المصدر: النهار
الكاتب: رندة تقي الدين
الاثنين 31 آب 2026 17:16:54
دخل البحث في مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان مرحلة دقيقة مع المشاورات التي جرت في نيويورك يوم الجمعة الماضي حول الترتيبات التي يمكن اعتمادها بعد انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل".
وأظهرت المناقشات توافقاً بين عدد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن، باستثناء الولايات المتحدة، على ضرورة تجنب حصول فراغ في الجنوب وإيجاد صيغة لوجود دولي يضم عناصر من دول مختلفة لمواكبة الجيش اللبناني بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل".
وتأخذ هذه المشاورات في الاعتبار الموقف الرسمي للحكومة اللبنانية، الذي تم التعبير عنه في رسالة وجهتها إلى مجلس الأمن، تطالب فيها بوجود دولي يخلف "اليونيفيل" في الجنوب. ويعتبر لبنان أن استمرار نوع من الحضور الدولي ضروري لمواكبة انتشار الجيش اللبناني والمساهمة في الاستقرار ومراقبة الوضع الميداني.
غير أن المصادر الدبلوماسية تشير إلى أنه لا يمكن ببساطة إنشاء "يونيفيل" جديدة لتحل مكان القوة الحالية، ولذلك يجري البحث عن صيغة مختلفة، فيما لا يزال شكلها وحجمها ومهماتها غامضاً، ولم يتوصل أعضاء مجلس الأمن حتى الآن إلى اتفاق بشأنها.
وتتمحور إحدى النقاط الرئيسية في المناقشات حول حاجات الجيش اللبناني، إذ يدرك أعضاء في مجلس الأمن أن الجيش يحتاج إلى دعم إضافي، وخصوصاً في مجال القدرات الهندسية ونزع الألغام والذخائر غير المنفجرة، فضلاً عن حاجات تقنية ولوجستية أخرى. وترى دول عدة أن الأمم المتحدة قادرة على توفير جزء من هذه القدرات والمساعدة في تعزيز إمكانات الجيش، الذي يفترض أن يتحمل مسؤوليات متزايدة في الجنوب.
لكن الوضع الميداني لا يقتصر على حاجات الجيش التقنية. فهناك أيضاً حاجة، وفق فرنسا ودول أخرى، إلى وجود عسكري دولي يتولى مهمات المراقبة ومواكبة عمل الجيش اللبناني، خصوصاً في منطقة لا تزال تشهد توتراً ومخاطر أمنية كبيرة.
وفي هذا السياق، نقل عن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، الدبلوماسي الفرنسي جان بيار لاكروا، قوله أمام أعضاء مجلس الأمن إن لدى الأمم المتحدة أصلاً مراقبين عسكريين دوليين يعملون بمهمات مفتوحة زمنياً، أي إن وجودهم لا يخضع لولاية محددة المدة على غرار «اليونيفيل». وهؤلاء المراقبون موجودون منذ عقود في المنطقة، وبينهم نحو أربعين مراقباً في لبنان.
إلا أن هذا الخيار لا يبدو كافياً في الظروف الحالية. فالتوتر القائم في جنوب لبنان، والمخاطر المرتبطة بالوضع الأمني، يجعلان الحاجة تتجاوز مجرد وجود عدد محدود من المراقبين العسكريين، وهو ما يفسر استمرار البحث عن صيغة أوسع تجمع بين دعم الجيش اللبناني ووجود دولي قادر على مراقبة التطورات على الأرض.
ولم تؤد مشاورات الجمعة إلى نتيجة نهائية، ولا يزال القرار بشأن طبيعة الترتيبات التي ستخلف "اليونيفيل" بعيداً عن الحسم، خصوصاً في ظل اختلاف المواقف داخل مجلس الأمن.
أما المبادرة الفرنسية- الإيطالية، فهي أيضاً لم تتوصل حتى الآن إلى تصور نهائي للقوة أو الوحدة التي يمكن أن تخلف "اليونيفيل". وتشير المصادر إلى تباين في المقاربة داخل الحكومة الإيطالية نفسها، إذ أبدى وزير الدفاع الإيطالي طموحاً أكبر حيال تشكيل وحدة دولية تضطلع بمهمات واسعة في الجنوب، في حين بدت رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني أكثر حذراً إزاء المشروع ومخاطره.
ويأتي الحذر الإيطالي أيضاً، بحسب المصادر، في ظل تلقي إيطاليا رسالة من "حزب الله" يعارض فيها وجود قوة دولية جديدة في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل". وهذا الموقف يشكل عنصراً إضافياً في حسابات الدول التي قد تكون مستعدة للمشاركة في أي ترتيب دولي جديد.
لذلك تؤكد المصادر أنه لم يُحسم شيء حتى الآن، فيما ترى أوساط الأمين العام للأمم المتحدة أن الوقت المتاح للتوصل إلى حل يضيق بسرعة. فمع اقتراب نهاية المرحلة العملياتية لـ"اليونيفيل"، يتعين على مجلس الأمن تحديد شكل الوجود الدولي المقبل، في وقت يبقى فيه جنوب لبنان بحاجة إلى دعم الجيش ومراقبة دولية وآلية تمنع تحول انتهاء مهمة «اليونيفيل» إلى فراغ أمني في منطقة شديدة الحساسية .