المصدر: نداء الوطن
الكاتب: بطرس الخوري
الجمعة 13 شباط 2026 10:37:09
لطالما اعتُبرت الانتخابات النيابية في لبنان محطة أساسية ومفصلية في مسار البلاد والتوازنات السياسية والطائفية، فمنذ الاستقلال الى اليوم، اقترع اللبنانيون خمس عشر مرة، في ظل متغيرات اقليمية وداخلية كانت لها الأثر الاكبر في تركيبة التحالفات الانتخابية وفي نتائج صناديق الاقتراع. وتأتي الانتخابات، السادسة عشرة منذ الاستقلال، والسابعة بعد انتهاء الحرب وتوقيع اتفاق الطائف، كما سابقاتها، على وقع متغيرات إقليمية ومحلية كبيرة. فما مدى تأثير هذه المتغيرات على كل الانتخابات التي سبقت وعلى الاستحقاق المقبل؟
في أيلول من العام 1943، انتخب اللبنانيون المجلس النيابي على وقع حراك شعبي للدفع من أجل الاستقلال، وانقسم الناخبون بين معسكرين، معسكر دستوري يؤيد الاستقلال التام والناجز عن الانتداب، ومعسكر كتلوي يؤيد الاستقلال من ضمن معاهدة، أو حماية فرنسية، وكان للخلاف البريطاني _ الفرنسي في الشرق، تأثير على مجرى الانتخابات التي أتت نتائجها لصالح مؤيدي الاستقلال، وتمّ انتخاب الرئيس بشارة الخوري رئيسًا للجمهورية، الذي كلّف رياض الصلح بتشكيل الحكومة، ومعًا أعلنا "وثيقة الاستقلال" التي ردّت عليها فرنسا باعتقالهما وأعضاء من الحكومة في قلعة راشيا، وبتدخل بريطاني مباشر على وقع احتجاجات ومظاهرات، أفرجت فرنسا عن المعتقلين واعترفت باستقلال لبنان.
بعد المجلس الاستقلالي، خاض اللبنانيون انتخابات ثانية في أيار 1947، ذاع صيتها في التزوير لصالح العهد وحلفائه، ولم يكن التأثير الخارجي بعيدًا عنها، خاصة التأثير الفرنسي في دعمها للمعارضة، ويعترف الرئيس صبري حماده، وهو كان وزيرًا للداخلية في الحكومة، بالتزوير واصفًا إيّاه "بالتزوير الحلال" ويقول: "إنه إن كان ثمة تزوير، فمردّه الى كوننا سعينا لإبعاد كل من شابت وطنيتهم شائبة لخطورة الموقف، والفرنسيون ما زالوا يسعون لاستعادة سيطرتهم على المرافق الحيوية في البلاد، فكان إذن تزوير له مبرراته..."، أدّت نتائج انتخابات 1947 الى التجديد للرئيس بشارة الخوري بعد انتهاء ولايته في 1949 لثلاث سنوات اضافية.
انطبعت الانتخابات الثالثة، دورة 1951-1953، بأنها رعت المرحلة السياسية التحولية من عهد الرئيس بشارة الخوري الى عهد الرئيس كميل شمعون، إقليميًا، سلسلة انقلابات عسكرية أطاحت بالحكم المدني في سوريا الصديق للعهد في لبنان، محليًا بدأت معركة إنهاء عهد بشارة الخوري بقيادة الجبهة الوطنية الاشتراكية التي تزعمت المعارضة، وبعد سنة على الانتخابات، قدّم الرئيس الخوري استقالته إثر مظاهرات واسعة اتهمته بالفساد وسوء الادارة.
بعد انتخاب كميل شمعون رئيسًا، جرت الانتخابات النيابية الرابعة في آب 1953، وقد أتت هذه الانتخابات في خضم تحولات إقليمية أضعفت من نسبة التدخل أو التأثير على مجرياتها، ففي مصر سقطت الملكية بعد ثورة الضباط الاحرار في تموز 1952، والنظام الجديد فيها منشغل بأموره الداخلية، وسوريا لا تزال تحت تأثير الانقلابات الداخلية، مما سمح بإجراء انتخابات هادئة أفرزت نتائجها عن أكثرية نيابية موالية للرئيس، استطاعت مواكبته بتحقيق الانجازات التي طبعت عهده.
بعد استلام جمال عبد الناصر الحكم في مصر وقيامه بتأميم قناة السويس، وقعت حرب 1956 بين مصر وكلًّا من اسرائيل وفرنسا وبريطانيا، عُرفت بالعدوان الثلاثي، انتهت بانتصار مصري وبروز نجم عبد الناصر بين الشعوب العربية وفي لبنان ايضاً، وكان قد تشكّل في تلك الفترة، حلف بغداد مدعومًا من البريطانيين للحد من التوسع السوفياتي في المنطقة، وقد جنح الحكم في لبنان للانضمام اليه، وأتت الانتخابات النيابية اللبنانية في آب 1957، في ظل هذا الصراع الاقليمي بين المعسكر الغربي والاتحاد السيوفاتي من جهة، والتأثير الناصري على بعض أفرقاء الداخل الذين اتّهموا الرئيس شمعون بتزوير النتائج لضمان مجلس نيابي يمددّ له بعد انتهاء مدة ولايته، كما اتهام المعارضة للسفارة الأميركية بإغداق مبالغ مالية كبرى لبعض المرشحين المحسوبين على واشنطن. أسقطت انتخابات 1957 رموز المعارضة كصائب سلام، وكمال جنبلاط، وأحمد الاسعد، مما راكم في تفاقم الازمة وأدى الى أحداث 1958 الدامية، التي انتهت بانتخاب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب لرئاسة الجمهورية.
اعتمد الرئيس شهاب سياسة خارجية منسجمة مع عبد الناصر القابض على مصر وسوريا بعد إعلان الوحدة بينهما، كما اعتمد سياسة داخلية قائمة على التوازن بين المسيحيين والمسلمين، ووضع قانون جديد للانتخابات على أساس القضاء، قانون 60، ونتيجة لهذه السياسات أتت نتائج انتخابات 1960 لصالح العهد، وكانت الثورة التشريعية الادارية التي أسست معظم المؤسسات العامة وأصبحت العمود الفقري للإدارة حتى يومنا هذا.
استقرّ الوضع في عهد الرئيس شهاب وكانت التأثيرات الخارجية ضعيفة مقابل اللعبة الداخلية، وكانت سمة انتخابات 1964، تدخّل المكتب الثاني فيها، الذي اتهمته المعارضة بدعم مرشحيين والتلاعب بالنتائج للحصول على أكثرية مؤيدة للنهج الشهابي والتي أتت بشارل الحلو رئيساً للجمهورية.
بعكس عهد سلفه، عانى الرئيس الحلو من التدخلات الخارجية، خاصة بعد وقوع حرب 1967 وهزيمة الدول العربية، وانكفاء نجم عبد الناصر مقابل صعود حركات المقاومة الفلسطينية في لبنان والمنطقة. هذه الأحداث كانت في صلب المعركة الانتخابية الثامنة منذ الاستقلال، بين فريق يؤيد عمل المقاومة الفلسطينية أغلبه مسلم، وفريق خائف من انفلاش الحركات المسلحة أغلبه مسيحي، في هذا الإطار جرت المواجهة بين لوائح الحلف الثلاثي، المشكّل من الرئيس شمعون، والشيخ بيار الجميّل، وريمون اده، ولوائح النهج الشهابي المدعوم من المكتب الثاني. كان لفوز لوائح الحلف عاملاً مساعداً لخسارة النهج الانتخابات الرئاسية في العام 1970.
في العام 1972، جرت الانتخابات النيابية الأخيرة في الجمهورية الاولى، تميّزت هذه الانتخابات بالابتعاد عن التأثيرات الأقليمية، والتدخلات الداخلية للعهد، وكان يُفترض أن تنتهي ولاية المجلس المنتخب في أيار 1976، ولكن نتيجة اندلاع الأحداث تمّ التمديد لهذا المجلس مرة بعد أخرى حتى انتهاء الحرب وتوقيع اتفاق الطائف وبداية مرحلة جديدة في البلاد.
بعد التعديلات التي أُقرت في الطائف، ودخول لبنان تحت هيمنة الوصاية السورية المباشرة، جرت انتخابات 1992، في ظل مقاطعة مسيحية واسعة قادها البطريرك صفير والأحزاب المسيحية، وبعض الشخصيات الإسلامية، آنذاك حصلت الانتخابات بمن حضر، وأفرزت قوى جديدة داخل اللعبة السياسية، منها "حزب الله" والرئيس رفيق الحريري.
لحقت انتخابات 1996 و2000 بسابقتهما، فقد كان وضع اليد السورية على البلد، والنظام الأمني المشترك، متحكمين بالعملية الانتخابية ونتائجها، الا أنه في العام 2000 برز الرئيس الحريري بفوزه، وإجهاض عملية الاقتصاص منه لمعارضته العهد، ونجاح بيار الجميّل، ابن الرئيس أمين الجميّل، المعارضين للوجود السوري، منفرداً في المتن الشمالي.
تراكمت المعطيات الخارجية والداخلية قبل انتخابات العام 2005، فخارجيًا تبدّل الشرق الأوسط مع الاجتياح الأميركي للعراق، ومحاصرة سوريا بصدور القرار 1559 عن مجلس الأمن، الذي ينص على انسحاب جميع الجيوش الأجنبية من لبنان، ونزع سلاح الميليشيات، وأتى الرد السوري بفرض التمديد للرئيس لحود، ومحاولة اغتيال النائب مروان حماده، وصولاً الى اغتيال الرئيس الحريري، قبل موعد الانتخابات بأشهر. هذه الانتخابات الأولى التي حصلت بعد انسحاب الجيش السوري، جاءت نتائجها لصالح تحالف 14 أذار، مقابل تحالف 8 آذار الذي انضم اليه التيار الوطني الحرّ لاحقاً. وشهدت البلاد بعد ذلك انقسامًا سياسيًا حادًا بين الفريقين، انسحب على انتخابات 2009، التي جرت بعد تفاهم الدوحة في قطر، نتيجة غزوة بيروت والجبل في 7 أيار 2008. طبعاً كانت التأثيرات الخارجية كبيرة وواضحة في انتخابات 2005 و2009 وصلت الى حدّ الدعم المالي المباشر للأفرقاء من كافة الجهات، وحتى تدخل في تشكيل اللوائح وتسمية بعض المرشحيين.
بعد تمديد لثلاث مرات جراء التوترات الأمنية والسياسية الداخلية والأقليمية، أتت نتائج انتخابات 2018 على أثر تسوية سياسية في 2016، أوصلت العماد ميشال عون إلى الرئاسة، وكانت الانتخابات الاولى التي تحصل وفقاً لقانون النسبية، وفي ظل تعقيدات أقليمية وتحديات داخلية، أبرزها مسألة سلاح "حزب الله"، والحرب السورية وتداعياتها، والأزمة الأقتصادية التي انفجرت على شكل مظاهرات وثورة عُرفت بثورة 17 تشرين 2019.
شهدت الفترة بين انتخابات 2018 وانتخابات 2022، عدّة أحداث محلية معطوفة على أحداث أقليمية تركت تأثيراً على انتخابات 2022، فمن الأزمة الأقتصادية والانهيار النقدي والمصرفي، الى انفجار مرفأ بيروت، والاشتباك السياسي على ملف السلاح والترسيم البحري بين لبنان واسرائيل، واعتكاف تيار المستقبل للعمل السياسي، كل هذه العوامل الداخلية والخارجية فرضت مجلسًا نيابيًا مؤلفًا من الفريق المؤيد لـ"حزب الله"، وفريقاً مناهضًا له، وكتلة تغييرية أفرزتها ثورة 17 تشرين.
تدخل البلاد في 2026، الى انتخابات نيابية، في ظل متغيرات أقليمية وداخلية كبيرة سيكون لها الأثر الكبير على نتائجها، ففي سوريا سقط نظام الأسد، وفي لبنان كان لحرب 7 أكتوبر ودخول "حزب الله" فيها مساندةً لحماس نتائج أثّرت على المعطيات والتحالفات الداخلية، وتمّ انتخاب العماد جوزف عون رئيسًا للجمهورية وتكليف حكومة برئاسة نواف سلام التزمت بحصر السلاح وبسط سيادة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية، ناهيك عن التحدّيات الأقتصادية والاصلاحات المطلوبة والضغط الدولي والعربي لحلّ ملف السلاح خارج اطار الشرعية.
كل هذه العوامل سترخي بظلالها على مجريات الانتخابات ونتائجها، فهل سيكون المجلس النيابي الجديد، كمجلس 1943، مجلسًا استقلاليًا سياديًا تأسيسيًا للبنان الجديد؟ أم سيكون مجلس تدوير الزوايا وتأجيل الأزمات ليقضي الله امراً كان مفعولاً؟