المصدر: إرم نيوز
الثلاثاء 22 أيلول 2026 18:01:14
كشف مصدر أوروبي مطلع على التقييمات الأمنية المتعلقة بالصراع الروسي الأوكراني لـ«إرم نيوز» أن أجهزة أمن واستخبارات في عدد من دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» تتعامل مع تصاعد العمليات الهجينة الروسية باعتباره تحولًا يتجاوز مجرد اختبار ردود الفعل الغربية على المدى البعيد، إلى محاولة لقياس حدود قدرة الحلف على التعامل مع استفزازات محدودة يمكن تنفيذها دون الوصول إلى مستوى الحرب التقليدية الشاملة.
وأوضح المصدر أن حادثة مطار لايبزيغ الألماني تمثل نموذجًا بالغ الحساسية لهذا النوع من التهديدات، بعدما أعلنت برلين رسميًّا في سبتمبر/ أيلول مسؤولية روسيا عن محاولة هجوم بطائرة مسيرة محملة بالمتفجرات استهدفت طائرة شحن أوكرانية في المطار، معتبرة الواقعة جزءًا من حملة روسية أوسع من العمليات الهجينة.
وأضاف المصدر أن المخاوف الأوروبية تتركز بصورة خاصة على قدرة موسكو على اختبار «الخطوط الحمراء» للحلف عبر عمليات محدودة ومدروسة، بحيث يكون حجم الضرر أو طبيعة الهجوم كافيين لإثارة أزمة سياسية وأمنية، لكن دون منح الدول المستهدفة مبررًا واضحًا للانتقال مباشرة إلى مواجهة عسكرية واسعة.
لايبزيغ.. من حادث أمني إلى اختبار للناتو
وتكتسب واقعة مطار لايبزيغ أهمية خاصة بسبب طبيعة الهدف، إذ عُثر في 4 أغسطس آب على طائرة مسيرة محملة بمتفجرات بالقرب من طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ/هاله، وهو مركز رئيسي للشحن ويُستخدم كذلك في عمليات مرتبطة بالنقل العسكري الأوروبي.
وأعلنت الحكومة الألمانية في الأول من أيلول أن التحقيقات خلصت إلى مسؤولية روسيا عن العملية. وقال وزير الداخلية ألكسندر دوبريشت إن الأدلة تشير إلى أن الدولة الروسية وفرت المعرفة والمعدات، بينما جرى تجنيد منفذين محليين لتنفيذ العملية.
وكانت التحقيقات أشارت كذلك إلى العثور على طائرات مسيرة أخرى مرتبطة بالواقعة، فيما أفادت تقارير لاحقة بوجود مؤشرات تقود المحققين إلى مشتبه بهم، أحدهما روسي والآخر بيلاروسي، مع بحث صلات محتملة بأجهزة الاستخبارات العسكرية الروسية.
وبذلك، لم تعد القضية بالنسبة لبرلين مجرد حادث طائرة مسيرة، وإنما أصبحت جزءًا من نمط أوسع من عمليات التخريب والضغط والهجمات الهجينة التي تقول السلطات الأوروبية إنها تستهدف البنية التحتية والدعم الأوروبي لأوكرانيا.
اختبار "المنطقة الرمادية"
وتخشى عواصم أوروبية من أن تعتمد موسكو على ما يمكن وصفه بـ«المنطقة الرمادية»، أي تنفيذ عمليات تقع بين السلم والحرب، وتستخدم فيها أدوات مثل المسيرات والتخريب والهجمات السيبرانية والتدخلات السرية.
وتسمح هذه الإستراتيجية، في حال ثبوت مسؤولية الدولة المنفذة، بتحقيق تأثير أمني وسياسي كبير دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، كما تمنح الجهة المتهمة مساحة للإنكار أو التشكيك في المسؤولية.
وتقول بولندا، على سبيل المثال، إن روسيا قد تسعى إلى تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة أو صواريخ داخل أراضي دول أعضاء في الناتو، مع تقديمها لاحقًا باعتبارها حوادث عرضية بهدف إضعاف استعداد الحلف للتحرك الجماعي.
وحذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من أن مثل هذه الهجمات قد تستهدف دولًا أوروبية داعمة لأوكرانيا، معتبرًا أن الخطر يتمثل في محاولة إرباك القرار السياسي للناتو وإضعاف الثقة في مبدأ الدفاع الجماعي.
من المسيرات إلى التوغل المحدود
وتشمل المخاوف الأوروبية سيناريوهات متعددة، بينها دخول مسيرة أو صاروخ المجال الجوي لدولة عضو، أو تنفيذ عملية تخريب ضد منشأة إستراتيجية، أو استهداف منشآت مرتبطة بالنقل العسكري وإمدادات الأسلحة.
ولا تستبعد التقديرات الأمنية كذلك احتمال اختبار رد الفعل الأوروبي من خلال عمليات محدودة على المناطق الحدودية، خصوصًا في دول الجناح الشرقي للناتو، بحيث يجري قياس سرعة القرار السياسي وقدرة الحلف على الاتفاق على طبيعة الرد.
موسكو تختبر قوة الردع
ويرى ماكسيم تشيرنينكو، الباحث الأوكراني المتخصص في الشؤون الجيوسياسية، أن موسكو تنظر إلى العمليات الهجينة باعتبارها وسيلة لاختبار تماسك الخصوم دون تحمل تكلفة مواجهة عسكرية مباشرة.
ويقول تشيرنينكو لـ«إرم نيوز» إن استهداف البنية التحتية أو المنشآت المرتبطة بالدعم العسكري لأوكرانيا يضع الحكومات الأوروبية أمام معادلة صعبة؛ لأنها مطالبة بالرد من دون السماح بتطور الحوادث المحدودة إلى مواجهة مفتوحة.
ويضيف أن أيّ تراخٍ في التعامل مع عمليات التخريب قد يشجع على تكرارها، بينما يمكن أن يؤدي الرد غير المحسوب إلى تصعيد أوسع، ولذلك تحاول العواصم الأوروبية تطوير آليات للرد على التهديدات الهجينة دون تجاوز عتبة الحرب التقليدية.
المادة الخامسة
ويظل السؤال القانوني والسياسي الأكثر تعقيدًا متعلقًا بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو، وتنص على أن أيّ «هجوم مسلح» ضد دولة عضو في أوروبا أو أمريكا الشمالية يُعد هجومًا على جميع الدول الأعضاء، لكن الناتو يوضح رسميًّا أن تحديد ما يشكل هجومًا مسلحًا يتم على أساس كل حالة على حدة، ولا يقتصر بالضرورة على الهجمات التقليدية المباشرة.
كما تؤكد عقيدة الناتو أن الهجمات الهجينة يمكن أن تصل إلى مستوى «الهجوم المسلح» الذي قد يؤدي إلى بحث تفعيل المادة الخامسة، بينما تبقى مسؤولية التقييم والقرار السياسي بيد الحلفاء.
وبالتالي، فإن وقوع خسائر بشرية أو أضرار جسيمة في دولة عضو لا يعني تلقائيًّا تفعيل المادة الخامسة، إذ يتعيّن على الحلفاء تقييم طبيعة الهجوم واتخاذ قرار سياسي بشأن مدى انطباق المعاهدة عليه.
أوروبا تعيد بناء قواعد الرد
وتأتي هذه المخاوف في وقت تتحرك فيه المؤسسات الأوروبية لتطوير أدوات أكثر سرعة للتعامل مع الهجمات التي تقع دون مستوى الحرب التقليدية.
فقد طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فكرة إنشاء آلية أوروبية لمواجهة التهديدات الهجينة، إلى جانب «دليل مضاد للحرب الهجينة» يمكن تفعيله في حالات التخريب والهجمات السيبرانية والتوغلات بالمسيرات.
ويعكس ذلك إدراكًا أوروبيًّا بأن التهديدات الأمنية الجديدة لا تأتي بالضرورة في صورة دبابات تعبر الحدود أو صواريخ تستهدف المدن، وإنما يمكن أن تبدأ بعملية تخريب صغيرة أو مسيرة مجهولة المصدر أو هجوم إلكتروني يصعب تحديد طبيعته ومسؤوليته خلال الساعات الأولى.
من لايبزيغ إلى البلطيق.. اختبار متعدد المراحل
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن أزمة لايبزيغ قد تكون جزءًا من نقاش أوسع داخل أوروبا حول كيفية التعامل مع عمليات تقع على الحدود بين التخريب والعمل العسكري.
إذا اقتصرت العمليات على منشآت مدنية أو لوجيستية، فقد تتعامل الحكومات معها من خلال أجهزة الأمن والقضاء والعقوبات الدبلوماسية والاقتصادية.
أما إذا أدت إلى خسائر بشرية واسعة أو استهدفت منشأة عسكرية أو صاحبها توغل مسلح داخل أراضي دولة عضو، فإن طبيعة الرد تصبح أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، تبدو دول البلطيق وبولندا ورومانيا من أكثر الدول حساسية تجاه احتمالات امتداد الحرب الروسية الأوكرانية إلى أراضي الناتو، في ظل تزايد حوادث اختراق المجال الجوي والمسيرات والتهديدات المرتبطة بالبنية التحتية.
المرحلة المقبلة.. ردع دون حرب
وتضع هذه التطورات الناتو أمام معادلة دقيقة تتمثل في تعزيز الردع بما يكفي لمنع موسكو من اختبار الحلف مجددًا، مع تجنب تحويل كل حادث أمني إلى شرارة لمواجهة عسكرية واسعة.
وتقول العقيدة الرسمية للحلف إن مسؤوليته تجاه التهديدات الهجينة تشمل مساعدة الدول الأعضاء على مواجهة هذه العمليات، فيما يظل قرار تفعيل المادة الخامسة مرتبطًا بتقييم طبيعة الهجوم والقرار السياسي للحلفاء.