المصدر: النهار
الكاتب: منال شعيا
الثلاثاء 24 آذار 2026 07:22:35
هو تاريخ طويل وحافل من الاعتداءات المتكررة بين لبنان وإسرائيل. بدءاً من عمليات عسكرية، مروراً باعتداءات جوّية وبرّية وصولاً إلى حروب دامية قطّعت أوصال لبنان، شعباً وحجراً.
صحيح أن إسرائيل غزت أو اجتاحت لبنان عام 1982، "حرفياً" بحيث لا يزال هذا الاجتياح يلاحق ذاكرة اللبنانيين، حتى عند الذين لم يعايشوه. إلا أنه يمكن التوقف أيضاً، ضمن العرض التاريخي لتلك العلاقة الدامية بين لبنان وإسرائيل، عند أكثر من عملية عسكرية واسعة النطاق، وإن لم تكن كل هذه العمليات من نوع الاجتياحات الثقيلة أو الغزوات البرية.
عام 1978، كانت "عملية الليطاني". عامذاك، عرفت "عملية الليطاني" بغزو إسرائيلي واسع لجنوب لبنان وسُمّيت عملية "حجر الحكمة". بدأ الهجوم في 14 آذار 1978 لاحتلال المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني باستثناء صور، وهدف أساساً إلى طرد "منظمة التحرير الفلسطينية" وتأمين الحدود، الأمر الذي مهّد لاجتياح 1982.
لم تكن "عملية الليطاني" مجرّد تقدّم عسكري، لكنها تميزت بتفاصيل عملية زادت من أهميتها. على صعيد القوات المشاركة، تميّزت بحشد حوالي 25,000 جندي إسرائيلي في الهجوم البرّي والبحري والجوّي. وحددت الأهداف بالقضاء على "قواعد الفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان".
أتت العملية العسكرية في أعقاب "العملية الفدائية الفلسطينية" بقيادة دلال المغربي يوم 11 آذار 1978 على حافلتين إسرائيليتين قرب تل أبيب، ما أدّى إلى مقتل 37 إسرائيلياً وجرح 76. سريعاً، دخلت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان بحجة إزالة قواعد "منظمة التحرير الفلسطينية" ومناطق انطلاقها جنوبي نهر الليطاني.
وأمام طبيعة هذا الهجوم النوعي، كانت النتائج كالعادة كارثية على لبنان. أدّت العملية إلى احتلال إسرائيل لجنوبي نهر الليطاني، قبل أن تعود وتنسحب لاحقاً بعدما نجح لبنان الديبلوماسي – الرسمي بانتزاع القرار الشهير من مجلس الأمن، والذي حمل الرقم 425 ودعا إلى انسحاب إسرائيلي فوري. وعلى أثره، تشكلّت قوة "اليونيفيل".
في المحصّة، كانت "عملية الليطاني" اجتياحاً برّياً محدوداً في الجنوب، أقامت خلاله إسرائيل "حزاماً أمنياً" بعمق 10 كلم، وأدّى إلى سقوط نحو 1100 قتيل، غالبيتهم من المدنيين.
إلى بيروت
إلى عام 1982... كان الاجتياح الإسرائيلي الشامل. سُمّي عملية "سلامة الجليل" التي بدأت في حزيران 1982، وتجاوزت الأهداف المعلنة لتصل إلى احتلال العاصمة بيروت، وفرض حصار شديد عليها. نتج عنه مقتل قرابة 20 ألف شخص، وخروج "منظمة التحرير الفلسطينية".
بأمر من حكومة مناحيم بيغن التي تذرّعت بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن من قبل "مجموعة فلسطينيّة منشقة"، كان اجتياح لبنان...
بدأ الاجتياح في السادس من يونيو/حزيران 1982، وخلال يومين، دخلت القوات الإسرائيلية إلى جنوب لبنان واحتلت مناطق صور والنبطية وحاصبيا والشوف، ثمّ وصلت إلى بيروت في العاشر من يونيو/حزيران ثم احتلت القصر الرئاسي في بعبدا في 13 حزيران.
في يوليو/تموز 1982، فرضت القوات الإسرائيلية حصاراً شديداً على ما كان يُعرف يومها بـ"بيروت الغربية"، ما أدّى إلى كوارث إنسانية، حيث تعرّضت المدينة لقصف مكثف بأشكال متعدّدة من القنابل.
كانت التداعيات أكثر من مدّمرة. بلغ عدد الضحايا المدنيين 26 ألفاً و506، منهم 11 ألفاً و840 طفلًا، و868 امرأة، وأصيب 2994 شخصاً بحروق خطيرة بسبب استخدام الاحتلال القنابل الفوسفورية.
عام 1985، انسحبت إسرائيل جزئياً من لبنان، ولكنها احتفظت بمنطقة أمنية حدودية في الجنوب.
توريط متكرّر
مذذاك، كان قد دخل مفهوم "حزب الله" إلى القاموس السياسي اللبناني. ظهر كتنظيم قوة عسكرية لمواجهة إسرائيل بعد اجتياحها عام 1982...
وفي ما عُرف بعملية "تصفية الحساب" عام 1993، ردّت إسرائيل على الهجمات الصاروخية لـ"حزب الله" على المستوطنات الشمالية، فأطلقت عمليتها العسكرية التي عُرفت بحرب السبعة أيام، والتي شهدت قصفاً جوياً ومدفعياً مكثفاً أدّى إلى قتلى ومئات الإصابات.
وهكذا، توالت العمليات: "عناقيد الغضب" (1996) استمرّت 16 يوماً، "حرب 2006" أو "عدوان تموز"، استمر 34 يوماً، وانتهى باستصدار القرار 1701.
وبين الحربين، كانت إسرائيل قد انسحبت عام 2000، بشكل كامل من جنوب لبنان، إلا أن توريط لبنان لم ينته.
عام 2024، ورّط لبنان في "حرب إسناد"، اعتُبرت تصعيداً عسكرياً خطيراً، عُرف بـ"حرب لبنان الثالثة" أو الغزو الإسرائيلي، حيث شنّت إسرائيل هجوماً برّياً وجوياً واسعاً على جنوب لبنان والضاحية الجنوبية في 1 تشرين الأول 2024. تميزت الحرب بغارات مكثفة، اغتيالات لقيادات، ونزوح هائل فاق بمراحل عدوان الـ2006...
ثم ورّطت البلاد مجدداً في آذار 2026. لطالما يصوّر لبنان على أنه "ساحة لحروب الآخرين". وما هذا العرض التاريخي سوى استذكار للماضي ولكن أيضاً إسقاط لحاضر يعكس مؤشراً مستقبلياً خطيراً. بعدما دخلنا فصلاً جديداً من توريط لبنان بـ"حرب خامنئي". تطوّرت الحرب ميدانياً وسريعاً مع مساعٍ إسرائيلية لإنشاء حزام أمني أوسع أو فصل مناطق جنوبي الليطاني، بالتزامن مع تصعيد عسكري ضد "حزب الله". فأعادت حرب الـ2026 إلى الأذهان، شريطاً طويلاً من حروب واجتياحات وتوريط متجدّد... وكارثي.
خسائر... بالأرقام
• "عملية الليطاني": قتل نحو 1100 شخص، معظمهم من المدنيين وأصيب أكثر من ألفين.
• الاجتياح الإسرائيلي للبنان (حرب لبنان الأولى): قتل نحو 20 ألف شخص، أغلبهم مدنيون.
• عملية "تصفية الحساب": قُتل فيها نحو 120 شخصاً، معظمهم من المدنيين.
• عملية "عناقيد الغضب": قُتل فيها نحو 175 شخصاً، معظمهم من المدنيّين، و351 جريحاً.
• حرب لبنان الثانية 2006: قُتل نحو 1300 شخص (معظمهم من المدنيين اللبنانيين).
• حرب 2024: قُتل نحو 4000 شخص وأصيب الآلاف، ونزح حوالي 1.2 مليون مدني.