الإسناد المالي الإيراني لـ"حزب الله"... هل يفتح "العين الحمراء" الأميركية على لبنان؟

لم يكن عابراً مع العدِّ التنازلي لجولةِ الـ «ميني مفاوضات» المفترَضة على المستوى العسكري بين لبنان وإسرائيل برعايةٍ أميركية في تامبا - فلوريدا في غضون أسبوعين، أن ترتسم ملامحُ «عين حمراء» من واشنطن تجاه بيروت ساهمتْ في «تغذيتها» طهران بتأكيد «إمْرتها» العسكرية والسياسية على «حزب الله» وصولاً إلى تَكَشُّفِ نجاحها في إرسال 200 مليون دولار له الشهر الماضي لمساعدة النازحين.

وفيما كانت الدولةُ اللبنانيةُ تسعى بصعوبةٍ إلى رَسْمِ مَسارٍ عنوانه «التَقابُل والمَرْحلية والتوازي» بين الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب وحصْر السلاح إنفاذاً لموجبات الاتفاق «الإطار الثلاثي»، وذلك عبر محاولة انتزاعٍ جدولٍ زمني بخروج إسرائيل بما يُسهّل إحياءَ السحْبِ «المُلبْنَن» لترسانة «حزب الله» من كل البلاد وفق خطةٍ سابقة كان بدأ بوضعها الجيش (2025)، فإن الحزبَ ومِن خَلْفه إيران لم يتوانيا عن تعقيدِ مهمّة لبنان الرسمي وزرْع المزيد من «الأشواك» في الطريق إلى مفاوضاتِ تامبا التي لم تتبلّغ بيروت موعدها الرسمي بعد وإن كان مرجَّحاً بين 20 و22 الجاري، وذلك على وقع مناخاتٍ من واشنطن عن أنها باتت تضع «بلاد الأرز» أمام اختبار نقْل التعهدات السياسية إلى مرحلة التنفيذ «والنتائج القابلة للقياس والتحقق» تحت طائلة دخول الخزانة الأميركية وعقوباتها على الخط.


فبعدما استعادَ الشيخ نعيم قاسم (الثلاثاء)، إشكاليةَ «أيّهما أولاً البيضة أو الدجاجة» التي يَختبئ خلْفها «حزب الله» لتبرير تَمَسُّكه بسلاحه ورفض أي بَحْثٍ فيه شمال الليطاني إلا بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب، وهو ما تقابله تل أبيب بمعادلة مضادة عنوانها «لا انسحاب إلا بعد تفكيك ترسانة الحزب في كل لبنان»، توقفت أوساط سياسية باهتمام كبير أمام ما أوردتْه «رويترز» اليوم الأربعاء عن أن «حزب الله تلقى 200 مليون دولار من طهران لمساعدة اللبنانيين النازحين جراء الحرب مع إسرائيل هذا العام، وذلك في أول مساعدة كبيرة يقدمها الحزب لأنصاره الذين تحمّلوا وطأة الصراع».


ونَقَلَتْ عن مصدرين مطلعين «أن حزب الله تلقى المبلغ الشهر الماضي رغم تشديد الولايات المتحدة قبضتها الاقتصادية على إيران، وتزايد صعوبة إيصال الأموال إلى حليف طهران اللبناني»، وأن «الأموال الإيرانية المخصّصة للحزب تُرسل عبر وسطاء يتقاضون أربعة أمثال الرسوم المعتادة بسبب ارتفاع المخاطر».

ولفت المصدران إلى أن طهران دفعت عمولة 20 في المئة لإيصال الـ 200 مليون دولار، و«أن حزب الله يواجه صعوبة في تلقي الأموال عبر الشركات المالية المعتادة التي لم تعد خياراً بسبب العقوبات الأميركية».

واكتسب هذا التطور أهميته لاعتبارات عدة أبرزها:


- مَعانيه على مستوييْن يُخشى أنهما يتشابكان. أولهما لجهة رفْد «حزب الله» بعناصر «إسناد مالي» تشكّل واقعياً احتواءً لتململٍ في بيئته التي لم يَسبق أن زُجَّت في حربيْن متواليتين خلال عاميْن، ومحاولةً لوقْف «تَمَدُّد الدولة» في ميدان تمكينه المعيشي – الاجتماعي عبر تقدُّم حكومة الرئيس نواف سلام صفوف دعْم النازحين وتهيئة أرضية عودتهم وبروز ملامح تبدُّل في المزاج الجنوبي تجاه الشرعية اللبنانية.

أما المستوى الثاني فهو احتمالُ أن يكون هذا «التمويل» مرتبطاً باتجاهاتٍ تصعيدية قد تحصل في الأسابيع المقبلة وتستوجب استعداداتٍ لموجاتِ نزوح جديدة على أبواب الشتاء، مع ما يَحمله ذلك من مؤشراتٍ إلى أن «حزب الله» لم تنتهِ مَهمته بعد على جبهة إيران و«توحيد» جبهة لبنان معها، وهو ما عَكسه أيضاً كلام قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني قبل أقلّ من أسبوع عن أنّه «ينبغي تعزيز حزام الدفاع والاستقلال والعزة الممتدّ من أفغانستان إلى اليمن ومن إيران إلى غزة ولبنان في مختلف أنحاء العالم الإسلامي»، وأن الجيل الجديد من حزب الله «لن يترك إسرائيل وشأنها».


- انّ هذه الأموال اخترقتْ كل الضوابط اللبنانية الموْصولة بالعقوبات الأميركية، وتشكّل إحراجاً لبيروت التي لا تنفك تعلن امتثالها لكل موجبات مكافحة تهريب الأموال وتبييضها وتمويل الإرهاب.

 

- ان ما كشفتْه «رويترز» جاء بعيد كلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أثينا اليوم الأربعاء، عن أن «إيران لم تستغلّ الفرص العديدة للتوصل إلى اتفاق معنا في شأن البرنامج النووي»، لافتاً إلى أنها «تنفق المال على الإرهاب والأسلحة وحزب الله».


وتَرافق كلام روبيو أجواء من واشنطن عن أن الأخيرة انتقلتْ إلى ضغطٍ على لبنان على 3 مسارات متوازية: سحب السلاح، التحقق من ذلك، والمال (تمويل حزب الله).


وأبلغت مصادر أميركية إلى محطة MTV اللبنانية أن هناك «تبدّلاً واضحاً في نبرة التعاطي مع بيروت. فالإدارة الأميركية تريد نتائج قابلة للقياس والتحقق لا مزيداً من التعهدات السياسية»، و«أن الموقف الأميركي بات مباشراً: نزْعٌ وتفكيك موثّق للسلاح خارج الدولة يقابله تنفيذٌ إسرائيلي تدريجي للالتزامات، وأن واشنطن تريد أن تكون آلية التحقق نفسها أكثر صرامة لأن الخلاف لم يَعد فقط على مَن ينفذ بل مَن يثبت أن التنفيذ حصل أصلاً».

 

الخزانة الأميركية


ووفق هذه المصادر الأميركية فإن «البحث يتوسع أيضاً إلى حلقات النفوذ داخل مؤسسات الدولة، في القطاعات الأمنية، العسكرية والمالية، ومَن يسهّل أو يحمي أو يفتح الطريق أمام استمرار هذه المنظومة»، وقالت: «الرسالة الأقسى هي من الخزانة الأميركية، حيث إن وزير الخزانة سكوت بيسنت لن ينتظر طويلاً، والعقوبات الأميركية باتت أقرب مع بدء انكشاف أسماء ومسارات وشبكات يجري التدقيق فيها»، مضيفة: «الموقف الأميركي بات لا تطلبوا منا الضغطَ على إسرائيل فيما لا تنفذون المطلوب من الدولة. وإذا لم يتحوّل الوعد اللبناني إلى فعل، فإن المواجهة المقبلة مع واشنطن قد لا تكون سياسية فقط بل مع وزارة الخزانة الأميركية مباشرة، والوقت يضيق ومَن لا ينفّذ اليوم قد يجد نفسه غداً على لائحة العقوبات».


وعلى وقع هذه المناخات ومحاولة لبنان المستمرة لتوفير بدائل أممية، تشكل أوروبا جزءاً منها، لقوة «اليونيفيل» التي تنهي مهمتها في الجنوب آخر السنة، بدأت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية نائبة رئيس المفوضية الأوروبية كايا كالاس زيارة لبيروت تستمر حتى الخميس.

وستلتقي كالاس كبار المسؤولين، كما ستشارك في مراسم تسليم معدات مقدمة في إطار آلية السلام الأوروبية وتزور مرفأ بيروت.

اتفاق الطائف

وفي موازاة ذلك، أكد الرئيس نواف سلام «أن الدساتير ليست نصوصاً لتنظيم السلطة فحسب، بل لتقييدها أيضاً»، مشدداً على ضرورة تطبيق اتفاق الطائف بكامل بنوده، وتصحيح ما تم تشويهه عند التطبيق، وسدّ الثغر التي كشفتها الممارسة، وتطوير الدستور عند الحاجة وفق قواعده.


وخلال افتتاح معرض «بين سطور الدستور» في المكتبة الوطنية، قال سلام «إن الدستور اللبناني، بعد مئة عام على صدوره، لايزال الإطار الذي انتظم فيه وجود الدولة وتحددت من خلاله مؤسساتها وسلطاتها وحقوق اللبنانيين وحرياتهم». وأضاف «أن الاحتفال بمئويته يستدعي السؤال عمّا تحقق من غاياته، وما بقي ناقصاً بعد قرن من الأزمات والحروب والتسويات».

وفي حديثه عن اتفاق الطائف، أكد أنه «لم يكن مجرد تسوية لإنهاء الحرب، بل محاولة جديدة للإجابة عن كيفية إدارة التعدد من دون أن يتحول إلى صراع على الدولة»، موضحاً أن الاتفاق أعاد توزيع الصلاحيات، ونقل السلطة الإجرائية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وكرّس المناصفة في مجلس النواب، ورسم مساراً لاستكمال بناء الدولة، يشمل إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وإنشاء مجلس للشيوخ، إلى جانب الإنماء المتوازن واللامركزية الإدارية الموسعة.


وشدد على أن «الطائف ركّز على أهمية بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وهو الأساس الذي من دونه لا قيامة حقيقية للدولة: فالطائف لم يفصل الإصلاح السياسي عن استعادة الدولة لسلطتها، وعن حل الميليشيات وحصر القوة الشرعية في مؤسساتها»، وقال: «هذه ليست مسألة أمنية فحسب. إنها مسألة دستورية في جوهرها، إذ لا معنى لسيادة الشعب إذا تعدّدت مصادر السلطة خارج المؤسسات التي تمثله. ولا معنى لدولة القانون إذا لم يَسْرِ القانون على الجميع. ولا تكتمل سيادة الدولة إذا كانت قرارات سيادية، مثل قرارات الحرب والسلم والأمن الوطني، تُتخذ خارج مؤسساتها الدستورية».