استعدادًا للحرب المقبلة... حزب الله يواجه "عيون إسرائيل" بتكتيكات جديدة

كشفت مصادر أمنية لبنانية مطلعة لـ"إرم نيوز"، أن حزب الله يكثّف استعداداته لمواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، يعتقد أنها قد تندلع خلال فترة قريبة، عبر إجراء تغييرات جذرية في تكتيكاته القتالية وانتشار مجموعاته المسلحة جنوب لبنان، بعدما أظهرت المواجهات الأخيرة أن إحدى أبرز نقاط قوته التاريخية، المتمثلة في القدرة على إخفاء المقاتلين والتحركات العسكرية، أصبحت مهددة بفعل التطور الكبير في منظومات الاستطلاع والمراقبة الإسرائيلية.

وأوضحت المصادر أن القيادة العسكرية للحزب تتعامل مع الحرب المقبلة باعتبارها اختباراً مختلفاً عن المواجهات السابقة، بعدما أثبتت العمليات البرية الأخيرة أن إسرائيل لم تعد تعتمد على التفوّق الجوي والناري وحده، بل باتت تجمع بين الرصد الاستخباراتي المدعوم بالذكاء الاصطناعي والقدرة على توجيه ضربات سريعة ضد المجموعات الصغيرة، حتى قبل وصولها إلى مواقع الاشتباك.

وبحسب المصادر، فإن الحزب شرَع في مراجعة أساليب القتال التي اعتمد عليها طوال السنوات الماضية، والانتقال من الدفاعات الثابتة والمواقع المحصنة إلى انتشار أكثر مرونة ولامركزية، مع توسيع الاعتماد على المسيّرات الانقضاضية والمجموعات المستقلة، في محاولة لاستعادة قدرته على المباغتة وتقليص خسائره خلال أيّ اجتياح إسرائيلي جديد. 
عيون إسرائيل تلاحق المقاتلين

وتشير معلومات المصادر الأمنية إلى أن الجيش الإسرائيلي طوّر منظومات استطلاع تربط الطائرات المسيّرة بالمستشعرات الأرضية والصور الحرارية والبصرية، وتستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل التحركات واكتشاف الأنماط غير الاعتيادية.

وقالت المصادر، إن هذه المنظومات رفعت قدرة القوات الإسرائيلية على اكتشاف مجموعات الحزب الصغيرة، المؤلفة عادة من ثلاثة إلى خمسة مقاتلين، بعدما كانت تستفيد من التضاريس الجنوبية والغطاء الطبيعي لتجنب الرصد.

وأضافت أن المشكلة الأخطر تتمثل في تقلص الفترة الفاصلة بين اكتشاف التحركات وتنفيذ الضربات، إذ أصبحت المعلومات الاستخباراتية مرتبطة بصورة مباشرة بوسائل الاستهداف الجوي والمدفعي.

وأظهرت المواجهات الأخيرة في بنت جبيل ومرتفعات علي الطاهر صعوبات واجهتها مجموعات الحزب أمام المسيّرات المسلحة والمركبات الإسرائيلية المشغلة عن بُعد، ما كشف محدودية بعض الأساليب الدفاعية التي اعتمد عليها سابقاً، وفقاً للمصادر.

نهاية الدفاع الثابت

وبحسب المصادر، خلصت المراجعات العسكرية داخل الحزب إلى أن الاحتفاظ بمواقع دفاعية ثابتة، حتى عندما تكون محصنة، أصبح أكثر كلفة في ظل المراقبة الجوية المستمرة والقدرة الإسرائيلية على استهداف التحركات المرتبطة بها.

ودفع ذلك الحزب إلى تبني مفهوم "الاستنزاف المتحرك"، بدلاً من التمسك بخطوط دفاعية تقليدية، مع منح المجموعات الميدانية استقلالية أكبر في اتخاذ قرارات الاشتباك.

وأوضحت المصادر أن هذا التحول لا يعني التخلي عن المنشآت العسكرية تحت الأرض، وإنما تقليص الاعتماد عليها بوصفها الركيزة الأساسية للدفاع، بعدما أثبتت العمليات الإسرائيلية قدرتها على اكتشاف وتدمير أجزاء مهمة منها.

كما اتجه الحزب إلى تعزيز لامركزية مجموعاته القتالية، وتقليص اعتمادها على الاتصالات المستمرة مع القيادات، في محاولة للحد من مخاطر الاختراق الاستخباراتي الذي تسبب بخسائر كبيرة خلال المواجهات السابقة.
المسيّرات والبحث عن بدائل

وفي مواجهة التفوّق الإسرائيلي، كثّف حزب الله استخدام المسيّرات الانقضاضية، بما فيها الطائرات الموجهة بالألياف الضوئية، التي لا تعتمد على إشارات التحكم اللاسلكية التقليدية؛ ما يجعلها أكثر مقاومة للتشويش الإلكتروني.

وترى المصادر، أن توسيع استخدام هذه الوسائل يعكس محاولة لتعويض تراجع فاعلية بعض الأسلحة والتكتيكات البرية، والمحافظة على قدرة المجموعات الصغيرة على تنفيذ عمليات محدودة.

لكن المصادر تؤكد أن هذه المسيّرات ليست محصنة من الاكتشاف أو الاعتراض، وأن فاعليتها لا تكفي وحدها لمعالجة الاختلال الكبير في ميزان القوة.

معادلة عسكرية مختلفة

من جهته، يرى الخبير العسكري العميد أحمد رحال، أن المشكلة التي يواجهها حزب الله في استعداداته للحرب المقبلة لا تتعلق فقط بحجم الخسائر البشرية والتسليحية، وإنما بفقدان جزء مهم من قدرته على التخفي والمباغتة، وهي ميزة شكلت أساساً لإستراتيجيته القتالية خلال الحروب السابقة. فالجيش الإسرائيلي بات يجمع بين التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي والقدرة على تحويل المعلومات إلى ضربات نارية سريعة؛ ما يجعل تحركات المجموعات الصغيرة أكثر عرضة للاكتشاف.

ويشير رحال إلى أن الانتقال إلى الدفاع المرن واللامركزية قد يساعد الحزب على تقليص خسائره، لكنه لا يلغي التفوق الإسرائيلي، خصوصاً في الأجواء والاستطلاع.

ومع ذلك، يقول الخبير العسكري، إنه ينبغي التمييز بين القدرة على اكتشاف الأهداف وتدميرها وبين السيطرة الدائمة على الأرض، فالأخيرة تحتاج إلى وجود بري مستمر. ولذلك ستكون المواجهة المقبلة اختباراً لقدرة الحزب على الاستمرار في القتال ضمن بيئة أصبحت أكثر انكشافاً، وليس مجرد اختبار لما تبقّى لديه من أسلحة وصواريخ. 
معركة السيطرة على الأرض

ورغم التفوق الإسرائيلي، تؤكد المصادر أن قدرة الجيش الإسرائيلي على اكتشاف التحركات وتدمير المواقع لا تعني بالضرورة نجاحه في فرض سيطرة مستقرة على جميع المناطق التي يتوغّل فيها.

وتشير إلى أن عمليات تجريف القرى وتدمير البنية العمرانية في المنطقة العازلة ترتبط أيضاً بمحاولة تغيير البيئة الميدانية التي استفاد منها الحزب تاريخياً في إخفاء مقاتليه ومنشآته.

لكن استمرار قدرة الحزب على تنفيذ هجمات موضعية لا يعني استعادته التوازن العسكري، في ظل الخسائر التي تكبدها والتفوّق الجوي الإسرائيلي المستمر.

وتخلُص المصادر إلى أن التحدي الأكبر أمام حزب الله في الحرب المقبلة لن يكون مجرد إعادة تسليح مقاتليه، بل إيجاد صيغة قتال تستطيع الصمود أمام منظومة إسرائيلية تجمع المراقبة والاستخبارات والنيران، بعدما أصبحت القدرة على الاختفاء نفسها موضع اختبار.