استهداف السعودية أول اختبار لاتفاق مكة...الحلفاء يتريّثون وواشنطن تدعم سياسياً

 لم يكن توقيت اللقاء السري الأميركي ـ الحوثي الذي عقد في مسقط عادياً. فاللقاء جرى في وقت كانت الرياض تعلن عن اعتراض قواتها العسكرية طائرة مسيّرة قالت إنها أُطلقت من جانب الحوثيين وكانت متجهة نحو مكة المكرمة.

لاحقًا بدأ التصعيد يأخذ منحى تصاعديا خطيرا بعد تعرض المطارات والمنشآت النفطية والموانئ التي تشكل عصب الاقتصاد والأمن السعودي لقصف عنيف، مما يؤكد أن الحوثي قرر نقل الصراع إلى العمق السعودي والضغط على المملكة إقتصاديا وعسكريا من خلال إثبات أنها ليست بمنأى عن الحرب الإقليمية.

"ما يجري اليوم لا يبدو مجرد عودة إلى الحرب السعودية ـ الحوثية القديمة، بل امتداد للصراع الإقليمي الأكبر الذي دخلت فيه الولايات المتحدة وإيران، وأصبح اليمن احد مسارحه" تقول مصادر متابعة لـ"المركزية". وتوضح أن الحوثيين يعتمدون استراتيجية جديدة في حربهم الجديدة على السعودية التي تراوح بين الصواريخ والطائرات المُسّيرة ضد العمق السعودي والنفط والموانئ للضغط الاقتصادي، وباب المندب كورقة استراتيجية دولية.أما الولايات المتحدة فتواجه معادلة أكثر دقة: حماية حليفتها السعودية والمصالح النفطية والممرات البحرية، من دون الانجرار إلى حرب برية أو حملة عسكرية مفتوحة في اليمن. وإذا بقيت واشنطن خارج الضربات المباشرة، واستمرت السعودية في الرد منفردة، فقد يحاول الحوثيون تثبيت معادلة جديدة عنوانها أن أي ضغط عسكري على صنعاء ستكون كلفته في الرياض وجازان وينبع والمنشآت النفطية السعودية".

أما إذا تعرضت منشآت الطاقة السعودية لأضرار واسعة أو تعطلت حركة النفط في البحر الأحمر، فإن المسألة ستخرج من إطار الحرب اليمنية ـ السعودية إلى أزمة طاقة وأمن دولي، وهو السيناريو الذي سيضع واشنطن أمام اختبار حقيقي بين الاكتفاء بالدعم السياسي والدفاعي وبين التدخل العسكري المباشر".

بدوره، يوضح الكاتب والمحلل الجيوسياسي الدكتور جورج أبو صعب لـ"المركزية" أن "استهداف السعودية يستجيب لمشروعين: مشروع إسرائيلي ومعه بعض الجهات العربية ويهدف إلى تقويض نظام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الرافض لمبدأ التطبيع مع إسرائيل ومشروع إيراني صفوي بإسقاط ولاية آل سعود على الأراضي المقدسة والسعودية نظرا لموقعها الاستراتيجي المهم في المنطقة".

السؤال عمن أعطى الضوء الأخضر للحوثيين قد يكون هو الأساس لكن وفق المصادر المتابعة فإن" المعطيات المتاحة تشير إلى أن الحوثيين يتحركون ضمن المحور الإيراني، لكن ذلك لا يعني أن كل عملية حوثية تصدر بأمر إيراني مباشر.

على أن التصعيد الحالي لم يبدأ في فراغ. فقد سبقه صدام في تموز الماضي بعد قيام الرياض بمنع طائرة إيرانية من نقل قيادات حوثية، وقصفت مطار صنعاء، فرد الحوثيون باستهداف مواقع داخل المملكة. حينذاك حصل بن سلمان على دعم ترامب للتحرك ضد الحوثيين. من هنا فإن الكلام عن إعطاء واشنطن الضوء الأخضر للحوثيين بضرب المملكة هو مجرد كلام لتأجيج النفوس والأدق أن الولايات المتحدة أعطت السعودية في مرحلة سابقة دعماً سياسياً للتحرك، ثم رفضت لاحقاً الانخراط العسكري المباشر عندما طلبت الرياض ذلك.

وردا على ما يستند إليه هذا الكلام يقول أبو صعب" من المؤكد أن إيران أعطت الحوثيين الضوء الأخضر لضرب السعودية بهدف الضغط على العالم في موضوع الطاقة والإقتصاد وبالتالي إضعاف السعودية. لكن للحوثيين أيضاً أجندتهم الخاصة التي تبتعد في خطوطها عن إيران وهي الإستيلاء على اليمن". ويختم أبو صعب ملوحاً بأن اللقاء الأميركي-الحوثي براغماتي بامتياز إذ أن الأميركي لا يمانع أبدا في مغازلة الشيطان لتأمين مصالحه ".

إذا كانت السعودية تتعرض لهجمات متكررة، فلماذا لم نشهد حتى الآن رداً عسكرياً مباشراً من تركيا أو باكستان؟

الإجابة لا تبدو مرتبطة بغياب التضامن السياسي، بقدر ما ترتبط بطبيعة الاتفاق نفسه وبحسابات كل من أنقرة وإسلام آباد، إضافة إلى الدور الأميركي في إدارة التصعيد الإقليمي. وتشير المصادر إلى أن اتفاق مكة ينص على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره اعتداء عليها جميعاً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الرد العسكري يصبح آلياً وفورياً، كما هي الحال في بعض الأحلاف العسكرية التي تمتلك قيادة مشتركة وقواعد اشتباك وآليات واضحة لاتخاذ القرار. وحتى الآن، لم تتبلور بصورة كاملة آلية تحديد طبيعة الرد، والجهة التي تقرر الانتقال من التضامن السياسي إلى العمل العسكري.

وهنا يدخل العامل الأميركي باعتباره أحد مفاتيح فهم الموقف التركي والباكستاني.

فالولايات المتحدة، على رغم شراكتها الاستراتيجية مع السعودية، لا تبدو مستعدة في المرحلة الحالية للدخول في حرب مباشرة جديدة ضد الحوثيين. وتركز واشنطن على حماية مصالحها وحرية الملاحة في البحر الأحمر، مع تقديم الدعم للسعودية دفاعياً واستخباراتياً، لكنها لا تريد بالضرورة أن تخوض الحرب اليمنية نيابة عن الرياض.

وإذا كانت الولايات المتحدة نفسها تتجنب التدخل العسكري المباشر، فهل من المنطقي أن تذهب أنقرة أو إسلام آباد منفردتين إلى حرب مفتوحة مع الحوثيين؟ من هنا يمكن فهم الحذر الذي تبديه الدولتان" تختم المصادر.