المصدر: المدن
الكاتب: نور الهاشم
الجمعة 6 شباط 2026 22:22:25
خلال زياراته المتكررة الى لبنان، سأل الموفد الأميركي آموس هوكستين، ثلاثة مسؤولين لبنانيين على الأقل، باستغراب: "بأي صفة يهدد مسؤول حزبي قاضياً في قصر العدل؟"
كان هوكستين يتحدث عن تهديد مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في "حزب الله" وفيق صفا، للمحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار. حفرت عبارة صفا بحق البيطار "بدنا نقبعك"، عميقاً في الوجدان الدولي.. بقدر ما حفرت، في المقابل، في صورة "حزب الله" أمام الموفدين الدوليين.. ولم يجد الحزب، بكل ثقله الداخلي، منفذاً للخروج من تلك الحادثة التي هشّمت صورته وحضوره، وعلاقاته الداخلية والخارجية.
أعباء التحوّل
صحيح أن الحزب لم يصدر نفياً أو توضيحاً، لكنه بات مقتنعاً، منذ ذلك الوقت، بأن صفا، بحركته واتصالاته وتشعباته الداخلية، بات عبئاً على أي تموضع جديد للحزب بعد التحولات الأخيرة، بالقدر الذي باتت وحدته الأمنية، عبئاً على أي تحول في تجربة الحزب ومستقبله السياسي في الداخل اللبناني.. فضلاً عن أن الإثنين، صفا والوحدة التي يرأسها بشكلها الماضي، سيكونان عقبة أمام إعادة الهيكلة التي بدأها الشيخ نعيم قاسم، منذ العام الماضي، وتحديداً بعد تشييع سلفه السيد حسن نصرالله.
تقليص الدور
كان صفا، من أوائل الذين صدرت بحقهم قرارات داخلية في الحزب، في ظل ورشة "إعادة الهيكلة" التي أطلقها قاسم في جسم الحزب، وتستهدف تغييرات عميقة في المسؤوليات والوجوه السياسية والإعلامية، وتحديد الاختصاصات والأدوار. كانت تصريحات صفا الإعلامية، قبل تشييع الأمينين العامّين، آخر تصريحاته. فقد صدر قرار من الأمانة العامة بمنعه من الإدلاء بأي تصريح، من دون إذن العلاقات الإعلامية في الحزب.. وغاب بالفعل عن الإعلام، حتى ظهوره يوم إضاءة صخرة الروشة، حيث أدلى بتصريح شَكَرَ فيه الأجهزة الأمنية. تصريح يقتصر على دوره ومهامه، كمسؤول للتنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية.
غير أن تحديد التصريحات، ليس الوحيد في قرارات الأمانة العامة التي قوّضت نفوذه وحركته طوال العام الماضي. بعد توجيه الدعوات للسياسيين للمشاركة في تشييع الأمينين العامين، لم يظهر صفا موفداً للحزب الى السياسيين، ولم تصدر أي صورة له مع أي من الحلفاء أو الخصوم. عاد الى الظل، يمارس مهامه غير السياسية، ولا يتدخل مطلقاً في موضوع الانتخابات والترشيحات..
في المقابل، صعد نجم آخرين، أبرزهم رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" البرلمانية النائب محمد رعد، والوزير الأسبق محمد فنيش، في صدارة موفدو الحزب إلى القوى السياسية والأحزاب اللبنانية.. كما عاد أعضاء الكتلة النيابية الى الضوء والإعلام، كذلك مسؤولون آخرون أبرزهم محمود قماطي، وغاب عن الإعلام مسؤولون حزبيون في مواقع رفيعة، كان شاغلوها في السابق يتصدرون الإعلام مثل مواقع كان يشغلها الراحلان السيد هاشم صفي الدين والشيخ نبيل قاووق... مما أعاد تعريف الحزب في هذه المرحلة، كحزب سياسي، ينطق باسمه السياسيون، وتنحصر علاقاته مع المستوى السياسي اللبناني، في الوجوه السياسية.
هيكلة جديدة
في زحمة تلك التحولات، لم يعد صفا يمتلك أي امتياز يتخطى دوره ومهامه. حتى الإعلام الذي كان صفا على صلة به، بات محصوراً في مسؤولين إعلاميين يشرف عليهم النائب إبراهيم الموسوي، بتكليف وتنسيق مع الأمين العام. تراجعت حظوته داخل الحزب، وتقلصت امتداداته خارجه. أما الهيكلة السابقة التي كانت تتيح له، ولسواه من المسؤولين، "الاجتهاد" في التصرف، فلم تعد متاحة، بدليل الهجوم الأخير الذي شنه إعلاميون ومناصرون على رئيس الجمهورية جوزاف عون، وتبرّأ منه النائب حسين الحاج حسن، إذ تداولت مواقع إخبارية ومجموعات "واتسآب" تصريحاً منسوباً إليه في الأسبوع الماضي، قال فيه: "لا علاقة لحزب الله بأي إهانة طاولت رئيس الجمهورية، ولم يكن خطاب الشيخ نعيم قاسم موجهاً له".
الصحيح اليوم أن صفا استقال من موقعه، وليس من الحزب. وليس محسوماً، حتى الآن، ما إذا كان صفا سيتسلم موقعاً حزبياً آخر. لكن وحدة الارتباط والتنسيق، تخضع لهيكلة أيضاً، ولن يكون شكلها أو مهامها كما كانت قبل الحرب الأخيرة. تغيير شكل وحدة الارتباط والتنسيق ووظائفها، هو جزء من التغييرات في الحزب الذي يتحول الى حزب سياسي، وفي حال نجاحه في المهمة، لن يكون فيه العسكر أو الأمن، أصحاب قرار.
بإعادة تعريف وظائف وحدة الارتباط والتنسيق وحضورها، وقبول استقالة صفا، وفقاً لما ذكرته "رويترز"، يكون "حزب الله"، الماضي في التحول الى تجربة جديدة، كمن يخاطب الدولة اللبنانية بلغة سلسة، ويخاطب الولايات المتحدة بمفردات تطمئنها، وتسهل محادثاتها مع الدولة اللبنانية التي تعهدت بأن تكون ضمانة أمام المجتمع الدولي، لتكريس منطق الدولة.