استعادة الدولة تسبق أي نقاش في شكل النظام

الفدرالية ليست “قفزة نقاشية” في الهواء، ولا شعاراً يُسحب من جيب اللحظة السياسية لتدوير اصطفافات جديدة. هي، في أحسن الأحوال، نقاش دستوري عميق يحتاج إلى دولة مكتملة الشروط أولاً، لا دولة منقوصة السيادة، ولا كياناً تتنازعه وقائع القوة على الأرض وازدواجية السلاح.

المفارقة في الطرح الذي يُستدعى اليوم، أنه يقفز فوق الأساس ليبني على النتائج. يتحدث عن نظام جديد قبل أن يجيب عن السؤال البديهي: أي دولة نريد أن نفدرلها أصلاً؟ دولة كاملة السيادة؟ أم دولة ما زالت تبحث عن احتكار قرارها الأمني والعسكري والدستوري؟

من هنا، لا بد من وضع الأمور في نصابها. إنّ حزب الكتائب منفتح على أي نقاش وطني جدي حول تطوير النظام السياسي بما يخدم مصلحة لبنان ويحفظ حقوق جميع أبنائه، ولا يضع أي طرح دستوري أو سياسي خارج إطار البحث المسؤول. لكن هذا النقاش، مهما كانت عناوينه كبيرة أو جذابة، لا يمكن أن يُفصل عن الواقع الذي يعيشه اللبنانيون يومياً.

وكما أكد رئيس الحزب النائب سامي الجميّل مراراً، فإن أي نقاش حول شكل النظام أو أي تعديلات دستورية، يجب أن يسبقه تثبيت الأساس: استعادة سيادة الدولة كاملة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية وحدها. فقبل البحث في هندسة الدولة، لا بد من التأكد أولاً أن هناك دولة واحدة، لا دولتين على الأرض، ولا قرارين متوازيين، ولا منظومات قوة خارج الشرعية. وفي هذا الإطار، يوضح الجميّل أن استمرار الواقع الحالي لا يمكن أن يستقيم مع أي مسار إصلاحي أو دستوري، وأنه “لا تعايش مع سلاح حزب الله بعد اليوم”، لأن هذا الواقع يشكل العائق الأساسي أمام قيام الدولة الطبيعية واستعادة منطق المؤسسات.

فكيف يُطلب من اللبنانيين الدخول في نقاش “صيغ كبرى” بينما الصيغة الأولى، أي الدولة، ما زالت غير مكتملة المعالم؟

إنّ أخطر ما في الطروحات المتسرّعة أنها تبدو، في ظاهرها، نقاشاً فكرياً أو دستورياً، لكنها عملياً تقفز فوق جوهر الأزمة. فالمشكلة في لبنان ليست في شكل النظام بقدر ما هي في تعطيل النظام نفسه، وفي ضرب مفهوم الدولة لمصلحة وقوة أمر واقع تفرض إيقاعها على الدستور بدل أن يحكم الدستور الجميع.

من هنا، يصبح ترتيب الأولويات مسألة جوهرية لا تفصيلية. لا يمكن بناء أي نقاش جدي حول مستقبل الكيان قبل استعادة هذا الكيان لسيادته الكاملة. لأن أي حديث عن تطوير النظام في ظل غياب الدولة الفعلية، يتحول إلى نقاش نظري منفصل عن الواقع، أو إلى إعادة إنتاج للأزمة بأسماء مختلفة.

الحفاظ على الكيان اللبناني وسيادة الدولة ليس بنداً في جدول النقاش، بل هو شرطه الأول. وبعد تثبيت هذا الشرط، يصبح كل نقاش حول تطوير النظام أو إعادة النظر في الصيغ الإدارية والدستورية نقاشاً وطنياً مشروعاً، بل وضرورياً، لكنه في مكانه الصحيح لا قبله.

أما القفز فوق هذه المرحلة، فهو ليس تطويراً للنقاش، بل اختصاراً خطيراً للطريق نحو مزيد من التشظي.