الامتحانات الرسمية بين فوضى الحرب وارتباك الدولة: هل يُعاقَب الطلاب لأن الدولة فشلت؟

وسط الحرب المفتوحة التي يعيشها لبنان منذ الثاني من آذار، والانهيار النفسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يطحن العائلات والطلاب والأساتذة على حد سواء، تحوّلت الامتحانات الرسمية من محطة تربوية وطنية إلى ساحة اشتباك سياسي وتربوي وإداري مفتوح. وما يجري اليوم داخل وزارة التربية لم يعد مجرد اختلاف تقني حول عدد الدورات أو طبيعة الأسئلة، بل أصبح انعكاساً صارخاً لعجز الدولة عن إنتاج رؤية تربوية عادلة وواقعية في زمن الحرب.

فالبلاد المنقسمة جغرافياً وأمنياً وتعليمياً لا يمكن إدارتها بعقلية الظروف الطبيعية. والطالب الذي نزح من منزله، أو انقطع عن التعليم، أو عاش تحت القصف والخوف والتهجير، لا يمكن مقارنته بطالب تابع دروسه بشكل شبه طبيعي في مناطق مستقرة. فالعدالة التربوية لا تعني المساواة العمياء، بل تعني مراعاة الفوارق الاستثنائية التي فرضتها الحرب على الطلاب اللبنانيين.

وزارة التربية أمام اختبار الثقة

المشكلة الأساسية اليوم ليست فقط في شكل الامتحانات، بل في اهتزاز الثقة بكل العملية التربوية. فعندما تجتمع لجان المواد وتضع توصيات واضحة مبنية على دراسات ميدانية، ثم تُعدَّل هذه التوصيات لاحقاً داخل المكاتب السياسية والإدارية، فإن الرسالة التي تصل إلى الطلاب والأساتذة هي أن القرارات لم تعد تربوية بل خاضعة للضغوط والتوازنات والنفوذ.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن الامتحانات الرسمية ليست مجرد أوراق وأسئلة، بل هي آخر ما تبقى من هيبة الدولة التعليمية. وعندما يشعر الطالب أن المعايير تتبدل فجأة، وأن المواد المطلوبة قد تتغير تحت تأثير المصالح أو الضغوط، فإن ذلك يضرب مبدأ تكافؤ الفرص من أساسه.

المدارس الخاصة والرسمية: فجوة تتوسع تحت النار

لا يمكن تجاهل الواقع القائم: هناك مدارس خاصة استطاعت استكمال المناهج تقريباً، فيما مدارس رسمية كثيرة عاشت أشهراً من الانقطاع والفوضى والنزوح. وهذا ليس ذنب الطلاب، بل نتيجة مباشرة لحرب دمّرت البنية التعليمية وأظهرت هشاشة الدولة.

لكن الأخطر هو محاولة التعامل مع هذا التفاوت وكأنه غير موجود. فالإصرار على رفع سقف المواد المطلوبة، أو رفض أي تسهيلات مدروسة، قد يؤدي عملياً إلى معاقبة آلاف الطلاب الذين كانوا ضحية ظروف خارجة عن إرادتهم.

التعليم في زمن الحروب لا يُدار بمنطق التحدي والاستعراض، بل بمنطق الاحتواء وتقليل الخسائر الوطنية. فالمطلوب اليوم إنقاذ العام الدراسي، لا تصفية الحسابات التربوية أو تسجيل انتصارات شكلية حول “هيبة الامتحانات”.

التعليم المهني والتقني: القطاع المنسيّ دائماً

وفي خضم هذه المعمعة، يبرز الغياب الفاضح للتعليم المهني والتقني عن النقاش الوطني. فهذا القطاع الذي يشكل شريحة أساسية من الطلاب اللبنانيين جرى التعامل معه وكأنه هامش ثانوي، رغم أنه يمثل أحد أهم مسارات الإنقاذ الاقتصادي والاجتماعي في لبنان.

طلاب التعليم المهني يعيشون اليوم ضياعاً كاملاً: لا رؤية واضحة، ولا آلية امتحانات مستقرة، ولا نقاش جدي حول أوضاعهم. وكأن الدولة قررت مرة جديدة أن هذا القطاع لا يستحق الأولوية، رغم أن دول العالم المتقدمة تعتبر التعليم المهني العمود الفقري للإنتاج وسوق العمل.

إن تغييب هذا القطاع عن الاجتماعات والنقاشات والقرارات يشكل فضيحة تربوية حقيقية، لأنه يكشف استمرار النظرة الدونية إلى التعليم المهني في لبنان.

ما الحلول الواقعية الممكنة؟

أولاً: العودة إلى دورتين فقط

إجراء ثلاث دورات سيزيد الفوضى والإرباك اللوجستي والنفسي. المطلوب دورتان واضحتان بمواعيد مدروسة، مع منح الطلاب فرصة فعلية للاستعداد.

ثانياً: اعتماد تسهيلات علمية عادلة

ليس المقصود ضرب المستوى الأكاديمي، بل اعتماد مواد اختيارية أو تخفيف مدروس يراعي الواقع الاستثنائي الذي مرّ به الطلاب، تماماً كما حصل في دول عديدة عاشت حروباً وكوارث.

ثالثاً: تثبيت المواد فوراً ومنع أي تعديل

أي تعديل جديد على الدروس المطلوبة سيخلق مزيداً من الفوضى. المطلوب قرار نهائي شفاف يُحترم من الجميع.

رابعاً: خطة إنقاذ خاصة للتعليم المهني

يجب إعلان آلية مستقلة وواضحة لامتحانات التعليم المهني والتقني، وإشراك ممثلي القطاع في كل الاجتماعات التربوية.

خامساً: حماية الطلاب نفسياً

الحرب لم تضرب التعليم فقط، بل دمّرت الاستقرار النفسي لجيل كامل. والمطلوب خطاب تربوي هادئ ومسؤول يخفف القلق بدل تعميقه يومياً عبر التسريبات والتناقضات.

لبنان أمام معركة بقاء تربوية

المشكلة لم تعد فقط في الامتحانات الرسمية، بل في السؤال الأخطر: أي جيل تخرّجه الدولة اليوم وسط هذا الانهيار؟

فالدول التي تنهار تربوياً تسقط أخلاقياً ووطنياً على المدى الطويل. والتعليم ليس ترفاً إدارياً بل قضية أمن قومي ومستقبل وطن.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى عناد إداري ولا إلى مزايدات سياسية داخل القطاع التربوي، بل إلى خريطة إنقاذ وطنية حقيقية تنطلق من مصلحة الطالب أولاً وأخيراً. لأن الطالب اللبناني لم يعد يحتمل المزيد من الفوضى، ولا يجوز أن يتحول إلى ضحية إضافية في بلد يتقن تدمير مستقبله بيديه.