المصدر: الراي الكويتية
الخميس 14 أيار 2026 00:17:05
من بكين، إلى واشنطن، مروراً بنيويورك، تَوَزَّعَتْ أنظارُ بيروت، فيما كان دخانُ الاعتداءات الإسرائيلية التي استُعيدتْ على التخوم الجنوبية للعاصمة اللبنانية (ساحل الشوف) يَرسم بالنار صورةً عن وقوع «بلاد الأرز» بين «حَقْلِ جَمْرٍ» لا ينفكّ يتّسع ليضيف بلدات وقرى جديدة إلى حزام الدمار الشامل وحقل ألغامٍ من تعقيداتٍ متشابكة تزنّر مَسار التفاوضِ المباشر لإنهاء الحرب الذي يُسابِق «حزاماً ناسفاً» يلفّه ويطلّ من الميدان كما الكواليس الدبلوماسية.
ففيما كان الرئيس دونالد ترامب، يبدأ زيارةً تاريخية للصين، سيَحضر فيها ملف إيران الذي تَرتبط به جبهةُ لبنان في البُعد التزامني رغم الدينامية الدبلوماسية المنفصلة التي انطلقت عبر مسار المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب في واشنطن، ازدادتْ مؤشراتُ تَحَوُّل الدولة اللبنانية بمثابة «المُفاوِض المحاصَر» بميدانٍ يشتعل، ولكن الذي لم يَحُلْ إمساكه بكرة النار في يديه من دون أن يُظْهِر انتفاضة دبلوماسية موازية وغير مسبوقة مع ارتسام اشتباك ديبلوماسي معها في دوائر مجلس الأمن على شكل مراسلات متقابلة يتصل جوهرها بأدوار إيران وتدخلها في القرار السيادي اللبناني «وتوريط البلاد في حرب مدمرة خلافاً لإرادة مؤسساتها الدستورية».
وعشية الجولة الثالثة من مفاوضات واشنطن، ارتسمت مفارقةُ انهماك بيروت برصْد محطة ترامب في الصين حيث تُبحث خرائط نفوذ الكبار، في وقت يحاول الجيشُ الإسرائيلي في جنوب لبنان رسْم خرائط «الأمر الواقع» بالدبابات التي عَبَرَتْ قبل أيام نهر الليطاني في اتجاه شماله وذلك لتجميْع «الأوراق الذهبية» تَحَسُّباً لـ «حَظْرِ» أميركي على مضيّ إسرائيل في «الحرب في كنف الهدنة»، التي يُتوقّع أن تُمدَّد للمرة الثالثة، أو لاستئناف القتال الشامل في حال عودة الخيار العسكري على جبهة إيران.
ومن خلْف مَشهدية دبلوماسية القمم (في الصين) التي يقابلها «تطاحن القاع» (في لبنان)، اختصرت مصادر سياسية على خصومة مع «حزب الله» المشهد عشية الجولة الثالثة من مفاوضات واشنطن بالآتي:
- أن «فَصْلَ المسارات» دبلوماسياً بين لبنان وإيران الذي تطالب به بيروت، يصطدم بواقع أن إسرائيل وإيران (كلٌ لاعتباراته) تصران على إبقاء المساريْن «ملتحميْن» بالنار.
- أن الدولة اللبنانية تذهب الى مفاوضات واشنطن، وهدفها الأول انتزاع تثبيت وقفٍ تام وشاملٍ للنار في محادثات اليوم تمهيداً لخوض غمار العناوين الأخرى الجمعة، والمتّصلة بالانسحاب من الأراضي اللبنانية وإطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار تمهيداً لعودة النازحين، ونشر الجيش في الجنوب حتى الحدود الدولية بعد تثبيتها استناداً لما نصّت عليه اتفاقية الهدنة.ولكن لبنان يجد نفسه مضغوطاً من إسرائيل التي تصرّ على وضع إطار لـ«تفاوض تحت النار»، ومن «حزب الله» الذي رفض المفاوضات المباشرة في المبدأ ولا يجيّر ورقة سلاحه للدولة بل يُبْقيها كـ «احتياطي استراتيجي» لإيران على طاولة اسلام اباد كما في أي حربٍ مستعادة عليها، في الوقت الذي لا يملك المفاوض اللبناني في واشنطن إلا محاولة الرهان على واشنطن لطلب «وقف النار أولاً».
- أن إسرائيل التي قامت من خلال عبور الليطاني بما يشبه «ترسيم حدودٍ بالدبابات» لشروطها على طاولة واشنطن كما لأيّ حرب جديدة، موجّهةً رسالة مفادها «إما أخْذ سلاح حزب الله بالمفاوضات، أو سنأخذ الأرض بجنودنا»، مضت في تأجيج الميدان عشية جولتي واشنطن.ولم يكن عادياً، انفلاش الاستهدافات في شكل هو الأكبر منذ بدء الهدنة قبل نحو شهر، خصوصاً التي جاءت على شكل «اغتيالات السيارات» التي شملت نهاراً 7 من ساحل الشوف (الجية والسعديات) مروراً بمدينة صيدا وصولاً الى قضاء صور وسقط فيها 12 شخصاً، 8 منهم في الغارات الثلاث على الجية والسعديات بينهم طفلان.وفي موازاة الحرب الدبلوماسية التي ينخرط بها لبنان في واشنطن في محاولةٍ مزدوجة لضمان سيادته الكاملة على أراضيه، ولكفّ يد إيران عن الملف اللبناني والتحكّم والسيطرة عليه، فإنّ بيروت أعطت إشارة متقدّمة جديدة إلى مضيّها في «الحرب السيادية» بشقّها الدبلوماسي مع طهران وهذه المرة في أروقة الأمم المتحدة.
وقد أعلنت الخارجية اللبنانية أن ما تم تداوله عن تقديم بيروت شكوى ضد إيران أمام مجلس الأمن غير دقيق «إذ إن لبنان قدّم ردوداً على رسائل كانت إيران قد رفعتها إلى مجلس الأمن».
وكانت تقارير أشارت الى أن «الخارجية اللبنانية» أودعت في 21 ابريل الماضي رسالة وُجّهت الى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وإلى رئيس مجلس الأمن الدولي، وباتت بمثابة وثيقةٍ تعكس حجم التوتر في العلاقات بين بيروت وطهران والتي صارت أقرب إلى قطيعةٍ أو طلاقٍ مع وَقْف الإعلان.وتنص الوثيقة بشكل خاص على «حق لبنان في المطالبة بأعمال المسؤولية الدولية لإيران وتحميلها النتائج المترتبة على خرقها المتكرر لالتزاماتها الدولية، وذلك بناء على تصرفاتها المخالفة لكل الأعراف والقواعد الدولية، وتوريط لبنان في حروب مدمرة خلافاً لإرادة مؤسساته الدستورية». وحمّلت الرسالة الأجهزة الإيرانية، بما فيها الحرس الثوري، القيام بأفعال غير مشروعة، في تحد صارخ لقرارات الحكومة اللبنانية، وبإدخال لبنان في حرب مدمرة أدت إلى مقتل وجرح آلاف اللبنانيين، وتهجير أكثر من مليون مواطن، وإلحاق خسائر مادية لا تضاهى واحتلال إسرائيل أجزاء من الأراضي اللبنانية وإقامة أحزمة أمنية.