مار شليطا-مقبس ملاذًا، عاد إليه مرارًا، حتى غدا عمليًا مقرًا بطريركيًا خلال مراحلَ متعددةٍ من حبريتِه. ومن غوسطا أدارَ شؤونَ الكنيسة، وسامَ الكهنةَ والشمامسةَ والأساقفة، وراسلَ الكرسي الرسولي، وواصلَ كتابة مؤلّفاتِه الغزيرة والقيّمة التي أرّخَتْ للكنيسةِ المارونية وصاغت ذاكرتـَها الجماعية. وفي سنة 1672 أشرفَ بنفسِه على ترميمِ كنيسةِ الدير، بالتعاونِ مع الخوري سركيس محاسب، وما زال النقشُ السرياني المنقوشُ على جدرانـِها يشهدُ بأن أعمالَ التجديدِ جرت "في أيام سيدنا البطريرك إسطفان الأنطاكي. وبذلك لم تكن غوسطا بالنسبة إلى البطريرك الدويهي مجردَ مكانِ إقامة، بل أصبحت عاصمةً بطريركيةً ثانية، كتب منها جانبًا مهمًا من تاريخ الكنيسة المارونية".

أضاف "إذا كانت غوسطا أرضَ البطاركة، فهي أيضًا أرض الأديار. من دير سيدة النصر-نسبيه، إلى دير مار شليطا مقبس، إلى دير المخلّص الكريـم، أولِ مقرٍ لـجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة، إلى مدرسةِ وديرِ عين ورقة التي خرّجتْ بطاركة وأساقفة وعلماء وأدباء، وأسهمت في النهضة الفكرية والكنسية في لبنان. ولا يكتمل هذا المشهد الروحي-الثقافي التنويري من دون ذكر دير الأرمن في بزمار ودير السريان في الشرفة، اللذين يضيفان إلى غوسطا بعدًا كنسيًا مسكونيًا مشرقيًا، يـجعلها مساحةً للقاء التراثَين الماروني والشرقي، وملجأً وملاذًا لكلّ فكرٍ يحتاج إلى الأمان والاستقرار.

وفي هذه الأجواء المُفعمة بالإيـمان والتاريخ، وفاءً لرسالة بطاركة غوسطا، الذين جعلوا من التعليمِ رسالةً وخدمةً مـجانية، يسرنا أن نعلن، باسم الرابطة المارونية، إطلاقَ مبادرة لدعم تعليم أبنائنا الطلاب الموارنة في المدارس الكاثوليكية، إيـمانًا منا بأن الاستثمار في الإنسان هو أسـمى الاستثمارات وأبقاها أثرًا. كما ألتزم أيضًا بالمساهمة في ترميمِ وإصلاحِ الصفوف في ثانوية غوسطا الرسـمية، إيـمانًا مني بأن دعمَ التعليم مسؤوليةٌ وطنيةٌ وأخلاقيةٌ تتجاوز كلَّ الانتماءات.

صاحبَ السيادة،

لطالما كنتم ابنًا وفيًا لأبرشيتكم، واليوم أنتم أبٌ لها، وكما كانت غوسطا أمينةً وفيّةً للأحبارِ الموارنة في دورهمِ الروحي-الثقافي ومتفاعلةً معه، فإنها ستكونُ إلى جانبكم في مسعى لاستعادةِ هذا الدورِ الذي تميّزَ به آباؤنا وأجدادنُا وأعطاهم وأعطى لبنانَ مكانتَه المميّزة.

فما زرعه أولئك البطاركة قبل قرون، نريدُه أن يبقى حيًا فينا اليوم، لأن الأممَ لا تُبنى بالحجارةِ وحدَها، بل بالعلمِ والإيـمانِ والإنسان".

وتوالى على الكلام في الندوة جرجي حبيب باسيل عن محطات مارونية مضيئة في غوسطا، وميشال أنطوان الحكيّم عن تكريس الطوباوي لدير عين ورقة واستشرافه لمستقبله، وسابين جدعون محاسب عن البطريرك الدويهي في دير مار شليطا مقبس في غوسطا.